السبت 9 مايو 2026 07:20 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

د :محمود ابوعميرة يكتب بين السكين واليقين: قصة فداءٍ صنعت الخلود.

النهار نيوز

في سجلِّ الخلود، حيث تُكتب المواقف بماء اليقين، تشرق قصة الفداء العظيم لسيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام كنجمةٍ لا يأفل نورها، وكأنها نبضٌ متجدد في قلب الزمان يعلّم البشرية كيف تكون الطاعة حين تبلغ ذروتها، وكيف يسمو الإيمان حين يُمتحن بأعزّ ما يملك الإنسان.
لم تكن رؤيا عابرة ولا خاطرًا يمرّ كغيره، بل كانت أمرًا إلهيًا يتنزّل على قلب نبيٍّ اصطفاه الله ليكون مثالًا يُحتذى، حيث رأى إبراهيم عليه السلام في منامه أنه يذبح ابنه ورؤيا الأنبياء حق، فكان الامتحان عظيمًا بقدر عظمة الاصطفاء، فأي قلبٍ ذاك الذي يُؤمر أن يقدّم فلذة كبده قربانًا؟ وأي روحٍ تلك التي لا تتردد، بل تمضي مطمئنةً إلى أمر الله؟
يُصوّر القرآن الكريم هذا المشهد الخالد بأبهى بيان: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾، وكأن الكلمات ليست مجرد حوار، بل معاني إيمانية خالدة تتردّد بين السماء والأرض.
وهنا تتجلّى عظمة إسماعيل عليه السلام، ذلك الابن الذي تربّى في مدرسة النبوة، فكان الجواب على قدر المقام:﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، أي طاعةٍ هذه التي تُسلم النفس راضية؟ وأي يقينٍ ذاك الذي يسكب السكينة في قلبٍ مقبلٍ على الذبح؟ إنها لحظة يذوب فيها الخوف ويعلو فيها صوت الإيمان فوق كل نداء.
ويمضي الأب والابن إلى قدرٍ كُتب لهما، لا يحملان سوى تسليمٍ مطلق حتى إذا اكتملت صورة الطاعة وتجلّت الحقيقة في أبهى معانيها، جاء الفرج من رب السماء:﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾،
ليتحول المشهد من امتحانٍ إلى عيد، ومن ابتلاءٍ إلى بشرى، ومن دمعةٍ إلى شعيرة خالدة.
ومن هنا، وُلدت مناسبة عظيمة يحييها المسلمون كل عام: عيد الأضحى المبارك، حيث تتجدد معاني الفداء وتُستعاد قصة الطاعة في كل بيتٍ وقلب، وتتزامن هذه الذكرى مع الحج الاكبر، ذلك الركن العظيم الذي يجتمع فيه الناس من كل فجٍّ عميق، يلبّون نداء الله كما لبّى إبراهيم من قبل وابنه اسماعيل، ويستحضرون ذات الروح التي صنعت هذا المجد الإيماني.
وقد جاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم لتؤكد عظمة هذه الشعيرة، فالأضحية ليست مجرد ذبحٍ، بل هي رمزٌ للتقوى ومعنىً عميقٌ للتقرب إلى الله، حيث قال عليه الصلاة والسلام:
“ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إهراق الدم”، فيتجدد في كل عام ذلك المعنى الخالد: أن العبرة ليست في الدم، بل في صدق النية، وصفاء القلب، وكمال الطاعة.
إنها قصة لا تُروى للتاريخ فقط، بل تُروى للقلوب لتوقظها، وللأرواح لتسمو بها، قصة تعلمنا أن الإيمان ليس كلماتٍ تُقال، بل مواقف تُعاش، وأن الطاعة ليست خيارًا، بل طريق النجاة.
وفي الفداء العظيم، نرى كيف يكون الأب نبيًا، والابن نبيًا، لكن الأعظم من ذلك: كيف يكونان عبدين صادقين، سلّما الأمر لله، فخلّدهما الله في كتابه العزيز، وجعل من قصتهما نورًا يهدي السائرين إلى يوم الدين.
وهكذا، يبقى صدى تلك اللحظة يتردّد في تكبيرات العيد وفي دموع الخاشعين، وفي قلوب المؤمنين: أن من صدق مع الله، صدق الله معه… وأن وراء كل تضحيةٍ عظيمة فداءً أعظم، ورحمةً لا حدود لها.