الإثنين 10 أغسطس 2026 04:42 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

«الدم عمره ما يبقى ميّه».. إلا لما يدخل الميراث.. المسكوت عنه وراء قطيعة الأرحام

النهار نيوز

دكتورة/ مريم علام استاذ القانون المدني

مدير وحدة رعاية الوافدين بكلية التربية جامعة طنطا

«الدم عمره ما يبقى ميّه».. مثل شعبي ظل لسنوات يلخص قدسية العلاقة بين الأشقاء، وأن رابطة الدم يفترض أن تكون أقوى من الخلافات والأموال والمصالح. لكن الواقع يروي قصصًا مختلفة..إخوة فرّقتهم شقة، وأخوات تحولت علاقتهم إلى خصومة بسبب قطعة أرض، وعائلات كاملة انقسمت بسبب تركة ربما لم تكن تستحق كل هذا العداء.

فكيف يتحول الميراث، الذي شُرع لحفظ الحقوق، إلى سبب في قطيعة الأرحام؟ وهل المشكلة في المال نفسه، أم في مشاعر قديمة تختبئ خلفه وتظهر على الساحه؟

أول سؤال يتبادر الى اذهاننا هل الميراث يصنع العداوة أم يكشفها؟

في كثير من الحالات، لا تكون عداوة الميراث وليدة لحظة تقسيم التركة، وإنما تكون امتدادًا لحقد أو غيرة أو إحساس بالتمييز تراكم على مدار سنوات.

قد يكون أحد الأبناء شعر طوال حياته بأن والده كان يفضل أخاه عليه، أو أن شقيقته حصلت على دعم أكبر، أو أن أحد الإخوة لم يتحمل مسؤوليات الأسرة مثل الآخرين. تظل هذه المشاعر صامتة، إلى أن تأتي لحظة تقسيم الميراث فتجد طريقها إلى السطح.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: «من سيحصل على كم؟»، وإنما: «لماذا هو يأخذ مثلما آخذ أنا ؟»

الميراث في هذه الحالة لا يكون بداية الخلاف، وإنما الشرارة التي تشعل نارًا كانت موجودة بالفعل.

«هو مش محتاج».. عندما يتحول نجاح الأخ إلى سبب للعداء

ومن أكثر الصور إثارة للتأمل أن يشعر بعض الورثة بأن أحد إخوتهم لا يستحق نصيبه لأنه أكثر ثراءً منهم.

«هو عنده فلوس»، «عنده بيت»، «عنده شغل كويس.. إحنا أولى بالمبلغ ده».

من هنا قد يتحول الاختلاف الاقتصادي بين الإخوة إلى شعور بالغبن، فيرى البعض أن الأخ الميسور لا يحتاج إلى نصيبه، بينما يحتاج إليه الآخرون.

لكن هنا تظهر مشكلة خطيرة: هل الاحتياج يلغي الحق؟

دينيًا، لا يرتبط استحقاق الميراث بكون الوارث غنيًا أو فقيرًا، وإنما بالأنصبة والحقوق التي قررها الشرع. فالمال الذي يملكه الإنسان لا يسقط حقًا ثبت له في التركة، كما أن احتياج شخص آخر لا يمنحه حق الاستيلاء على نصيب غيره.

فالمشكلة لا تبدأ عندما يطالب الإنسان بحقه، وإنما عندما تتحول المطالبة إلى اعتداء، أو منع، أو استيلاء على حق الآخرين، أو تشويه وقطيعة وانتقام.

وهنا يصبح السؤال: هل يجوز أن نحصل على حقنا بطريقة تجعلنا نخسر أهلنا؟

الجواب أن المطالبة بالحق لا تحتاج إلى الخصومة، والاختلاف في المال لا يبرر إفساد صلة الرحم.

«نزغ الشيطان».. من سوء الظن إلى القطيعة

في النزاعات العائلية، قد تبدأ القصة بكلمة صغيرة:

«خد بالك.. أخوك عايز ياخد حقك».

«أختك أكيد مخبية حاجة».

«هو مش محتاج.. سيبهالنا».

«إحنا كلنا ضدّه».

ثم تبدأ دائرة سوء الظن.

قال تعالى: 《وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا》

وهذه الآية تفتح بابًا مهمًا لفهم النزاعات الأسرية؛ فكلمة، أو شك، أو تفسير سيئ لتصرف أحد الأطراف قد يتحول إلى خصومة حقيقية.

أين ذهب الفضل؟

ربما يكون هذا السؤال هو الأكثر إيلامًا في حكايات الميراث:

كيف ينسى الإنسان فضل أخيه بمجرد أن تدخل الأموال بينهما؟

قد يكون هذا الأخ هو نفسه الذي وقف بجانبه في مرضه، أو ساعده في أزمة مالية، أو شاركه سنوات الطفولة، أو تحمل معه مسؤوليات الأسرة بعد وفاة الأب والأم.

لكن لحظة تقسيم التركة قد تجعل بعض الأشخاص ينظرون إلى العلاقة من خلال «من أخذ ماذا؟» بدلًا من «ماذا فعلنا لبعضنا؟».

وهنا يحدث أخطر تحول: تتحول الذاكرة من سجل للمواقف الجميلة إلى سجل للحقوق والحسابات.

لماذا نتشاجر حتى على تركة لا تستحق؟

قد تصل قيمة التركة إلى مبلغ محدود، ومع ذلك تستمر الخصومة سنوات.

لماذا؟

لأن القضية في أحيان كثيرة لا تكون قيمة المال، وإنما معنى المال.

هناك من يرى التنازل هزيمة، وهناك من يعتبر حصول أخيه على جزء أكبر إهانة شخصية، وهناك من يدخل في صراع لإثبات أنه ليس أضعف من غيره.

وهنا يتحول الميراث إلى ساحة لتصفية حسابات قديمة.

قد يكون الخلاف الحقيقي على موقف حدث منذ اربعون عامًا، لكن التركة هي اللحظة التي أعطت الجميع فرصة لإخراجه.

في لحظة الغضب، يتراجع التفكير في عواقب التصرف، ويصبح الهدف هو «ألا أخسر المعركة»، حتى لو كانت المعركة نفسها أكبر بكثير من قيمة ما يتنازع عليه الجميع.

وهنا تظهر المفارقة الأكثر قسوة: قد يتقاتل أفراد الأسرة على مال، ثم يخسرون بسبب هذا المال ما لا يمكن شراؤه بأي ثروة؛ أخًا، أو أختًا، أو ابنًا، أو عمرًا كاملًا من صلة الرحم.

والأخطر أن العنف في نزاعات الميراث لا يضر طرفًا واحدًا فقط؛ فإذا تحولت الخلافات إلى جريمة أو اعتداء، تصبح التركة التي كان يفترض أن تنتقل من جيل إلى آخر سببًا في فقدان أرواح، وانهيار أسر، ودخول أفراد من العائلة في دوائر قانونية ونفسية واجتماعية قد تمتد لسنوات.

وهنا يجب أن يتوقف الجميع أمام سؤال بسيط وقاسٍ في الوقت نفسه: هل كان المال يستحق كل هذا؟!!

في النهاية.. هل يستحق الميراث أن نخسر بعضنا؟

قد تنتهي قضية الميراث بحكم، أو اتفاق، أو بيع منزل، أو تقسيم أرض.

لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟

هل يعود الإخوة كما كانوا؟

هل تعود الزيارات؟ هل تجتمع العائلة في المناسبات؟ هل يكبر الأبناء وهم يعرفون أبناء أعمامهم وأخوالهم؟

هنا تظهر القيمة الحقيقية لما حدث.

فالميراث في النهاية مالٌ انتقل من جيل إلى جيل، أما الأخوة فهي عمر كامل لا يمكن تعويضه.

يجب ان نعلم ان الكلمات الجارحة لا تُمحى، والمواقف التي تحدث في لحظات الخصومة لا تُنسى بسهولة.

فقد يتنازل أحدهم عن جزء من ماله، وقد تُحل القضية بعد سنوات من المحاكم والخلافات، لكن ما حدث في الطريق يترك بصمة سوداء في القلب. نظرة الأخ إلى أخيه قد تتغير، وتصبح الذكريات القديمة محمّلة بمشاعر جديدة من الغضب والخذلان، وقد يتحول الشخص الذي كان يومًا مصدرًا للأمان إلى شخص يُخشى منه ويُتجنب.

والأصعب أن نسيان الفضل لا يمر كخلاف عابر؛ فحين ينسى الإنسان سنوات الوقوف إلى جوار أخيه، والمواقف التي جمعتهما، ويستبدلها بحسابات المال والأنصبة، تنكسر صورة الأخ في القلب قبل أن تنقطع العلاقة في الواقع.

الأخ الذي فقدته بسبب الميراث لن تستطيع أن تشتري مكانه مرة أخرى.

لذلك، حين يقف الإنسان أمام نصيبه من التركة، ربما لا ينبغي أن يسأل فقط: «كم سأحصل؟»، وإنما عليه أن يسأل أيضًا: «ماذا سأخسر إذا تحولت هذه التركة إلى عداوة؟»

فبعض الخلافات تنتهي عندما تُغلق أوراق القضية، لكن بعضها يظل مفتوحًا في القلب إلى الأبد.

«الدم عمره ما يبقى ميّه».. إلا لما يدخل الميراث.. المسكوت عنه وراء قطيعة الأرحام