الجمعة 14 أغسطس 2026 09:17 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

الفنون

نبيهة كراولي تحتفي بالمرأة التونسية بصوت الذاكرة على ركح قرطاج

النهار نيوز

في عيد المرأة التونسية الذي يتزامن مع سهرة الفنانة نبيهة كراولي ضمن مهرجان قرطاج الدولي، تحولت خشبة المسرح الأثري إلى مساحة تتقاطع فيها الذاكرة بالاحتفاء، والصوت الفردي بالوجدان الجماعي.
وقبل انطلاق الحفل، توشحت الشاشة بأسماء نساء من مجالات مختلفة بعضهن غادر الحياة والبعض الآخر مازال ينقش أثره فيها ويلتقي جميعهن في حب الوطن.
بحضور وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي ووزيرة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن أسماء الجابري ورئيس مجلس نواب الشعب ابراهيم بودربالة وعدد من المسؤولين، صعدت نبيهة كراولي إلى الركح محمّلة بمسيرة فنية اختارت منذ بداياتها أن تجعل من الأغنية أكثر من مساحة للطرب.
ولم تستهل الفنانة حفلها بالغناء، إذ اختارت أن تكون مصافحتها مع الجمهور بكلمات احتفت فيها بالمرأة التونسية، كلمات بسيطة لا تخلو من شاعرية وجدت صداها في المدارج هتافا وتصفيقا.
ويحمل حضور نبيهة كراولي في هذه المناسبة رمزية خاصة، فهي فنانة ارتبط مشروعها الفني بالبحث في الذاكرة الموسيقية التونسية، وبإعادة قراءة التراث من زاوية تستعيده وتمنحه حياة جديدة.
ويشكل اختيارها للغناء في عيد المرأة امتدادا طبيعيا لمسار جعل من المرأة، في كثير من محطاته، شخصية حاضرة في الأغنية بصوتها وذاكرتها وأسئلتها وانكساراتها وقدرتها على المقاومة.
ويأتي صوتها ليضيف إلى ذاكرة مسرح قرطاج فصلا جديدا، عنوانه المرأة التونسية بما تحمله من إرث اجتماعي وثقافي، وبما قطعته من مسافات في سبيل تثبيت حضورها في الحياة العامة والفن والمجتمع.
ولا تنفصل هذه التجربة عن شخصية نبيهة الفنية التي بنت حضورها على المصالحة بين الأصالة والتجديد، فمن الجنوب التونسي استمدت كثيرا من ملامح ذاكرتها الموسيقية واللغوية، ومن التكوين الأكاديمي انفتحت على إمكانات أوسع للتأليف والتوزيع والأداء.
في هذا السياق، يمثل الغناء في عيد المرأة، فرصة للعودة إلى الأغنية التونسية من زاوية مختلفة فالأغنية التي تحمل حكاية امرأة، أو تستعيد صورة الأم، أو تروي قصة حب وانكسار، لا تبقى حبيسة معناها المباشر حين تؤديها نبيهة كراولي بمرافقة فرقة موسيقية يقودها المايسترو خالد بن عيسى.
فخبرتها تمنح هذه الأغاني مساحة أرحب، تجعل الخاص يلتقي بالعام، والحكاية الفردية تتقاطع مع حكايات نساء كثيرات، وهي التي لم تفصل يوما الجمالية الموسيقية عن السؤال الإنساني.
وفي اختياراتها الفنية، ظل حضور القضايا الاجتماعية جزءا من تصورها لدور الفنان، وهو ما يجعل عرضها مناسبة لاستحضار المسافة التي قطعتها المرأة التونسية، والأسئلة التي لا مازالت مفتوحة أمامها.
ولا تحتاج نبيهة كراولي إلى تحويل الركح إلى منبر مباشر حتى يكون لفنها موقف، يكفي أن تترك للأغنية مجالها، وأن تستعيد نصوصا صنعتها الذاكرة، وأن تمنح صوتها للوطن ولتجارب النساء، حتى يصبح العرض نفسه مساحة للتأمل.
وفي لحظة مكثفة مفعمة بالوطنية، تحول ركح قرطاج الأثري إلى مساحة رمزية التقى فيها أكثر من جيل حينما علا صوت نبيهة كراولي وهي تتغنى بتونس في "بلادي" وشاركها كورال سيدي سامي الغناء.
وعلى إيقاع أغنيات رسخت في ذاكرة الجمهور التونسي تشكلت معادلة دقيقة بين الطرب والرسالة، وبين أن يستمتع الجمهور بالأداء وأن يجد نفسه، في الوقت ذاته، أمام أسئلة تتجاوز الموسيقى.
ومن بوابة الأغنية التونسية التي تحمل في داخلها آثار الأمكنة واللهجات والطبوع والعادات والحكايات الشعبية، وقفت الفنانة التونسية أمام جمهور واسع، لتستعيد صوت المرأة من داخل التجربة الفنية ذاتها.
في صوت نبيهة شيء من الجنوب، ومن الأهازيج القديمة، ومن الأغنية الشعبية، ومن المدرسة الموسيقية التي صقلت تجربتها، لكنها، في الوقت نفسه، لا تقف عند حدود الماضي وتحول التراث إلى مادة حية تخاطب جمهورا جديدا دون أن تفقد جذورها.
وفي عيد المرأة، يكتسب هذا الصوت بعدا آخر وهو يرسم حضور المرأة في الأغنية التونسية بين الحبيبة والأم والابنة والمرأة التي تنتظر وتقاوم وتحلم.
لكن نبيهة، في تجربتها، تدفع هذه الصورة خطوة إلى الأمام إذ أن المرأة التي تظهر في أغنيتها تمتلك القدرة على التعبير عن ذاتها، وعلى تحويل الألم إلى موقف، والذاكرة إلى فعل، والصمت إلى صوت.
ومن هذه الزاوية، يتجاوز الحفل في قرطاج الموعد الموسيقي، ليشكل لقاء بين فنانة وجمهور، وبين ذاكرة امرأة تونسية وذاكرة وطن، وبين أغنية قديمة وأسئلة راهنة.
ولعل أجمل ما يمكن أن تمنحه الموسيقى في مثل هذه المناسبات هو أن تجعل الاحتفاء أقل خطابية وأكثر صدقا، فحين تغني نبيهة كراولي، يتجاوز حضور المرأة الشعارات، وتتجلى إنسانيتها، وتصدح حكايتها، وتجد في الأغنية مساحة للتعبير عما يعتمل في صدرها.
وتبدو تجربة نبيهة كراولي، في جانب منها، محاولة دائمة لاسترداد الأغنية التونسية من النسيان، تستعيد المقام، واللحن، واللهجة، والصورة الشعبية، ثم تضعها في سياق جديد.
وهذا ما يجعل أغانيها قادرة على الوصول إلى أكثر من جيل، فالمستمع الذي يعرف تلك الأغاني من ذاكرة والديه أو أجداده يجد فيها شيئا مألوفا، بينما يكتشفها المستمع الأصغر باعتبارها جزءا من موسيقى تونسية يمكن أن تتجدد دون أن تتنكر لأصلها.
في قرطاج، تصبح هذه المعادلة أكثر وضوحا، فالمسرح الذي يمثل واحدا من أهم رموز الحضور الثقافي التونسي يستقبل فنانة جعلت من الهوية الموسيقية جزءا أساسيا من مشروعها.
ومن هذا المنطلق، لا ينفصل الاحتفال بعيد المرأة عن الاحتفال بالأغنية التونسية نفسها، فالمرأة التي تغني، والمرأة التي كتبت أو ألهمت، والمرأة التي حفظت الأغنية في البيوت والذاكرة الشعبية، كلهن يلتقين رمزيا في لحظة واحدة على خشبة قرطاج.
وحضور نبيهة كراولي في عيد المرأة ليس مجرد احتفاء بامرأة فنانة، وإنما احتفاء بفكرة أن الفن قادر على أن يكون ذاكرة وموقفا في آن واحد.
ففي زمن تتداعى فيه الأغنية نحو الاستهلاك السريع، تختار أن تمنحها شيئا من التمهل، وأن تترك للصوت فرصة كي يعلو، وللكلمة مجالا كي ترسخ، وللتراث أن يستعيد حضوره خارج الماضي المغلق.
على ركح قرطاج، في عيد المرأة، غنت نبيهة كراولي للمرأة باعتبارها حكاية تونسية ممتدة، حكاية فيها الأم والابنة والعاشقة والمناضلة والفنانة والعاملة، وفيها أيضا المرأة التي لا تزال تبحث عن صوتها في عالم كثير الضجيج.
وللمرة الأولى غنت " مازالت يا ليام" في أداء حي، و "يما" وهي أغنية كتبتها قبل وفاة أمها، وليس من موعد أفضل من عيد المرأة لتشدو بها، في أداء غلب عليه الشجن والحنين،
وحين يعلو صوتها، يصبح الغناء في لحظته الأجمل قادرا على أن يفعل ما لا تفعله الخطب، وأن يجعل الاحتفاء شعورا، والذاكرة لحنا، والموقف أغنية، والحنين سلاحا في وجه الموت.
وعلى نسق حفل توهجت فيه الكيمياء بينها وجمهورها، تنقلت نبيهة كراولي بين أغان قديمة وجديدة وقالت بطريقتها إن المرأة التونسية ليست فقط جزءا من الذاكرة وإنما هي أيضا من يصنع الحاضر ويكتب ما سيبقى منه.