الأحد 18 أكتوبر 2026 01:18 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

منوعات وتنمية بشرية

كيف تُشعل الديون غضب الشعوب؟

النهار نيوز

صالح الراشد
لم تعد الديون مجرد أرقام في موازنات الحكومات، بل أصبحت تؤثر في مستوى معيشة المواطنين والضرائب وفرص العمل والخدمات العامة، وحتى في استقرار الحكومات وثقة الشعوب بمؤسساتها، وحين تتوسع الديون، قد تحصل الحكومات على تمويل تحتاج إليه اليوم، لكن الشعوب قد تتحمل جزءًا من فاتورته لسنوات طويلة، ومع ذلك، تختلف النتائج بحسب أسباب الاقتراض، وكيفية استخدام الأموال، وكلفة خدمة الدين، وقدرة الاقتصاد على النمو، وتشير بيانات صندوق النقد الدولي والأمم المتحدة إلى أن أزمة الديون أصبحت قضية عالمية، لكنها لا تضرب الدول بالدرجة نفسها.
وحتى ندرك خطورة المشكلة فإن الدين العام العالمي 365 تريليون دولار، ويعادل نحو 311% من الناتج المحلي العالمي موزعة كديون للحكومات بقيمة 107 ترليون، الشركات غير المالية 100 ترليون، ديون الأسر كقروض عقارية واستهلاكية 65 ترليون والقطاع المالي 76 ترليون، وهي أرقام ضخمة، وقد تزداد في السنوات المقبلة، ما يفاقم تحديات إدارتها في السنوات القادمة في ظل الضغوط على قطاعات الطاقة والغذاء، وارتفع الدين العام خلال النصف الأول من 2026 أكثر من 10 تريليونات دولار، وفق تقرير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
وتكمن خطورة الديون على حياة المواطنين بأن العديد من الدول تنفق على فوائد الدين مبالغ تفوق ما تنفقه على الصحة أو التعليم، بحسب تقرير الأمم المتحدة عن الديون لعام 2025، مما يؤدي إلى تراجع الخدمات العامة، وقد تلجأ بعض الحكومات إلى زيادة الضرائب والرسوم أو تقليص دعم الوقود والكهرباء والخبز، وهذا يؤدي إلى تراجع الاستثمار ما يقود لزيادة نسبة البطالة، وبهذه الظروف تتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وهذا يتسبب في فقدان الثقة، وهنا يتحرك الشارع الشعبي للضغط من أجل تغيير السياسات ومحاسبة المسؤولين عن إدارة الدين.
وتطرح الشعوب بألم وحسرة ثلاثة أسئلة ويُجيب عليها السياسيون بخبث ودهاء وهي: لماذا تستدين الحكومات؟ وكيف تتوزع فوائد الاقتراض وأعباؤه؟ ومتى تتحول المعاناة الاقتصادية إلى غضب شعبي يغير الحكومات والسياسات؟، وتختلف ردود فعل الشعوب تجاه السياسات الاقتصادية بحسب أثرها على المجتمع، فتنطلق الاحتجاجات والاضطرابات على أمل تعديل القرارات الحكومية، والمطالبة بمحاسبة المسؤولين وتعزيز الرقابة أو زيادة الاستقطاب السياسي، وقد يصل الجميع لقبول الإصلاحات مؤقتة على أمل الوصول إلى استقرار محتمل إذا تحسنت النتائج، أو عودة الاحتجاجات إذا استمرت المعاناة، وتصل الشعوب في مرحلة متقدمة إلى التغيير الانتخابي وإيصال قوى سياسية جديدة تتعهد بتغيير النهج المالي، وعلى صعيد المجتمع قد تتسبب القرارات السياسية بالهجرة وهو ما يؤدي لخسارة الكفاءات وهذا يحصل حالياً وعلى نطاق واسع وبالذات في دول العالم الثالث والدول العربية.
ويبقى السؤال الأكثر حيرة وهو من يدفع فاتورة الديون ومن المستفيد؟، فالمواطنون قد يتحملون الزيادات الضريبية وتراجع الخدمات وارتفاع الأسعار، فيما الحكومات تحصل على تمويل فوري، لكنها تفقد جزءًا من مرونتها المالية مستقبلًا، بدورها تحصل المصارف والدائنون على فوائد وأقساط، مع تحملهم مخاطر التعثر وإعادة هيكلة الديون، وقد يستفيد المستثمرون من المشاريع التي يمولها الاقتراض في ظل مخاطر ارتفاع الفوائد وزيادة كلفة استثماراتهم، بدورها ترث الأجيال المقبلة بنية تحتية واقتصادًا أقوى إذا استُخدمت القروض بكفاءة، أو ترث التزامات مالية تَحِدُ من خياراتها إذا أُنفقت دون عائد مستدام، مما يدلل على أن ليس كل دين خسارة أو استثمارًا ناجحًا، فالحكم النهائي يتوقف على ما إذا كانت منافع الاقتراض تتجاوز تكاليفه على المدى الطويل.
وشهدت عديد الدول تغيرات سياسية ومواجهات دامية لإحداث التغيير بسبب الأزمات الاقتصادية التي لا يتحملها الشعب، ففي سيرلانكا أدت أزمة الديون ونقص الوقود والأدوية والكهرباء وارتفاع التضخم إلى احتجاجات ضخمة. اضطر الرئيس غوتابايا راجاباكسا إلى مغادرة البلاد والاستقالة، ثم دخلت البلاد في برنامج إنقاذ وإعادة هيكلة للديون، أما فرنسا فقد شهدت احتجاجات لارتفاع أسعار الوقود ولا تزال الأزمة تتفاقم، وفي لبنان استقال رئيس الوزراء سعد الحريري بعد احتجاجات شعبية بسبب فرض رسوم على مكالمات الإنترنت ثم الأزمة المصرفية، وشهدت اليونان أزمة ديون وتقشف ولهذا تصاعدت الاحتجاجات والإضرابات لتصبح الأزمة عاملًا رئيسيًا في التحولات الانتخابية والسياسية في البلاد، وشهدت دول أخرى احتجاجات لأسباب اقتصادية متفاوتة في الإكوادور، أنغولا، تشيلي، كينيا، تايلاند، بوليفيا وسوريا ويتوقع أن تتزايد أعداد الشعوب التي ستخرج للشوارع في احتجاجات على الوضع الاقتصادي المتردي بسبب سياسات الدول الكُبرى وشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
آخر الكلام:
بلغ الدين العام للدول النامية عام 2024 نحو 31 تريليون دولار بفوائد 921 مليار دولار، وهو ما يعادل 10% من إيرادات حكوماتها، وبحسب التقرير، أنفقت 46 دولة نامية على فوائد الديون أكثر مما أنفقت على الصحة أو التعليم .

⇧