الإثنين 11 مايو 2026 10:15 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

أخبار عربية

فجر سياسي جديد في بغداد: نزار آميدي رئيساً وعلي الزيدي مكلفاً بتشكيل الحكومة

النهار نيوز

شهدت الساحة السياسية في بلاد الرافدين تحولاً محورياً يعكس الرغبة في الاستقرار المؤسسي وتفعيل المسارات الدستورية المتعطلة. فقد حسم مجلس النواب العراقي الجدل بانتخاب رئيس العراق نزار آميدي، مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني، ليكون الربان الجديد لمنصب رئاسة الجمهورية خلفاً لعبد اللطيف رشيد. ولم يكتفِ المشهد بهذا الانتخاب، بل سارع الرئيس الجديد في أولى خطواته التنفيذية إلى تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة، في خطوة فاجأت الكثير من المراقبين السياسيين نظراً لغياب اسم الزيدي عن التكهنات السابقة التي كانت تنحصر بين أقطاب تقليدية.

نزار آميدي: من قاعات التدريس إلى سدة الرئاسة

وُلد نزار محمد سعيد (آميدي) في السادس من فبراير عام 1968 في قضاء العمادية التابع لمحافظة دهوك، وهي منطقة تشتهر بعمقها التاريخي. هذا الخلفية الثقافية والاجتماعية في إقليم كردستان شكلت هويته السياسية المنفتحة. آميدي لم يكن يوماً غريباً عن أروقة الحكم؛ فبعد تخرجه من جامعة الموصل كمهندس ميكانيكا وعمله القصير كمدرس للفيزياء، انخرط في العمل الحزبي والسياسي منذ عام 1994.

لقد تدرج آميدي في مناصب حساسة مكنته من بناء شبكة علاقات وطنية ودولية واسعة، ومن أبرز محطاته المهنية:

  • العمل في مكتب الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني (1993 - 2003).

  • سكرتير شخصي ومدير مكتب للرئيس الراحل جلال طالباني (2008 - 2014).

  • مدير مكتب رؤساء الجمهورية المتعاقبين (فؤاد معصوم، برهم صالح، وعبد اللطيف رشيد).

  • وزير للبيئة في حكومة محمد شياع السوداني، حيث برز دوره في ملفات التغير المناخي العالمية.

علي الزيدي: الرهان الاقتصادي للإطار التنسيقي

في خطوة وصفت بأنها "كسر للانسداد السياسي"، توافق الإطار التنسيقي على ترشيح شخصية من خارج الدوائر الحزبية المباشرة، وهو علي الزيدي. الزيدي، المنحدر من محافظة ذي قار، يمثل وجهاً جديداً في عالم السياسة التنفيذية، حيث لم يسبق له تولي منصب سياسي رفيع، بل كانت مسيرته تتركز في القطاعات الاقتصادية والقانونية.

وتتابع الدوائر المهتمة بآخر أخبار العراق بكثافة تفاصيل هذه السيرة الذاتية الغنية، حيث يحمل الزيدي شهادات في القانون والمالية والمصارف، ويشغل منصب رئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية القابضة. هذا التوجه نحو "التكنوقراط الاقتصادي" يشير إلى رغبة القوى السياسية في تهدئة الشارع العراقي عبر التركيز على الخدمات، الاستثمار، والحوكمة المالية، بعيداً عن الصراعات السياسية الأيديولوجية التي ميزت العقدين الماضيين.

كواليس التوافق: تنازلات المالكي والسوداني

لم يكن الوصول إلى اسم علي الزيدي سهلاً. فقد كشف الأمين العام للإطار التنسيقي، عباس العامري، أن الحوارات شهدت "شبه انسداد" في البداية. وكان من المفترض أن يعود نوري المالكي أو يستمر محمد شياع السوداني في المنصب، إلا أن كلاً منهما آثر التنازل لمصلحة التوافق الوطني. هذا التنازل أفسح المجال لظهور الزيدي كخيار "حل وسط" حظي بتصويت جميع الحاضرين في اجتماع قادة الإطار التنسيقي.

ويرى المحللون أن هذا التوافق جاء لتجنب تعقيد المشهد بعد انتهاء المهلة الدستورية لتكليف رئيس الوزراء، ولإرسال رسالة طمأنة للمجتمع الدولي والداخل العراقي بأن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة بناء وإعمار.

ملفات ساخنة تنتظر "الثنائي" الجديد

يواجه الرئيس نزار آميدي ورئيس الوزراء المكلف علي الزيدي جملة من التحديات التي لا تقبل التأجيل. فالعراق يعاني من أزمات بيئية خانقة (وهي ملف يبرع فيه آميدي كوزير بيئة سابق)، إضافة إلى ضرورة مكافحة الفساد وتطوير البنية التحتية المتهالكة.

  1. الملف الاقتصادي: سيتعين على الزيدي استخدام خبرته في إدارة المصارف والشركات القابضة لتعزيز قيمة العملة المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية.

  2. التوازن بين بغداد وأربيل: بوجود آميدي في الرئاسة، وهو الذي يحظى بقبول واسع في السليمانية وبغداد، يُتوقع حلحلة العديد من القضايا العالقة بين المركز والإقليم بخصوص الموازنة والنفط.

  3. التمثيل الدولي: يتطلع العراق لاستعادة دوره الإقليمي القوي، وهو ما بدأه آميدي بالفعل من خلال مشاركاته الواسعة في الوفود الرئاسية السابقة وزياراته لواشنطن والرياض وطهران ومسقط.

رؤية نحو المستقبل

إن تكليف الزيدي ودعم آميدي له يعطي بصيص أمل في تشكيل "حكومة وطنية قوية" كما وصفها الرئيس في بيانه. فالقوى السياسية مدعوة الآن، أكثر من أي وقت مضى، للتعاون مع المكلف لتشكيل كابينة وزارية قادرة على تلبية تطلعات المواطنين الذين سئموا من وعود الإصلاح المتكررة.

ويُنتظر أن يجتمع الإطار التنسيقي لبحث الكابينة الوزارية النهائية، وسط تفاؤل حذر بأن يقدم الزيدي فريقاً وزارياً يجمع بين الخبرة الفنية والقبول السياسي، لضمان تمرير الحكومة داخل قبة البرلمان دون عقبات كبيرة.

خاتمة

في نهاية المطاف، يمثل انتخاب نزار آميدي وتكليف علي الزيدي فصلاً جديداً في تاريخ العراق السياسي المعاصر. إنه مزيج بين الخبرة الدبلوماسية العميقة التي يمثلها آميدي، وبين الطموح الاقتصادي والقانوني الذي يحمله الزيدي. النجاح في هذه المرحلة لا يعتمد فقط على مؤهلات الشخصيات المختارة، بل على مدى جدية الكتل السياسية في منحهم المساحة الكافية للعمل بعيداً عن ضغوط المحاصصة الضيقة. إن العراقيين ينتظرون أفعالاً تترجم على أرض الواقع، لتعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة في ظل هذه التغيرات الكبرى.