الإثنين 11 مايو 2026 09:33 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

الأخبار

الأزياء الكردية.. لغة تعبر عن الذاكرة والبيئة والانتماء

النهار نيوز

كتب مجدي بكري

عند الكثير من شعوب العالم، لا تكون الأزياء مجرد قطع قماش تُرتدى في المناسبات أو الحياة اليومية، بل تتحول إلى لغة كاملة تعبّر عن الذاكرة والبيئة والانتماء وطريقة الناس في رؤية أنفسهم والعالم من حولهم.
ولهذا، فإن الحديث عن الأزياء الكردية لا يمكن اختصاره في وصف الألوان أو الأقمشة أو الزخارف فقط، لأنها في حقيقتها تحمل حكاية شعب عميق العلاقة مع الجبال والطبيعة والمواسم والفرح الجماعي.
فالزي الكردي ليس مجرد مظهر خارجي، بل امتداد لعلاقة الإنسان الكردي بأرضه وطبيعته وتاريخه، ولهذا تبدو الألوان فيه حاضرة بقوة، وكأنها انعكاس مباشر للمشهد الطبيعي في المناطق الكردية، ألوان الجبال والربيع والحقول والشمس والغروب.
وفي المقابل، فإن المتأمل في كثير من الأزياء العربية التقليدية سيجد هو الآخر تلك العلاقة الواضحة بين اللباس والبيئة والمكان والهوية الاجتماعية، ففي الشرق عموماً، لم يكن اللباس يوماً أمراً هامشياً، بل كان يحمل دائماً دلالات ثقافية واجتماعية وحتى نفسية.
وربما لهذا السبب، يشعر كثير من العرب اليوم بفضول إيجابي تجاه الأزياء الكردية، خصوصاً بعد انتشار الصور والمقاطع المصورة الخاصة بالأعراس والمهرجانات والمناسبات الشعبية الكردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فالزي الكردي يمتلك حضوراً بصرياً لافتًا، لكنه في الوقت نفسه يبدو قريباً من الروح الشرقية التي يعرفها الإنسان العربي جيداً.
وفي السنوات الأخيرة، ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في إعادة تقديم هذا التراث بصورة أكثر حداثة وانفتاحاً، بعيداً عن النظرة القديمة التي كانت تختزل الأزياء التقليدية في إطار تراثي جامد.
بل إن كثيراً من الشباب الكردي بات يتعامل مع الزي التقليدي باعتباره رمزاً ثقافياً حياً يمكن تطويره والاحتفاء به، لا مجرد لباس مرتبط بالماضي فقط.
وهنا تحديداً تظهر أهمية المشاريع الثقافية والإعلامية التي تسعى إلى تعريف الشعوب ببعضها البعض من خلال التفاصيل الإنسانية القريبة من الناس، لا فقط عبر الخطابات السياسية المعقدة.
في هذا السياق حاولت حملة «تكامل ،، عرب وكرد ،، مصير مشترك ) التي تمثل احد مشاريع شبكة الاستشراف الدولية للدراسات والاعلام ، في عدد من المواد التي نشرتها على منصاتها، أن تُبرز كيف يمكن لقطعة لباس تقليدية أن تتحول إلى مساحة للتعارف الثقافي بين العرب والكرد، فحين يشاهد الإنسان ثقافة الآخر في لحظات الفرح والأعراس والاحتفالات، يصبح أكثر قدرة على رؤيتها بصورة طبيعية وإنسانية.
أن الأزياء التقليدية تكشف الكثير عن طبيعة المجتمعات نفسها، فالميل الكردي الواضح إلى الألوان الزاهية والحضور البصري القوي يعكس، إلى حد بعيد، علاقة خاصة بالحياة والفرح والطبيعة، رغم كل ما مرّ به الشعب الكردي من ظروف صعبة وتحولات سياسية قاسية.
وفي المقابل، فإن التشابه الكبير في حضور المناسبات الجماعية والاحتفاء بالأعراس والموروث الشعبي بين العرب والكرد، يكشف حجم التقاطع الاجتماعي والثقافي بين الشعبين.
فالإنسان في النهاية، مهما اختلفت لغته أو قوميته، يبقى بحاجة إلى الفرح نفسه، وإلى الموسيقى نفسها، وإلى الشعور ذاته بالانتماء والكرامة والجمال.
ومن اللافت أيضًا أن الأزياء الكردية بدأت تجد حضوراً متزايداً في الفعاليات الثقافية والفنية العربية، سواء في القاهرة أو بيروت أو عمّان أو غيرها من المدن، وهو ما يعكس وجود فضول ثقافي متبادل بدأ يتوسع تدريجياً خلال السنوات الأخيرة.
وهذا النوع من التفاعل الثقافي الهادئ قد يكون أكثر أهمية مما يبدو في ظاهره، لأن الشعوب لا تقترب من بعضها فقط عبر الاتفاقيات السياسية، بل عبر الاعتياد على رؤية الآخر بصورة طبيعية داخل الفضاء العام.
وربما لهذا السبب، فإن الاهتمام بالأزياء والتراث والفنون الشعبية لا يجب النظر إليه باعتباره نشاطاً ثانوياً أو تجميلياً، بل بوصفه جزءاً من عملية أعمق تهدف إلى بناء معرفة متبادلة أكثر هدوءاً وإنسانية بين المجتمعات.
وفي منطقة عاشت طويلاً تحت ضغط الصراعات والانقسامات، قد تصبح صورة لباس تقليدي في مهرجان، أو رقصة جماعية في عرس، أو أغنية شعبية تُغنّى بلغتين، بداية صغيرة لفكرة أكبر اسمها التفاهم.

789bc039ab14.jpg
ef4b3c63c509.jpg