الإثنين 11 مايو 2026 10:41 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

منوعات وتنمية بشرية

اقتصاد الاحتيال الناعم عبر الشهادات الوهمية والألقاب المزيفة

النهار نيوز

كتب المستشار الدكتور خالد السلامي
حين يتحوّل اللقب إلى فخ… اقتصاد الاحتيال الناعم عبر الشهادات الوهمية والألقاب المزيفة.
في السنوات الأخيرة، لم يعد الاحتيال يعتمد على الأساليب التقليدية، بل تطوّر إلى نموذج أكثر نعومة وخطورة: بيع الاعتراف الاجتماعي تحت غطاء رسمي مزيف. شهادات غير معتمدة، وألقاب دولية براقة، ومؤتمرات تبدو رسمية… لكنها في الحقيقة أدوات لاستدراج الضحايا ماليًا ومعنويًا.
أولًا: كيف يُصنع الاحتيال؟ (هندسة الخداع الحديث)
هذا النوع من الاحتيال لا يعتمد على الصدفة، بل يقوم على تصميم نفسي دقيق يستهدف سلوك الضحية.
1. صناعة الشرعية الوهمية
المعنى: إعطاء انطباع بأن الجهة دولية أو معتمدة.
السبب: استغلال ثقة الناس بكلمات مثل “دولي” و”عالمي”.
مثال قصصي:
يتلقى شخص رسالة تقول:
“تهانينا، تم اختيارك سفيرًا دوليًا للسلام من منظمة عالمية مقرها أوروبا.”
الاسم يبدو كبيرًا، والموقع الإلكتروني أنيقًا، لكن لا وجود لأي سجل حكومي يثبت وجود هذه الجهة.
2. تسويق اللقب بدل الإنجاز
المعنى: استبدال الجهد الحقيقي بلقب جاهز.
السبب: إغراء الأفراد الباحثين عن التقدير السريع.
مثال قصصي:
يدفع أحد الأشخاص مبلغًا ماليًا للحصول على لقب “سفير الثقافة”، من دون مقابلة أو تقييم، فقط عبر تعبئة نموذج إلكتروني. وبعد أيام يحصل على شهادة PDF مزخرفة، لكنها بلا أي اعتماد حقيقي.
3. الاستعجال العاطفي
المعنى: الضغط الزمني لاتخاذ القرار.
السبب: منع الضحية من البحث والتحقق.
مثال قصصي:
“العرض متاح اليوم فقط – عدد المقاعد محدود – تم اختيارك من بين 100 شخص.”
مثل هذه العبارات تدفع الضحية إلى الدفع الفوري دون طرح الأسئلة اللازمة.
4. تحويل الوهم إلى فاتورة
المعنى: طلب رسوم مقابل لقب أو شهادة.
السبب: تحقيق الربح المباشر من بيع الوهم.
مثال قصصي:
بعد “التكريم”، يُطلب من الشخص دفع:
رسوم عضوية
رسوم طباعة شهادة
رسوم حضور مؤتمر
وفي النهاية، لا توجد أي قيمة حقيقية أو اعتماد رسمي.
ثانيًا: لماذا يُعد هذا النوع من الاحتيال خطيرًا؟
لأنه لا يسرق المال فقط، بل يضرب ثلاثة مستويات أساسية:
الوعي: إذ يجعل الشخص يصدق الوهم.
السمعة: عندما يستخدم اللقب داخل المجتمع.
المستقبل المهني: عند اكتشاف الحقيقة لاحقًا.
والأخطر أن الضحية غالبًا ما تدافع عن هذا الوهم لأنها دفعت ثمنه ماديًا أو معنويًا.
ثالثًا: الإطار القانوني (الإمارات نموذجًا صارمًا)
الإمارات العربية المتحدة
قانون الجرائم الإلكترونية (رقم 34 لسنة 2021)
يُجرّم:
الاحتيال الإلكتروني
انتحال الصفة عبر الإنترنت
الترويج لشهادات مزيفة
قانون العقوبات (رقم 31 لسنة 2021)
يشمل:
التزوير
الاحتيال
استخدام محررات غير صحيحة
العقوبات:
الحبس
الغرامة
مصادرة العائدات
إغلاق الحسابات والمنصات
رابعًا: القانون الدولي – الجريمة بلا حدود
تُصنَّف هذه الأفعال دوليًا ضمن:
Fraud (الاحتيال)
Identity Fraud (انتحال الهوية)
Forgery (تزوير الوثائق)
أمثلة تنظيمية:
اتفاقية بودابست لمكافحة الجرائم الإلكترونية
أنظمة الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة
العقوبات الدولية غالبًا تشمل:
السجن
تتبع الأموال
حظر السفر
الملاحقة العابرة للحدود
خامسًا: الإطار العربي – تشريعات متقاربة
السعودية
نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، بعقوبات قد تصل إلى السجن وغرامات تصل إلى ثلاثة ملايين ريال.
مصر
قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الذي يجرّم الاحتيال الإلكتروني وانتحال الصفات.
الأردن
قانون الجرائم الإلكترونية، بعقوبات تشمل الحبس والغرامة.
كما تدعم جامعة الدول العربية سياسات:
مكافحة الاحتيال الرقمي
حماية المستخدمين من الشهادات المزيفة
سادسًا: قصص واقعية مختصرة
القصة الأولى
حصل شخص في الخليج على لقب “سفير دولي للسلام” عبر منصة إلكترونية مقابل مبلغ بسيط، ثم استخدم اللقب في سيرته الذاتية، قبل أن يتم رفضه لاحقًا من جهة رسمية بسبب عدم اعتماده.
القصة الثانية
اشتركت سيدة في “مؤتمر عالمي أونلاين”، ومُنحت شهادة “قيادية دولية”، لكن التحقق لاحقًا كشف أن المؤتمر مجرد صفحة وهمية تُدار من خارج الدولة دون أي تسجيل قانوني.
القصة الثالثة
تم الترويج لشاب باعتباره “شخصية مؤثرة عالمية”، وبعد أشهر أُغلقت الجهة المنظمة بتهمة الاحتيال الإلكتروني وجمع الأموال بطرق غير مشروعة.
سابعًا: كيف تتحقق؟ (أدوات الفحص الحقيقي)
قبل القبول أو الدفع:
ابحث عن الجهة في السجلات الحكومية الرسمية.
تحقق من وجودها عبر مواقع وزارة الاقتصاد أو وزارة الخارجية.
راجع اسم الجهة في محركات البحث مرفقًا بكلمة “scam”.
تأكد من وجود رقم ترخيص قانوني.
استشر خبراء أو جهات أكاديمية معروفة.
تحقق من اعتماد المؤتمر أو الجهة المنظمة رسميًا.
ثامنًا: أين نتحقق رسميًا؟ (جهات موثوقة)
في الإمارات:
وزارة الاقتصاد
وزارة العدل
النيابة العامة
هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية (TDRA)
الشرطة (وحدات الجرائم الإلكترونية)
دوليًا:
Interpol (للجرائم العابرة للحدود)
UNODC (مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة)
عربيًا:
وزارات الداخلية
وحدات الجرائم الإلكترونية
الأجهزة الأمنية المختصة
تاسعًا: المؤشرات الحقيقية لاكتشاف الجهة الوهمية
إذا وجدت أيًا من المؤشرات التالية، فكن حذرًا:
عدم وجود رقم ترخيص رسمي
غياب عنوان قانوني واضح على الموقع الإلكتروني
طلب الدفع مقابل لقب أو شهادة
استخدام أسماء ضخمة دون وجود قانوني حقيقي
الاكتفاء بالتواصل عبر واتساب أو صفحات التواصل الاجتماعي
غياب أي جهة حكومية مشرفة
المؤشر الأهم:
إذا لم تستطع الجهة إثبات وجودها أمام جهة حكومية رسمية، فهي جهة غير موثوقة.
الخاتمة
الاحتيال اليوم لم يعد يستهدف جيبك فقط، بل يستهدف صورتك أمام نفسك وأمام المجتمع. وفي عالم أصبحت فيه الألقاب تُشترى بسهولة، بات الوعي هو العملة الحقيقية الوحيدة التي لا يمكن تزويرها.
حكمة ختامية:
“ليس كل من حمل لقبًا أصبح مؤثرًا… فبعض الألقاب مجرد أوراق، وبعضها قد يُسقط صاحبه من حيث لا يشعر.”