مما لاشك فيه أننا نعيش اليوم في زمن سُلبت فيه العقول، واختطفت فيه الهويات خلف شاشات براقة، حيث يمر البشر بأكبر عملية تزييف في التاريخ المعاصر تحت وطأة غزو الذكاء الإصطناعي وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي. لقد تحول الإنسان من كائن مكرم يمتلك حرية الإرادة والتفكير، إلى مجرد ترس في آلة رقمية ضخمة تحركه كيفما تشاء.
اصبحنا في عصر غزو العقول والهروب من الواقع عندما بدأ الأمر بالاستسلام الكامل للتكنولوجيا؛ حيث جرى تسليم المفاتيح العقلية للذكاء الاصطناعي، والاعتماد عليه اعتماداً كلياً في حل المشكلات، والبحث عن إجابات لأسئلة الوجود والغيب.
هذا التواكل الرقمي ألغى التفكير النقدي، ودفع الناس إلى تقمص شخصيات وهمية تتنافى تماماً مع واقعهم الشخصي وحقيقتهم.
أصبح الكذب والإفتراء على الآخرين وسيلة معتمدة للتعايش الرقمي، وانفصل الإنسان عن هويته الحقيقية ليعيش في جلباب افتراضي صُنع له خصيصاً.
تحول المجتمع بفعل هذه المنصات إلى قطبين لا ثالث لهما: إما منتج للمحتوى وإما مستهلك له، والهدف الأسمى هو عبادة "الترند" والركض خلف الشهرة السريعة مقابل حفنة زائفة من المال.
ولم يتوقف الزيف عند السلوكيات، بل إمتد ليتوارى الإنسان من خلقة الله تعالى وصناعته البديعة في نفسه، عبر اللجوء إلى فلاتر التجميل الرقمية وتطبيقات تغيير الملامح والوجوه؛ بحثاً عن كمال وهمي تصنعه الخوارزميات، وتبرؤاً من الملامح الحقيقية التي ميزت كل بشر عن غيره .
انهارت القيم والأخلاق في سبيل حصد المشاهدات، سقطت حصون الحياء؛ فأصبح البعض يصور محارمه وبيته وعرضه ليقدمهم قرباناً للمشاهدين دون إستحياء أو خوف من الخالق.
أثرت هذه المنصات في عقول الشباب، فدفعتهم لصنع المستحيل وخوض تحديات قاتلة تودي بأرواحهم، فقط من أجل بضع ثوانٍ من الشهرة الزائفة. كما تفنن الكثيرون في إختلاق الأزمات والمشكلات العائلية، وعرضها على الملأ لإستدرار التعاطف، وتوجيه الرأي العام للانحياز لطرف دون الآخر، في غياب تام للحقيقة والتبين.
إن من يجيد إستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم، يمسك بخيوط اللعبة كاملة. لقد تحولنا إلى دمى نتحرك بتوجيه مباشر من السوشيال ميديا التي تقود الرأي العام وتصنع الوعي الزائف.
ولم يسلم الإستقرار الأسرى من هذا التدمير الممنهج؛ حيث ارتفعت معدلات الطلاق بشكل مخيف بسبب الميديا والتواصل غير المنضبط، وتحريض النساء على خراب بيوتهن وترك أزواجهن بحجج واهية تذبح الاستقرار على مقصلة الحرية الوهمية.
إنها صرخة نذير قبل فوات الأوان: إما أن نستعيد عقولنا وفطرتنا وإنسانيتنا، أو أن نرتضي لأنفسنا أن نعيش ونموت كنسخ رقمية مشوهة في عالم جعلنا فيه.. مزيفين