الأحد 9 أغسطس 2026 01:08 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

الخليج بين مطرقة الاستنزاف وسندان التحالفات الهشة

الخليج بين مطرقة الاستنزاف وسندان التحالفات الهشة
الخليج بين مطرقة الاستنزاف وسندان التحالفات الهشة


يوسف حسن يكتب-

في خضم التحولات الدراماتيكية التي يشهدها الشرق الأوسط، تتصدر اتفاقية مكة المشهد كحدث يعكس، في جوهره، أزمة بنيوية في منظومة الأمن الخليجية أكثر مما يعكس تحولاً جيوسياسياً حقيقياً. فما يروج له البعض كـ"ضربة استراتيجية لإيران" أو "ولادة محور سنّي جديد"، يبدو، تحت المجهر التحليلي، مجرد إعادة إنتاج لعقدة التبعية الخارجية بثوب مختلف، في وقت تتهاوى فيه معادلات الردع التقليدية، وتنكشف فيه حدود التحالفات الورقية على حقيقة اختبارات الميدان.


أولاً: تفكيك الخطاب الرغائبي.. اتفاق مكة ليس حرباً على إيران

لعل أخطر ما يكتنف قراءة اتفاق مكة هو إسقاط طموحات إقليمية على نصوص لا تحمل، في بنودها العملية، ما يؤهلها لتكون منعطفاً عسكرياً ضد طهران. فالحديث عن "محور أنقرة-الرياض-إسلام آباد" بوصفه أداة ردع إيرانية يصطدم بحقيقة ثابتة: أن تركيا وباكستان لم تخوضا، ولن تخوضا، مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، ليس لأنها غير قادرة على حماية نفسيهما - فهما تملكان جيوشاً وطنية قوية - بل لأن مصالحهما الوطنية لا تقتضي خوض حرب نيابة عن طرف ثالث، خاصة في غياب تهديد وجودي مباشر لهما.

والأكثر دلالة أن الضربات الإيرانية المحدودة على العمق السعودي، والتي لم ترقَ إلى مستوى الحرب المفتوحة، تثبت أن طهران تتعامل مع ملف الخليج ببراغماتية حذرة، تراعي فيها حسابات التصعيد، ولا ترغب في قلب الموازين نحو مواجهة شاملة، ما دامت هناك قنوات غير مباشرة لإدارة الصراع. وعليه، فإن قراءة الاتفاق باعتباره "ضربة لإيران" ليست سوى إسقاط للرغبات على الواقع، قد يفضي إلى مزيد من سوء التقدير الاستراتيجي.


ثانياً: المحور السني.. تناقضات الأولويات وصراع الخطاب مع الممارسة

إن الحديث عن محور سنّي موحّد يواجه "محور المقاومة"، يصطدم بسؤال جوهري: أين تقف هذه الدول من القضية الفلسطينية في لحظة الاشتباك الأكبر؟

ففي الوقت الذي ترزح فيه غزة تحت وطأة حرب إبادة جماعية، وترتفع فيها أصوات الشعوب العربية والإسلامية مطالبة بالنصرة، نجد العواصم الثلاث (أنقرة والرياض وإسلام آباد) تمارس ضغوطاً صريحة على حماس للقبول ببنود المشروع الأمريكي، بدلاً من تبني موقف داعم للمقاومة. هذا التناقض الصارخ بين الخطاب الإسلامي السنّي الذي تروّجه هذه الدول، وسلوكها العملي تجاه القضية الأولى للأمة، يكشف أن الغاية الحقيقية من هذا "المحور" ليست نصرة المستضعفين، بل تفكيك أي قوة مقاومة في المنطقة، تحت غطاء الحلف الدفاعي، وإعادة إنتاج دورها التقليدي كحارس للمصالح الغربية-الإسرائيلية في الإقليم.

وهكذا، يتحول هذا التحالف، من بوابة ممارساته، إلى أداة لتكريس الهيمنة الخارجية، لا لتحرير القرار الإقليمي.


ثالثاً: الاقتصاد سلاحاً.. كيف أغلقت إيران منابع تمويل الحرب

في مواجهة استراتيجية الحرب التي راهنت عليها واشنطن ودول الخليج، على أساس أن الخزائن الخليجية ستتحمل تكاليفها المضاعفة، لجأت طهران إلى سلاح أكثر فاعلية من الصواريخ: سلاح الاقتصاد.

تمثّل ذلك في إغلاق مضيق هرمز فعلياً، وقطع شريان تصدير النفط الخليجي، مما تسبب في هزة عنيفة للأسواق المالية، وجفاف في مصادر التمويل التي كانت مرصودة لتمويل العمليات العسكرية الأمريكية. وما أن انغلقت هذه المنابع، حتى انكشفت الأزمة الخليجية بكل أبعادها:

· العواصم الخليجية، التي راهنت على حرب قصيرة وسريعة، وجدت نفسها في مواجهة أزمة سيولة خانقة، جعلتها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها المحلية، ناهيك عن تمويل تكاليف الحرب الباهظة.
· الداخل الخليجي بدأ يعاني من تداعيات استنزاف الموازنات، وتراجع القدرة على تسيير المرافق الأساسية، بينما تتصاعد المخاوف من انعكاسات ذلك على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

وما يزيد الطين بلة، أن هذه الدول أصبحت اليوم في مأزق وجودي: لا تقوى على مواصلة الحرب التي دخلتها، ولا تجد مخرجاً آمناً للانسحاب منها دون خسائر فادحة في هيبتها ومكانتها، وكأنها لعبت لعبة كبرى بلا شبكة أمان، واكتشفت متأخرة أنها رهينة معادلة لا تحتمل الاستمرار ولا التراجع.


رابعاً: أمريكا بين الوعد الخليجي ونكسة الكونغرس

لطالما أدارت واشنطن حروبها في المنطقة على حساب جيوب حلفائها، وفي هذه المرة، قطعت وعوداً للشركات الأمريكية العملاقة بموجات من الأموال الخليجية الضخمة مقابل تجهيز الحرب وتصنيع معداتها. لكن المفاجأة المدوية جاءت حين تبين أن الخزائن الخليجية قد استُنزفت بالفعل، ولم تعد قادرة على تلبية هذه الوعود.

عندها، اضطرت الإدارة الأمريكية للذهاب إلى الكونغرس لطلب زيادة استثنائية في ميزانية البنتاغون، لكنها واجهت جبهة رافضة من النواب، الذين لم يروا مبرراً لتحويل الحرب الخليجية إلى فاتورة على دافع الضرائب الأمريكي. ورغم محاولات التخفيض، بقيت الفجوة التمويلية هائلة.

والنتيجة أن واشنطن، التي اعتادت أن تحارب بأموال الآخرين، باتت اليوم عالقة في مستنقع حرب لا تستطيع مالياً الاستمرار فيها، ولا تملك خطّة خروج استراتيجية منها، مما يضع الإدارة الأمريكية في مواجهة أزمة ثقة مزدوجة: مع حلفائها في المنطقة، ومع مؤسساتها الداخلية.


خامساً: إسرائيل.. الهدف الأعمق وراء إعادة هندسة الإقليم

ما كل هذا الاستنزاف إلا لخدمة هدف استراتيجي نهائي، تتقاطع فيه المصالح الأمريكية مع المشروع الصهيوني، ألا وهو تثبيت إسرائيل كـ"شرطي المنطقة" الوحيد، والقوة المهيمنة التي لا منازع لها في الشرق الأوسط.

فإضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية لإيران، وتدمير بنيتها التحتية، واستنزاف الخزائن الخليجية، وتوريط العرب ميدانياً في حروب لا طائل منها، كلها خطوط متوازية تصب في قناة واحدة: تفريغ المنطقة من أي قوى ردع محتملة، سواء كانت إيرانية أو عربية، وترك الساحة خالية لتل أبيب، لتفرض شروطها وإملاءاتها على جميع دول الإقليم، دون أن تجد من يعترضها قانونياً أو عسكرياً.

وهو ما يفسر لماذا تدفع الخليج ثمناً باهظاً في حرب تخسر فيها أموالها واستقرارها، بينما تكسب إسرائيل نفوذاً وأمناً دون أن تدفع من جيوبها شيئاً.


سادساً: حبر على ورق.. عقود الأمن التي لا تجلب أمناً

في منعطف بالغ الدلالة، وجّه النائب الإيراني إبراهيم رضائي رسالة قاسية ولكنها واقعية إلى السعودية، قال فيها: "يجب أن يعلم السعوديون أن اتفاقاً شكلياً مع تركيا وباكستان لن يحقق لهم الأمن، تماماً كما أن سنوات من الدعم الأحادي الجانب للأمريكيين لم تجلب لهم الأمن."

هذه الرسالة تختصر أزمة الخليج كلها: فالاتفاقات الأمنية التي تبرع بها الرياض مع واشنطن لم تحمِ أرامكو حين استُهدفت بضربات موجعة، ولم تمنع تعرض قواعدها العسكرية للقصف الصاروخي، فكيف الحال باتفاقات دفاع مشترك مع تركيا وباكستان، التي لن تتحرك دفاعاً عن الرياض إذا ما هاجمها اليمن أو إيران، لأن مصالحها الوطنية لا تسمح لها بخوض هذه الحرب؟

إن هذه التحالفات، في جوهرها، ليست سوى حبر على ورق، تُستخدم لتجميل المشهد السياسي في لحظات الضعف، لكنها لا توفر أي ضمانة حقيقية في مواجهة اختبارات ميدانية جسيمة.


مخرج واحد من النفق المسدود

ما يجري في المنطقة ليس مجرد جولة تصعيد عابرة، بل عملية إعادة هندسة شاملة للإقليم، تهدف إلى تحويل الخليج إلى ساحة دفاع عن الأجندة الأمريكية-الإسرائيلية، يُستنزف فيها العرب عسكرياً ومالياً، ويُفتت فيها أي مشروع تحرر أو مقاومة.

ومع ذلك، فإن بصيص الأمل الوحيد يكمن في وعي العواصم الخليجية بخطر هذا المخطط، وامتلاكها الشجاعة لتعديل مسارها الاستراتيجي، وذلك عبر:

1. رفع الحصار الظالم عن اليمن، كخطوة عملية لبناء الثقة الإقليمية، وإنهاء واحدة من أكثر الأزمات إيلاماً في المنطقة، والتي تُعتبر المفتاح الحقيقي لخفض التوتر مع إيران.
2. فتح قنوات حوار مباشر مع طهران، بعيداً عن إملاءات واشنطن، لإدارة الخلافات وحل النزاعات المفتوحة عبر الطرق الدبلوماسية، بدلاً من تحويل المنطقة إلى ساحة حروب بالوكالة.
3. التوقف عن الرهان على القوى الخارجية، والعمل على بناء منظومة أمن إقليمي ذاتي، قائم على المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي، وليس على التبعية لأجندات لا تخدم سوى أطراف خارجية.

إذا لم تتحرك العواصم الخليجية في هذا الاتجاه، فستظل رهينة فخ الاستنزاف المفتوح، حيث تخسر أموالها واستقرارها، بينما تكسب إسرائيل نفوذاً، وتصعد إيران قوة، وتظل المنطقة تغلي في أتون حروب لا هوادة فيها، ولا منتصر فيها سوى مشاريع الهيمنة العالمية.

الخليج بين مطرقة الاستنزاف وسندان التحالفات الهشة