الإثنين 22 يونيو 2026 10:42 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

نعَمل أكثر... فلماذا لا نزداد ثراء ؟

النهار نيوز

نعمل أكثر... فلماذا لا نزداد ثراءً؟

أ.د/ وائل زكريا الصاوي الشنهابي

استاذ إدارة الاعمال – كلية التجارة

جامعة البريمي سلطنة عمان – جامعة بورسعيد بمصر

[email protected]

www.linkedin.com/in/wael-zakaria-171291271

هل سبق أن شعرت في نهاية يوم عمل طويل بأنك تعمل أكثر من أي وقت مضى، لكن دخلك لا يتحسن بالقدر الذي تتوقعه؟

هذا السؤال لا يشغل الأفراد فقط، بل يرتبط بتحول اقتصادي أوسع تشهده سلطنة عُمان. فمع تسارع التحول الرقمي وتزايد الاعتماد على التكنولوجيا في مختلف القطاعات، أصبح مفهوم الإنتاجية أكثر أهمية من أي وقت مضى. وتشير البيانات الرسمية إلى أن مساهمة الاقتصاد الرقمي في الاقتصاد العُماني بلغت نحو 800 مليون ريال عُماني، في إطار مسار وطني يستهدف رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2040.

ومع هذا التحول، لم يعد السؤال الحقيقي: "كم ساعة نعمل؟"، بل أصبح: "كم قيمة ننتج خلال ساعات العمل؟". وهنا تبدأ قصة الإنتاجية، ذلك العامل الخفي الذي يفسر لماذا يزداد دخل بعض الأشخاص والمؤسسات بوتيرة أسرع من غيرهم رغم أنهم لا يعملون ساعات أطول.

يستيقظ الموظف مبكرا، يقضي ساعات طويلة في العمل، يرد على عشرات الرسائل الإلكترونية، يحضر الاجتماعات، ويتابع التزاماته اليومية. وعندما يعود إلى منزله في المساء يشعر بأنه بذل جهدا مضاعفا مقارنة بما كان عليه قبل سنوات. لكن عند نهاية الشهر يكتشف أن دخله لا يعكس هذا الجهد بالشكل الذي كان يتوقعه.

وقد يعتقد البعض أن السبب يعود إلى ارتفاع تكاليف المعيشة أو زيادة الالتزامات الأسرية، وهي عوامل حقيقية بلا شك، لكنها ليست القصة كاملة. فهناك عامل آخر أقل وضوحا وأكثر تأثيرا، وهو ما يسميه الاقتصاديون وخبراء الإدارة "الإنتاجية".

والإنتاجية ببساطة ليست عدد الساعات التي نعملها، بل مقدار القيمة التي ننتجها خلال تلك الساعات.

تخيل موظفين يعملان في مؤسسة واحدة في مسقط. كلاهما يعمل ثماني ساعات يوميا. الأول يقضي جزءا كبيرا من وقته في البحث عن الملفات، وإعادة كتابة التقارير يدويا، وإنجاز الإجراءات المتكررة. أما الثاني فيستخدم أدوات رقمية حديثة، ويستعين بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في إعداد التقارير وتحليل البيانات وتنظيم العمل.

في نهاية اليوم، قد يكون الموظفان أمضيا عدد الساعات نفسه، لكن قيمة ما أنجزه الثاني أكبر بكثير. هنا لا يصبح الفارق في الجهد، بل في الإنتاجية.

وهذا ما يفسر ظاهرة يلاحظها كثير من الناس اليوم. فهناك من ترتفع دخولهم بشكل ملحوظ خلال سنوات قليلة، ليس لأنهم يعملون ساعات أطول، بل لأنهم أصبحوا أكثر قدرة على إنتاج قيمة أعلى للسوق.

في الماضي، كانت المؤسسات تكافئ الحضور الطويل والبقاء لساعات إضافية. أما اليوم، فإن المؤسسات الأكثر نجاحا في العالم أصبحت تسأل سؤالا مختلفا: ماذا أنجزت؟ وليس كم ساعة جلست في المكتب؟

ولعلنا نرى أمثلة واضحة على ذلك في حياتنا اليومية. فصاحب مشروع صغير في عُمان يستخدم المنصات الرقمية للتسويق قد يصل إلى آلاف العملاء داخل السلطنة وخارجها دون أن يفتح فرعا جديدا. والمحاسب الذي يتقن أدوات التحليل الحديثة يستطيع إنجاز ما كان يحتاج أياما في ساعات قليلة. وحتى الحرفي أو رائد الأعمال الذي يوظف التكنولوجيا في إدارة أعماله يمكن أن يضاعف إنتاجه دون أن يضاعف ساعات عمله.

كما أن العديد من الشباب العُماني الذين يديرون متاجر إلكترونية أو يقدمون خدمات رقمية عن بُعد أصبحوا قادرين على الوصول إلى أسواق أوسع بكثير مما كان متاحا قبل سنوات، ليس بسبب زيادة ساعات العمل، وإنما بسبب استخدام أدوات وتقنيات ترفع إنتاجيتهم وتوسع نطاق أعمالهم.

وفي سلطنة عُمان، حيث تمضي رؤية عُمان 2040 بخطوات متسارعة نحو الاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة، أصبحت الإنتاجية قضية وطنية وليست فردية فقط. فكل ريال إضافي يدخل جيب المواطن على المدى الطويل لا يأتي من العمل أكثر فحسب، بل من العمل بطريقة أكثر ذكاء.

ولننظر إلى الأمر من زاوية أخرى. لو طلبنا من شخص أن يحفر بئرا باستخدام أدوات تقليدية، ومن شخص آخر أن يستخدم معدات حديثة، فمن الطبيعي أن ينجز الثاني العمل بسرعة أكبر وبجهد أقل. الأمر نفسه يحدث اليوم في الوظائف والمشروعات؛ فالفرق لم يعد بين من يعمل أكثر ومن يعمل أقل، بل بين من يستخدم المعرفة والتقنية ومن لا يستخدمهما.

ولهذا السبب لم يعد تعلم مهارة جديدة رفاهية مهنية، بل أصبح استثمارا اقتصاديا حقيقيا. فالموظف الذي يتقن تحليل البيانات، أو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، أو إدارة المشروعات الرقمية، أو التسويق الإلكتروني، لا يزيد من فرصه الوظيفية فقط، بل يزيد من قيمته الاقتصادية أيضًا.

وفي عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، قد تصبح المهارات الجديدة أهم من سنوات الخبرة نفسها. فالسوق اليوم يكافئ الأشخاص القادرين على التعلم المستمر والتكيف مع التغيرات واستثمار التكنولوجيا في تحقيق نتائج أفضل.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأفراد والمؤسسات والاقتصادات الحديثة ليس زيادة ساعات العمل، وإنما زيادة العائد من كل ساعة عمل.

فعندما ترتفع إنتاجية الفرد، تتحسن نتائج المؤسسة. وعندما ترتفع إنتاجية المؤسسات، يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على النمو. وعندما ينمو الاقتصاد، تتحسن فرص العمل والدخول ومستويات المعيشة وجودة الحياة.

لذلك ربما حان الوقت لتغيير السؤال الذي نطرحه على أنفسنا.

فبدلا من أن نسأل: "كم ساعة أعمل؟"

علينا أن نسأل: "كم قيمة أضيف في كل ساعة أعملها؟"

لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد الفرق بين شخص يستهلك وقته في العمل، وشخص يحول وقته إلى قيمة، وبين مؤسسة تدير أعمالها بالطريقة التقليدية، وأخرى تصنع النمو والفرص، وبين اقتصاد يعتمد على الجهد فقط، واقتصاد يبني مستقبله على المعرفة والإنتاجية والابتكار.

ففي النهاية، ليست الثروة نتاج ساعات عمل أطول، بل نتاج قيمة أكبر يخلقها الإنسان في كل ساعة من ساعات عمله.

0a7da91a4c80.jpg