الثلاثاء 11 أغسطس 2026 12:16 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

سيدة الصحافة العربية

مجدي بكري يكتب: سناء البيسي.. عندما يصبح القلم فرشاة والكلمة وطناً

الكاتبة الصحفية سناء البيسي سيدة الصحافة العربية
الكاتبة الصحفية سناء البيسي سيدة الصحافة العربية

منذ عام 1958 والكلمات تعرف طريقها إليها قبل أن تعرف هي طريقها إلى الورق. بدأت في *جريدة "الأخبار"* فتاة في العشرين، تكتب وعينها على الشارع وأذنها على نبض الناس. ست سنوات قضتها هناك تتعلم أن الخبر مسؤولية، وأن السطر الأول قد يغير مزاج مدينة. وفي 1964 انتقلت إلى *"الأهرام"*، فانتقلت معها الصحافة العربية إلى ضفة أخرى. لم تنتقل موظفة، انتقلت بمشروع كامل اسمه: أن تكون الكتابة فناً.

هي *سناء البيسي*، سيدة الصحافة العربية. اللقب لا يُمنح، هو يُستحق حين يبقى الاسم أربعين عاماً على الصفحة الأخيرة من "الأهرام" ولا يمل منه أحد. صاحبة أجمل وأطول مقال في تاريخ الصحيفة، ليس لأنه الأطول عدداً، بل لأنه الأطول أثراً. مقال يقرأه القارئ في الصباح ويعيش معه حتى المساء، لأنه لا يخبره بما حدث، بل بما يعنيه ما حدث.

والسر في ذلك أن سناء لا تكتب بالقلم وحده. تكتب بالفرشاة أيضاً. فنانة تشكيلية في الأصل، ترى الحياة تكويناً وألواناً وظلالاً قبل أن تراها أحداثاً. ولهذا جاءت كتاباتها مرسومة. فيها مساحات بيضاء للصمت، وفيها ضربة لون حادة في الخاتمة توقظك. كانت تقول إن الصحافة التي لا تشبه اللوحة، تموت بعد 24 ساعة.

تزوجت الفنان التشكيلي الراحل *منير كنعان*، فالتقى حبران: حبرها على الورق وحبره على القماش. بيت كان معرضاً ومكتبة ومحرراً في آن. أنجبت *هشام كنعان*، وربته على أن الجمال ليس زينة بل أخلاق. رحل منير، فلم تبكِه في الزوايا. حملته في مقالاتها، وصار الغياب حضوراً جديداً في "هو وهي".

"*هو وهي*" مقالها الشهري الذي لم ينقطع. لعقود وهو يصدر، شهراً بعد شهر، يتحدث عن الرجل والمرأة فيكتشف القارئ أنه يقرأ عن الوطن. تتحدث عن المطبخ فتحدث عن السلطة، وعن الخلاف الزوجي فتتحدث عن الخلاف السياسي، وعن الحب فتتحدث عن الحرية. لا تعطي نصائح، تطرح مرآة. ولهذا أحبته الأجيال: لأنه لا يُملي، بل يُفهم.

وفي ذروة عطائها أسست ورأست تحرير *مجلة "نصف الدنيا"*. في وقت كانت فيه المجلات النسائية تُختزل في الأزياء والوصفات، جاءت سناء وقالت: نصف الدنيا عقل قبل أن يكون جسداً. ففتحت الملفات المسكوت عنها، واستضافت المفكرات والوزيرات والفلاحات، وجعلت من المرأة قارئة تسأل لا مستهلكة تُباع لها. فكانت "نصف الدنيا" أنجح المجلات النسائية العربية لأنها احترمت عقل قارئتها.

من يقرأ سناء البيسي يفهم لماذا بقيت. بدأت في "الأخبار" فتعلمت السرعة، وانتقلت إلى "الأهرام" فتعلمت العمق، ورسمت فتعلمت الصبر، وأسست مجلة فتعلمت القيادة، وأمّت فتعلمت الرحمة. كل هذه الطبقات اجتمعت في سطر واحد. لا تصرخ، لا تبالغ. تحذف الكلمة الزائدة كما تمسح لوناً زائداً من لوحة. تقول للمحررين: اكتبوا ما يليق أن يُقرأ بعد عشرين عاماً.

اليوم لا تزال تكتب. لا تزال "هو وهي" يأتي في موعده كالمواسم. لا تزال ترسم، ولا تزال تقف أمام لوحة في صالة عرض وتسكت طويلاً. لا تبحث عن الأضواء لأنها تعرف أن الضوء الحقيقي هو الذي يبقى في عقل القارئ بعد أن يطوي الجريدة.

سناء البيسي ليست مجرد صحفية قديرة. هي من علمتنا أن المقال يمكن أن يكون قصيدة، وأن اللوحة يمكن أن تكون افتتاحية، وأن المرأة يمكن أن تؤسس مجلة في زمن كانوا يقولون لها "اكتبي عن الطبخ فقط" فكتبت عن السياسة والدين والاقتصاد وفرضت احترامها.

من "الأخبار" عام 1958 إلى "الأهرام" اليوم، ومن قاعة التحرير إلى قاعة العرض، ومن بيتها مع منير إلى بيتها مع ابنها هشام... ظلت شيئاً واحداً: امرأة آمنت أن الكلمة إذا صدقت صارت بيتاً يسكنه الناس.

"دون ذلك" كانت الصحافة مهنة. "وأكثر" هو ما فعلته سناء البيسي: جعلتها إرثاً.

74c761db62e1.jpg
8433dce673e7.jpg
abcc54cd16ad.jpg
da7315a5c4da.jpg
سناء/البيسي