د :محمود ابوعميرة يكتب قصة الفداء العظيم: بين المعاني الايمانية والدروس الإنسانية.


في لحظةٍ تتجاوز حدود الزمن، وتعلو فوق مقاييس العقل والمشاعر، يقف التاريخ خاشعًا أمام مشهدٍ ليس كمثله مشهد؛ مشهد الفداء العظيم، حين امتحن الله قلب خليله، فكان الامتحان بقدر المحبة، وكانت الطاعة بقدر الاصطفاء.
إنها ليست قصة تُروى، بل نورٌ يُرى وسرٌّ يسري في أرواح المؤمنين كلما أقبلت أيام الخير، وكلما ارتفعت تكبيرات عيد الأضحى، لتُعيد للقلوب حكايةً كُتبت بمداد الصبر، وخُتمت برحمة السماء.
حين رأى إبراهيم عليه السلام الرؤيا، لم يرَ مجرد حلمٍ عابر، بل أمرًا إلهيًا يزلزل الجبال لو حُمِّلت إياه، رأى نفسه يذبح ابنه، فلذة كبده، وثمرة دعائه الطويل، ومع ذلك لم يتردد لأن قلبه كان ممتلئًا بيقينٍ لا يتزعزع: أن أمر الله فوق كل حب، وأسمى من كل تعلق.
ويُخلّد القرآن الكريم هذا الموقف الجليل بقوله:﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾، لم يكن أمرًا قاسيًا يُفرض، بل حوارًا رحيمًا يُقدَّم، وكأن النبوة هنا تعلّم الإنسانية كيف يكون الحب حتى في أشد لحظات الابتلاء.
ثم يأتي الرد الذي تهتز له السماوات إعجابًا: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، أي روحٍ تلك التي تبتسم في وجه البلاء؟ وأي قلبٍ ذاك الذي يسلّم نفسه طواعيةً بين يدي القدر؟ إنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام، الابن الذي لم يكن مجرد مطيعٍ لأبيه، بل كان عبدًا صادقًا لله، يرى في الطاعة نجاة، وفي التسليم حياة.
ويمضي الاثنان لا يحملان خوفًا، بل يحملان يقينًا؛ لا يسمعان إلا نداء الحق ولا يبصران إلا حكمة الله، حتى إذا اكتملت لحظة الصدق وتجلّى الإيمان في أصفى صوره جاء النداء من السماء، يحمل الرحمة بعد الشدة والفرج بعد الضيق: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.
هنا، لم يكن الفداء مجرد إنقاذ، بل إعلانٌ إلهي خالد: أن الله لا يريد دماء عباده، بل يريد قلوبهم؛ لا يريد الألم، بل يريد الصدق، ومن هذا الحدث العظيم، وُلدت أعظم الدروس التي لا تزال تنبض في وجدان البشرية:أن الإيمان الحقيقي يُقاس عند الابتلاء، فليس الإيمان كلماتٍ تُقال، بل مواقف تُثبت، حين يُطلب منك أن تترك ما تحب، من أجل من تحب أكثر.
وان الطاعة لا تتجزأ، فإبراهيم لم يساوم، وإسماعيل لم يتردد، فكلاهما فهم أن أوامر الله لا تُناقش، بل تُمتثل، وان الثقة بالله تسبق الفرج، فلو لم يكن اليقين حاضرًا، لما كان الفداء، ولما تحوّل الألم إلى عيد.
وهنا درس اخر: أن التربية تصنع المعجزات، فأي أبٍ ربّى، وأي ابنٍ نشأ، حتى صار الحوار بينهما بهذا السمو؟ إنها تربية الإيمان التي تصنع رجالًا لا تهزهم الشدائد، كما يتجلى اعظم الدروس المستفادة بالتضحية طريق القرب من الله، وفيها تتجلى شعيرة الأضحية، التي تُحيي في النفوس معنى البذل، وتُذكّر أن أعظم ما يقدمه الإنسان هو ما يقدمه لله.
وقد أكّد النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاني، حين بيّن فضل الأضحية وعظيم مكانتها، لتبقى هذه الشعيرة جسرًا يربط الأرض بالسماء، والماضي بالحاضر، والإنسان بخالقه.
ثم يأتي الحج الاكبر، ذلك اللقاء العظيم، حيث تتوحد القلوب كما توحد قلب إبراهيم وابنه، ويقف الناس على صعيدٍ واحد، يلبّون نداء الله، كأنهم يعيدون ذات القصة، لكن بأرواحٍ متعددة، وزمانٍ متجدد.
إن الفداء العظيم لم يكن نهاية قصة، بل بداية رسالة:أن الإنسان يمكنه أن يبلغ أعلى درجات الكمال والمجد حين يصدق مع الله، وأن وراء كل أمرٍ إلهي حكمة وإن خفيت، ورحمة وإن تأخرت، وفي كل عام، حين تُذبح الأضاحي، لا يُذبح اللحم وحده، بل تُذبح الأنانية، ويُقدَّم الحب، وتُغرس الرحمة، ويُعلن الإنسان من جديد: اللهم لك سلّمت وبك آمنت، وعليك توكلت.
وهكذا تبقى تلك اللحظة الخالدة، لا كذكرى، بل كنبضٍ حيّ، يُعلّم العالم أن أعظم الانتصارات… تبدأ من قلبٍ قال: سمعنا وأطعنا لله رب العالمين.



















دكتور جامعي يدفع حياتة ثمنا للصلح بين زوجين بتلا
عامل يمزق جسد شقيقه الاصغر حتي الموت ببركة السبع
مجهولون يهشمون رأس عجوز حتي الموت لسرقة 50 ألف جنيها بالمنوفية
ضبط سائق توك يدير حساب مجهول علي منصات التواصل الاجتماعي لابتزاز السيدات
لتحويلها إلى مفصد سياحي ..تحديث المخطط الاستراتيجي لتطوير جزيرة الشعير بالقناطر الخيرية
المنوفية تفتح أمام المشروعات الخضراء الذكية
محافظ المنوفية يتفقد القافلة التنموية للكشف الطبي بالمجان
محافظ المنوفية يفتتح اعمال توسعة مدرسة الشهيد احمد عبدالسلام بمت القصري بتكلفة...