الخميس 6 أغسطس 2026 06:41 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

أحمد قنديل يكتب: خلف الأقنعة المزيفة: ”عصفورة المكتب” معول يهدم بيئات العمل !!

النهار نيوز
تحت غطاء من الفضيلة المدعاة، وبأقنعة من النصح الزائف، يمارس البعض في بيئات العمل أسوأ أنواع الأخلاق الإنسانية. هو الموظف "المشاء بالنميمة"، الذي جعل من نقل أخبار زملائه وتشويه صورتهم قرباناً يتقرب به إلى رئيسه. هذا الصنف من البشر لا يكتفي بنقل الواقع، بل يختلق الأكاذيب ويقول في زملائه ما ليس فيهم. والمفارقة الصارخة أن هذا الشخص غالباً ما يكون هو الأضعف إنتاجاً، والأسوأ أداءً، والأقل مراعاة لله في عمله. بل قد تنطوي حياته الخاصة على موبقات شتى كالعداء الأخلاقي أو الانحراف والمسكرات، لكنه يرتدي ثوب الواعظ الحريص في العلن.
لقد حذر الإسلام أشد التحذير من هذا المسلك المهين. ووصف القرآن الكريم هذا الصنف بأبشع الأوصاف في قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} . والنميمة هي كاشفة العورات، ومفرقة الجماعات. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ)
إن هذا الموظف الذي يظن أنه يبني مجداً شخصياً بنقل القيل والقال، إنما يشتري غضب الله بمرضاة رئيسه.
وقد قيل في الحكمة القديمة: "من نقل إليك، نقل عنك".
فمن يخون زميله اليوم ليرضيك، سيخونك غداً لإرضاء غيرك.
إن خطورة هذا السلوك لا تقف عند حدود الأفراد، بل تمتد لتضع منظومة العمل بأكملها في خطر داهم. فالنميمة وباء ينفث سمومه في جسد المؤسسة، فيورث البغضاء، ويزرع الضغينة والشحناء بين العاملين. وحين يغيب الأمان الوظيفي، يحل المحسوبية والشك محل التعاون والإبداع.
وبدلاً من أن يتنافس الموظفون في الإنتاج والتطوير، يصبح التنافس فيمن يملك أذناً أقرب للمسؤول. وهنا تتحول بيئة العمل المبدعة إلى ساحة تصفية حسابات ومؤامرات تدمر الإنتاجية.
وهنا يقع العبء الأكبر والمسؤولية العظمى على عاتق المدير أو المسؤول عن العمل.
فالقائد الناجح والمسؤول الواعي يجب أن يفرق بين الخبيث والطيب بعيني رأسه لا بأذنه. يقول الله تعالى في كتابه الحكيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.
إن إغلاق باب المكتب أمام هؤلاء الوشاة هو أولى خطوات الإصلاح الإداري.
على المسؤول أن يقيم الموظف بناءً على تقارير الأداء والأرقام والإنتاج المشهود، لا على الوشايات المسموعة في الغرف المغلقة. فالأحاديث الملتوية كثيرة، وما خفي خلف النوايا السيئة أعظم وأخطر.
عندما يعلم "النمام" أن أذان الإدارة مغلقة في وجهه، سيتوقف سمّه، وتستعيد المنظومة عافيتها، ويبقى للمجتهد ثمرة جهده وللخبيث سوء عمله.
ولابد من معالجة هذه الظواهر الإدارية السامة وحماية بيئة العمل، ويجب على المؤسسات الانتقال من الإدارة القائمة على السماع إلى الإدارة القائمة على الحقائق والأرقام والشفافية.
من خلال آليات رقابية واضحة لتقييم الموظفين بناءً على الإنتاجية ،
والهدف هنا هو إلغاء الاعتماد على التقارير الشفوية والوشايات، واستبدالها بنظام قياس كمي وموضوعي لا يكذب ، ووضع مؤشرات أداء رقمية محددة لكل وظيفة (مثل: عدد المهام المنجزة، نسب الخطأ، الالتزام بالمواعيد النهائية).
عدم حصر التقييم بيد شخص واحد؛ بل يشارك في التقييم الزملاء، المرؤوسين، والمدير المباشر بشكل سري ومنظم، مما يكشف الموظف السام ويوضح حقيقته للإدارة.
مع استخدام برامج إدارة المشاريع والمهام (مثل جيرو، أسانا، أو تيمز) لتوثيق حركة العمل؛ بحيث يظهر بوضوح من الذي أنجز ومن الذي تهاون، دون حاجة لشهادة أحد.
عقد لقاءات دورية ثابتة بين المدير وكل موظف على حدة لمناقشة أرقامه وإنجازاته، مما يغلق الباب أمام الوشاة لتشويه أداء الآخرين.
أيضا لابد من إعداد ميثاق سلوكي وأخلاقي داخلي لمنع الوشاية.
يصاغ هذا الميثاق ليكون دستوراً ملزماً يوقع عليه كل موظف عند التعيين، ويشمل بنوداً صريحة مثل :
النص صراحة على منع النميمة، نقل الإشاعات، اغتياب الزملاء، أو محاولة تشويه سمعة الآخرين داخل بيئة العمل.
إلزام الموظفين بأن أي شكوى ضد زميل يجب أن تُقدم عبر نموذج رسمي مكتوب ومدعوم بالأدلة إلى إدارة الموارد البشرية (HR)، مع حظر الشكاوى الشفوية الجانبية للمديرين.
إدراج بند ينص على أن "مَن يثبت رغبته في الإضرار بزميل له عبر تقديم معلومات كاذبة أو مضللة، يتعرض لذات العقوبة المفترضة للمخالفة".
تبدأ العقوبات من التنبيه الشفهي المسجل، ثم الإنذار المكتوب، وحرمان من الحوافز، وصولاً إلى الفصل في حال تكرار السلوك السام وتأثيره على الترابط الأخلاقي للمنظومة.
ويتطلب التعامل مع الموظف "المشاء بالنميمة" حنكاً إدارياً وحسماً من المسؤول، وذلك عبر تطبيق القواعد التالية:
تفعيل التفتيش المفاجئ والرقابة المباشرة على الأداء، ورفض تبني أي موقف تجاه أي موظف بناءً على قال وقيل.
ولابد عندما يأتي الموظف الواشي لنقل حديث عن زميله، على المدير قطع حديثه فوراً وقول: "دعنا نستدعي زميلك الآن لنناقش هذا الأمر معاً". هذا التصرف كفيل بإنهاء رغبة الواشي في تكرار الفعل.
وعند الجلوس مع الموظف السام (الذي يدعي الفضيلة وهو سيء الأداء)، يجب مواجهته بضعف إنتاجيته بالأرقام المثبتة، لإشعاره بأن أقنعته المزيفة لم تعد تنطلي على الإدارة ،وعندما يعلم الموظفون أن المدير لا يستمع للوشاة، تزداد ثقتهم في المنظومة، ويزداد الأمان الوظيفي، وتتحول الطاقة من المؤامرات والدفاع عن النفس إلى الإنتاج والإبداع.


احمد قنديل خلف الأقنعة المزيفة عصفورة المكتب معول يهدم بيئات العمل