د ..محمود ابوعميرة يكتب أما عَلِمتَ أنَّك لو عُدتَه لَوَجَدتَني عِندَه؟


ما أوسع المسافات التي يقطعها الإنسان في عمره باحثًا عن الله، وما أعجب أن يجد في نهاية الرحلة أن أبواب القرب كانت مفتوحة منذ البداية في قلوب الناس وفي التخفيف عن آلامهم وقضاء حاجاتهم وعلاج ضعفهم وانكساراتهم!
ومن أبهى الكلمات التي أشرقت بها السنة النبوية، وأرقِّ المعاني التي تفيض رحمةً وجلالًا، ذلك الحديث القدسي العظيم الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يقول يوم القيامة: "يا ابن آدم، مرضتُ فلم تعدني... أما علمتَ أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمتَ أنك لو عدته لوجدتني عنده؟"
يا لها من كلمة تهز القلب هزًّا، وتفتح أمام الروح آفاقًا من المعرفة والمحبة لا تنتهي: أما علمتَ أنك لو عدته لوجدتني عنده، إنها ليست مجرد دعوة إلى زيارة مريض، بل هي كشفٌ رباني عن سرٍّ من أسرار الطريق إلى الله، إنها تعلمنا أن الله سبحانه لا يُطلب بالأنانية، ولا يُنال بالانعزال عن الخلق، وإنما يُرجى قربه في مواطن الرحمة وتُستجلب معيته في ساحات الإحسان.
فالله جل جلاله غنيٌّ عن العالمين، لا يمرض ولا يضعف، ولكنه أراد أن يربّي القلوب على أن من أحب عباده أحبه، ومن رحم خلقه رحمه، ومن جبر كسيرًا وجد الله معه.
لقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، فجعل المعية الإلهية قرينة الإحسان. وما الإحسان إلا أن يتحول القلب إلى نهرٍ جارٍ من الخير، يسقي العطاش، ويمسح دموع المحزونين، ويضيء ظلمات المحتاجين.
إن كثيرًا من الناس يظنون أن الطريق إلى الله يمر فقط عبر المحاريب والمساجد، وفي هذا الحديث القدسي يعلمنا الله سبحانه وتعالى ان الطريق اليه يمر أيضًا عبر المستشفيات ودور الأيتام وبيوت الفقراء وأماكن الضعفاء والمنكسرين.
هناك، عند سرير مريض يتألم بصمت، هناك عند أمٍّ تربي ايتام وقد أرهقها الفقر، هناك، عند يتيمٍ يفتقد دفءَ اليد الحانية، هناك، عند شيخٍ أثقله العمر والوحدة، هناك تسمع النداء الخفي: أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ وكأن الله سبحانه يريد أن يقول لعباده: إذا أردتم أن تتعرفوا إلى آثار رحمتي، فانظروا إلى عبادي المحتاجين إليها، وإذا أردتم أن تقتربوا مني، فاقتربوا ممن يحتاجون إلى عونكم.
ولهذا جاء القرآن كله مشبعًا بهذه الروح العظيمة، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقال جل شأنه: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، إنها رسالة واحدة تتكرر بألف صورة: ابحثوا عن الله في أعمال الرحمة، تجدوا آثار لطفه ونفحات قربه.
وفي السنة المطهرة يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس" ما أعمق هذه الكلمة! فميزان القرب من الله ليس فيما تأخذه من الدنيا، بل فيما تمنحه للناس، ليس كم جمعت، بل كم أعطيت، ليس كم عشت لنفسك، بل كم عشت لغيرك، ولذلك كانت أعظم القلوب هي أكثرها عطاءًا.
تأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان يحمل هموم الناس قبل همومه، ويقضي حوائجهم، ويواسي ضعفاءهم، ويجبر خواطرهم، حتى قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وهي تصفه: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"، فكأنها كانت تصف قلبًا صار مرآةً للرحمة الإلهية في الأرض.
وما المرض إلا مثال من أمثلة كثيرة، فالمعنى أوسع من ذلك بكثير، فلو واسيت حزينًا لوجدت الله عنده، ولو علمت جاهلًا لوجدت الله عنده، ولو أطعمت جائعًا لوجدت الله عنده، ولو سترت فقيرًا لوجدت الله عنده، ولو دللت ضائعًا على الطريق لوجدت الله عنده، ولو أنصفت مظلومًا لوجدت الله عنده، ولو جبرت خاطرًا مكسورًا لوجدت الله عنده، بل إن الكلمة الطيبة نفسها باب من أبواب هذا المعنى العظيم.
فكم من إنسان كانت حياته تتداعى من الداخل، فأحياه الله بكلمة صادقة خرجت من قلب رحيم! وكم من نفس أوشكت أن تغرق في اليأس، فأنقذها الله بابتسامة حانية أو موقف كريم! فليدرك كل منا إن المعروف لا يضيع والرحمة لا تضيع والخير لا يضيع، لأن الله هو الذي يتسلمه قبل أن يصل إلى الناس.
ولهذا جاء في الحديث القدسي: "يا ابن آدم، أنفق أُنفق عليك" فالعطاء ليس نقصًا، بل زيادة، وليس فقرًا، بل غنى، وليس خسارة، بل استثمار أبدي في خزائن الرحمن، والعجيب أن أكثر الناس سعادة ليسوا الذين أخذوا أكثر، بل الذين أعطوا أكثر، فالسعادة الحقيقية ليست فيما تملكه اليد، وإنما فيما يفيض من القلب.
إن البخيل يعيش سجين ما يملك، أما الكريم فيعيش حرًّا فيما يمنح، ولهذا كانت أرواح المحسنين واسعةً كالسماوات، لأنهم تعلموا سرًّا من أسرار الحياة: أن الإنسان حين يخرج من دائرة نفسه الضيقة يدخل إلى فضاء الله الواسع.



















مصرع أم شهيدة لقمة العيش وطفليها واصابة 2 اخرين من ابناءها
دكتور جامعي يدفع حياتة ثمنا للصلح بين زوجين بتلا
عامل يمزق جسد شقيقه الاصغر حتي الموت ببركة السبع
مجهولون يهشمون رأس عجوز حتي الموت لسرقة 50 ألف جنيها بالمنوفية
شراكة استراتيجية بين جامعة المنوفية وقطاع الخدمات الطبية بوزارة الداخلية
البديوي السيد: ماتحقق من منتخب مصر أمام نيوزيلندا دافعاً قوياً لمواصلة المشوار...
صحة المنوفية تغلق 26 منشأة صحية وتنذر 352
صباح النصر يا مصر.. الفراعنة يكتبون التاريخ في المونديال