د .. محمود ابوعميرة يكتب الانسان بين أعماق النفس وآفاق الوجود


منذ أن خُلق الإنسان، وهو يخوض رحلة طويلة بين أعماق نفسه وبين آفاق الوجود، يبحث عن المعنى الذي يمنحه الطمأنينة، وعن الحقيقة التي تُسكن الروح، وعن النور الذي يُبصر به الطريق، وكلما اتّسعت خطوات الإنسان في دروب الحياة، أدرك أن الحقيقة الكبرى التي تفسّر هذا الوجود إنما تكمن في كلمة واحدة: الله.
وحين يصل الإنسان إلى هذه الحقيقة يدرك إنها ليست عبارة، بل كشفٌ للسرّ الذي تدور حوله حياة البشر كلها، فمن وجد الله، فقد وجد كلّ شيء، ومن فقده فقد ضلّ طريقه ولو ملك الدنيا بما فيها.
وحين يلتفت القلب إلى الله، يفيض عليه نورٌ لا تشبهه أنوار الأرض؛ نور يبدّد الوحشة، ويجلو الغربة، ويملأ الصدر يقينًا وطمأنينة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، فمن خرج من الظلمات إلى النور هل يبقى في قلبه شعور بالفقد؟
ولأن القرب من الله هو العطاء الأعظم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة (من تقرّب إليّ شبرًا تقربتُ إليه ذراعًا، ومن تقرّب إليّ ذراعًا تقربتُ إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)، فهل بعد هذا القرب فقد؟ وهل بعد هذا الإقبال ضياع؟
والإنسان في رحلة حياته يطلب أربع اشياء ضرورية لبقاءه: الأمن، الحب، الرزق، والطمأنينة، وكلها عند الله، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾،وقال:﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، فما دام الله هو الكافي، فمن فقد معية الله، فقد كل شيء، ومن وجد الله، فقد استغنى ولو كان قليل المال، قويًّا ولو كان بلا سند، عزيزًا ولو عاش وحده، يقول الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: من عرف الله هانت عليه مصائب الدنيا.
وفي قصة إبراهيم عليه السلام: المثل الرائع للكفاية، حين أُلقي في النار واجتمع عليه الخلق ولم يكن معه إلا الله، فكان الله له كلّ شيء وكتبت له النجاة، قال تعالى:﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾، وفي قصة موسى عليه السلام: الحكمة والعبرة البالغة، فعند البحر، العدو من خلفه والبحر أمامه، والقوم يصرخون: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، لكن موسى، الذي وجد الله، قال كلمته الخالدة: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، فانشق البحر، وغرق الجنود، ونجا موسى ومن معه، فمن وجد الله لم يُغلب، حتى لو بدا عاجزًا أمام أعين الناس.
ومن فقد الله عاش بلا نور قال تعالى:﴿وَمَن أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾، وليس الضنك فقرًا دائمًا، بل فراغًا في الروح، واضطرابًا في النفس، وحيرةً لا يزيلها مال ولا سلطان، فكم من غنيٍّ فقد الله فكان أفقر الناس، وكم من مَلِكٍ فقد الله فكان أشقى الناس، وكم من صاحب جاهٍ ومال فقد الله فكان أضعف الناس.
وفي قصة قارون: نموذج لمن وجد الدنيا وفقد الله، فقد ملك قارون مالًا لم يملكه بشر، ومع ذلك قال تعالى:﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾، فالدنيا التي تُعطي ولا تمنح شيئا بعيدا عن رحمة الله، بل تسلب كل شيء، فقارون نفسه اعترف بالوهم حين قال الناس من حوله:
﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
ومن اقوال الحكماء يقول الحسن البصري: تفقد قلبك في ثلاثة مواطن: عند قراءة القرآن، وفي الصلاة، وعند الذكر، فإن لم تجده فابحث عن نفسك، فإنك فقدت نفسك،
وهذا هو عين معنى السؤال: من فقد قلبه مع الله فقد كل شيء.
ولو تأملنا كلام رابعة العدوية لتذوقنا معاني اروع في معرفة الله والقرب منه، حيث كانت تقول في مناجاتها لله:إلهي… إن كنتُ أعبدك خوفًا من نارك فاحرقني فيها، وإن كنت أعبدك طمعًا في جنتك فاحرمني منها، وإن كنت أعبدك حبًّا لك فلا تحرمني رؤيتك، انها امرأة لا تملك مالًا ولا جاهًا، لكنها ملكت سرّ الكون كله… وجدت الله، فماذا فقدت؟ لا شيء.
وفي قصة العجوز التي علّمت عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وارضاه درسًا وعبرة، حيث جاءها أمير المؤمنين يسأل عن حاجتها، فقالت: يا أمير المؤمنين، حاجتي إلى ربي، فإن قضيتها فالحمد لله، وإن لم تقضها فالحمد لله، فبكى عمر وقال: هذه امرأة أغنى من عمر، وغناها هنا هو غنى "من وجد الله".
والله دائما ملجأ الخائفين وسند الضعفاء، فالإنسان في ضعفه، وفقره، ووحدته، وخوفه، لا يجد سندًا ثابتًا إلا الله، قال تعالى:﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، فلو أن الله استجاب مرة واحدة لعبدٍ من عباده، لكانت تلك الاستجابة كافية ليعلم أنه لم يفقد شيئًا، كيف وهو سبحانه يستجيب كل يوم، ويفتح أبوابه كل ليلة؟ وفي الحديث الشريف: يتنزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ فمن وجد هذا القرب وهذا العطف، وهذا الجود… فماذا فقد؟



















محكمة النقض المصرية تحسم النزاع نهائيا.. تأكيد الصفة القانونية لعلي أحمد أبو...
عاجل.. سوهاج .. مصرع رئيس مجلس قروي إدفا أثر إصابته بطلق ناري
عاجل.. البيان كاملا حول سقوط مروحية واستشهاد 14 سعوديا
”لصوص يقتحمون شقة صحفي بـ«أخبار اليوم»
نور عريضة مع بلال العربي: خسرت أعمالًا بسبب دعمي لفلسطين
اختتام المنتدى الإقليمي للاستثمار في قطاع الصحة بنواكشوط
كروكوبارك أكادير يستقبل الكايمن عريض الخطم لتعزيز التنوع البيولوجي والتوعية بحماية الزواحف