د :محمود ابوعميرة يكتب وُلِدَ الهُدَى فَالْكَائِنَاتُ ضِيَاءُ


حين أشرقت الدنيا بمولد الحبيب، لم يكن فجرًا كسائر الفجر، بل كان انبثاق نورٍ غمر الوجود، وانسكاب رحمةٍ سرت في أوصال الزمن، حتى غدت الكائنات كلها تردد في صمتٍ مهيب: لقد وُلد الهدى، فالكائنات ضياء وما زال ضياؤه يسري في الزمن، فكلما أظلمت الدنيا أشرق من سيرته فجرٌ جديد، وما زال صوته يتردد في أعماق التاريخ: أن كونوا رحماء، تكونوا عظماء وأن اجعلوا من قلوبكم منابر نور كما كان قلبه الشريف.
فما كان ميلاده صلى الله عليه وسلم حدثًا يُؤرَّخ في سجل الزمان فحسب، بل كان تحوّلًا كونيًا، كأن السماء أزاحت حجابها عن الأرض وأرسلت نورًا ينساب في العروق فيوقظ المعنى النائم في قلب الإنسان، ولد الهدى فلم تعد الأرض كما كانت، بل غدت صفحةً من نور الرحمة ونبضًا من الحياة.
جاء والنفوس موحشة، والأرواح تائهة، والإنسان قد نسي إنسانيته، فجاء يعيد تعريف الإنسان للإنسان، لم يكن حضوره مجرد دعوةٍ إلى عبادة الله، بل كان بعثًا لقيمٍ كادت تُمحى: الرحمة والعدل والصدق والكرامة، فجعل من القلب موطنًا للنور، ومن الفعل ترجمانًا للإيمان حتى غدت الحياة في ظله معنى يُعاش لا فكرة تُقال.
جاء صلى الله عليه وسلم في زمنٍ أثقلته الظلمات، وتراكمت فيه قسوة القلوب وتاهت فيه الإنسانية بين عبادة الحجر واستعباد البشر، فجاء كنسمةٍ ربانية تُعيد للروح معناها، وللحياة مقصدها وللإنسان كرامته، لم يكن مجرد نبيٍ يُبلغ رسالة، بل كان رحمةً تمشي على الأرض كما وصفه القرآن الكريم: "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين".
وحين وصفه القرآن الكريم لم يصفه وصفًا عابرًا، بل رسم له مقامًا لا يُدرك مداه: "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين"، فكان رحمةً تسير بين الناس، رحمةً تفيض في نظرة، وفي كلمة، وفي موقف، وإذا كان العالم قد عرف القوة في صورٍ كثيرة، فإنه لم يعرف قوةً تشبه قوة رحمته، تلك التي تُلين القلوب القاسية، وتُقيم العدل دون أن تجرح إنسانية أحد.
أما خلقه فحدّث ولا حرج؛ إذ قال الحق سبحانه: "وإنك لعلى خلقٍ عظيم"، وكأن هذه الآية بحرٌ من المعاني لا قرار له، فلم يكن خلقه عظيمًا في موقفٍ دون آخر، بل كان عظمةً مستمرة في الرضا والغضب، في النصر والانكسار، في العطاء والمنع، كان صلى الله عليه وسلم إذا عفا، أدهش العفو، وإذا أحب أخلص الحب، وإذا حكم أنصف حتى من خالفه.
وفي سيرته العطرة تتجلى عظمةٌ لا تُدركها الكلمات، بل تُستشعر في كل موقفٍ من مواقفه، وفي كل نظرةٍ من عينيه الشريفتين، كان صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين قبل الرسالة، فلما حملها ازداد صدقًا على صدق وأمانةً على أمانة، لم يُعرف عنه إلا الوفاء، ولم يُسمع منه إلا الحق حتى أقر له أعداؤه قبل أصحابه بعظيم خلقه ورفعة شأنه.
أما إنسانيته، فهي بحرٌ لا ساحل له، فكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى ضعيفًا رقّ له قلبه وإذا سمع أنين مظلومٍ اهتزت روحه نصرةً له، كان يجلس مع الفقراء كواحدٍ منهم ويواسي الحزين ويلاعب الصغير، ويكرم المرأة ويعفو عمّن ظلمه، حتى بلغ في العفو مبلغًا أدهش التاريخ حين قال لمن آذوه وأخرجوه: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، أي قلبٍ هذا الذي يحمل كل هذا الصفح؟ وأي روحٍ هذه التي ترتفع فوق الجراح؟
كان صلى الله عليه وسلم إنسانًا في أبهى تجلياته: يجوع فيصبر، ويتألم فيحتسب، ويفقد فيبكي، لكنه لا ينسى في كل ذلك أن يكون رحمةً، كان في بيته زوجًا حنونًا يُلاطف ويواسي ويقول: "خيركم خيركم لأهله"، وكان صلى الله عليه وسلم مع أصحابه أخًا وصديقًا لا يترفّع عليهم، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس، كأن العظمة الحقيقية هي أن تكون قريبًا من الناس لا فوقهم.
كان صلى الله عليه وسلم مثالًا للكمال البشري الممكن، لا ملَكًا منزّهًا عن الشعور، بل إنسانًا عاش الألم والجوع والفقد، لكنه علّم العالم كيف يكون الصبر وكيف تتحول المحن إلى منح، ففي بيته زوجٌ رحيم، وفي مجتمعه قائدٌ عادل، وفي ميادين الشدة ثابتٌ لا يتزعزع، وفي خلوته عابدٌ باكٍ يناجي ربه بخشوعٍ عظيم.
وفي مواقفه تتجلى عظمة القائد الرحيم؛ يوم الطائف حين أُوذي أشد الأذى، لم يدعُ عليهم، بل قال: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون"، ويوم فتح مكة دخلها منتصرًا متواضعًا، مطأطئ الرأس لا متكبرًا ولا متجبرًا، بل عبدًا شاكرًا يفيض قلبه رحمةً وسلامًا.
لقد علّم البشرية أن الإنسانية ليست شعارات، بل سلوكٌ يومي وأن الرحمة ليست ضعفًا، بل قوةٌ تسمو بالنفس، علّم أن العدل أساس العمران، وأن الكلمة الطيبة صدقة، وأن الابتسامة نور، وأن الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربيٍ على أعجمي إلا بالتقوى.
وإذا تأملت في شخصيته النبوية، وجدت مزيجًا فريدًا من الصفات التي لا تجتمع في غيره: شجاعةٌ لا تهور فيها، وتواضعٌ لا ضعف فيه، وحلمٌ لا عجز فيه، وحزمٌ لا قسوة فيه، كان صلى الله عليه وسلم قويًا في الحق، لينًا في التعامل، عظيمًا في حضوره، بسيطًا في حياته.
إنه صلى الله عليه وسلم النور الذي لا يخبو، والقدوة التي لا تبلى، والمعلم الذي لا ينضب عطاؤه فكلما ابتعد الناس عن هديه، اشتد ظلامهم، وكلما اقتربوا من سنته، أشرقت حياتهم.
ولد الهدى، فكانت الكائنات ضياء، وما زال ضياؤه ممتدًا في القلوب التي أحبته، وفي الأرواح التي اقتدت به، وفي العالم الذي ما أحوجَه اليوم إلى رحمته، وعدله، ونوره.
فصلّى الله عليه وسلم عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ما تعاقب الليل والنهار، وما بقي في الكون نورٌ يشهد أن محمدًا كان وسيبقى أعظم من جسّد معنى الإنسان.
علّم العالم أن الإنسانية ليست مظهرًا، بل جوهر وأن الإنسان لا يكون عظيمًا بما يملك، بل بما يعطي، غرس في القلوب أن الكلمة الطيبة حياة، وأن الرحمة لغة يفهمها كل البشر، وأن العدل ميزان لا يستقيم الكون بدونه، ورفع شأن الضعيف وأعاد للمرأة كرامتها وأعلن أن الناس جميعًا من أصلٍ واحد وأن التفاضل بالتقوى لا بالأنساب.
وفي شخصيته اجتمعت المتناقضات في أبهى انسجام: كان قويًا إذا اقتضى الحق قوة، رقيقًا إذا احتاج القلب إلى رفق، حكيمًا إذا اضطربت العقول، بسيطًا إذا تعلّق الأمر بالحياة، وكان إذا تكلم أصغت القلوب قبل الآذان، وإذا سكت تحدّثت هيبته وإذا ابتسم أضاءت الدنيا.
هو النور الذي لا يُطفأ والنبع الذي لا ينضب والقدوة التي كلما تأملتها اكتشفت فيها معنى جديدًا للجمال، ليس لأنه معصومٌ فحسب، بل لأنه قدّم للبشرية النموذج الأسمى لما يمكن أن يكون عليه الإنسان حين يسمو بروحه ويتصل بربه ويحب خلقه.
فصلى الله عليه وسلم ما تعاقبت الأنفاس وما خفقت القلوب وما بقي في الأرض أثرٌ من نورٍ يشهد أن محمدًا لم يكن نبيًا فحسب، بل كان أعظم قصة إنسانية كُتبت بنور السماء على صفحات الأرض.



















حريق بمخزن مستلزمات طبية بمعهد الكبد القومى ورئيس جامعة المنوفية يتابع...
شاب يشنق نفسه بعد 4 شهور زواج بالسادات
حكم جديد بالبراءة يرسى قواعد هامه .. نجاحات قانونيه تضاف للمساعد والخبير
تموين كفرالشيخ يشن حملات على الاسواق
محافظ المنوفية : الإنتهاء من أعمال تطوير ورفع المعلب القانوني بتلا
القاصد يهنئ الرئيس السيسي والشعب المصري بذكرى تحرير سيناء الـ44 ...