الخميس 23 أبريل 2026 02:42 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

مولدُ نبيٍّ… وميلادُ أُمَّةٍ

النهار نيوز

د :محمود أبو عميرة يكتب

في فجرٍ لم يكن كسائر الفجر، وفي لحظةٍ من لحظات القدر التي تتبدل فيها موازين الأرض والسماء، وُلد النور، لا ليُضيء زمانًا بعينه، بل ليُعيد تشكيل معنى الزمن نفسه، كان ميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ميلادًا لنبي، لكنه في حقيقته كان ميلادًا لأمة، بل ميلادًا لإنسانيةٍ جديدة تعرف كيف تُبصر بنور الرحمة، وكيف تسير على درب العدل.
لم يكن فجرًا عاديًا ذلك الذي أشرقت فيه الأرض بمولد محمدٍ صلى الله عليه وسلم، بل كان فجرًا تبدّل فيه وجه الوجود، وانحنت له ظلمات القرون وهي تتلاشى أمام شعاعٍ لم تعرفه الدنيا من قبل، لم يكن مولده حدثًا في سجل الزمن، بل كان بداية زمنٍ جديد، تُقاس فيه القيم بميزان السماء، وتُوزن فيه القلوب بنور الرحمة.
في تلك اللحظة، لم تُولد نفسٌ مباركة فحسب، بل وُلدت أمةٌ من رحم المعاناة، أمةٌ كانت تنتظر من يأخذ بيدها من دروب التيه إلى صراط النور، وُلد محمد صلى الله عليه وسلم، فاستيقظت الإنسانية من سباتها، كأن الأرض كلها كانت تُمهِّد لخطاه، وكأن السماء كانت تكتب اسمه نورًا في كل قلبٍ سيهتدي.

جاء صلى الله عليه وسلم إلى عالمٍ أثقلته القسوة، وتفرّقت فيه القلوب، وتاهت فيه القيم، فكان كالغيث على أرضٍ عطشى، وكالشمس على ليلٍ طال، لم يكن حضوره مجرد دعوةٍ تُتلى، بل كان حياةً تُعاش، وسلوكًا يُرى، وإنسانيةً تتجسد في كل كلمةٍ وكل موقف.
جاء صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يحمل سيفًا يُخضع به الناس، بل قلبًا يُحيي به القلوب، كان قرآنه يمشي على الأرض، وكانت أخلاقه ترجمةً حيّة لقوله تعالى: “وإنك لعلى خلقٍ عظيم”. تلك ليست آية مدحٍ عابرة، بل شهادة ربانية تُعلن أن هذا الإنسان بلغ من الكمال ما تعجز الكلمات عن وصفه، وكأن هذه الآية تختصر بحارًا من المعاني، لكنها لا تُحيط بها، كان عظيمًا في تواضعه، عظيمًا في حلمه، عظيمًا في رحمته التي وسعت كل شيء، لم يكن صلى الله عليه وسلم نبيًا يُخاطب الناس من برجٍ عالٍ، بل كان واحدًا منهم، يجوع كما يجوعون، ويحزن كما يحزنون، لكنه كان يحمل في قلبه نورًا لا ينطفئ.
أيُّ بشرٍ هذا الذي جمع بين القوة والرحمة، بين الهيبة والتواضع، بين القيادة والخدمة؟ كان إذا ضحك، أضاء المكان، وإذا حزن، رقّ له الكون، وإذا تكلم، خرجت كلماته كأنها قطرات نورٍ تهدي القلوب، لم يكن عظيمًا لأنه انتصر، بل لأنه سامح، ولم يكن كبيرًا لأنه قاد، بل لأنه أحب.
في الطائف، حين أُدمِي جسده الشريف بالحجارة، لم يدعُ عليهم، بل قال في سموٍ لا يُدركه إلا من عرف الله: “اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون”. أيُّ قلبٍ هذا الذي يُنبت الرحمة في أرض الألم؟ وأيُّ روحٍ تلك التي ترى في الأذى بابًا للهداية؟
وفي فتح مكة حين عاد إليها منتصرًا، لم تكن عودة فاتحٍ متكبر، بل عودة نبيٍ رحيم، يطأطئ رأسه تواضعًا ويُعلن عفوًا عظيما لا يوصف في كرم الاخلاق، فأيُّ عظمةٍ تلك التي تجعله في ذلك اليوم وبعد ان آذاه أهلها وأخرجوه، يقف بينهم لا منتقمًا بل رحيمًا، يهزّ التاريخ بقولة صلى الله عليه وسلم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء” أيُّ قلبٍ هذا الذي يُقابل الإساءة بالعفو، والعداوة بالمغفرة؟ إنها إنسانيةٌ بلغت ذروتها، حتى صارت معيارًا لكل إنسانٍ يبحث عن معنى السمو الروحي والاخلاقي، نعم هنا تتجلى الإنسانية في أبهى صورها، لا انتقام، لا تشفٍّ، بل صفحٌ يليق بعظمة الرسالة.
نعم كان صلى الله عليه وسلم إنسانًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكنه كان أسمى من أن يُقاس بالبشر وحدهم، كان يجلس مع الفقير فيرفعه، ويمازح الطفل فيُسعده، ويواسي الحزين فيُطمئنه، حتى صار كل من رآه يشعر أنه الأقرب إلى قلبه، تلك ليست مهارةً بشرية، بل نورٌ إلهي سكن فيه.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته، كان أبًا حنونًا وزوجًا رفيقًا، وإذا جلس مع أصحابه، كان صديقًا قريبًا لا يُشعر أحدًا بغربةٍ أو نقص، يبتسم في وجوههم ويُصغي لحديثهم حتى يظن كل واحدٍ منهم أنه أحبُّ الناس إليه، وفي ذلك درسٌ خالد: أن العظمة الحقيقية لا تُقصي الناس بل تحتضنهم.
ولم تكن رحمته قاصرة على البشر فحسب، بل شملت الحيوان والجماد، حتى قال عنه ربه: “وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين”. فكان العالم كله في كنف هذه الرحمة، من إنسانٍ ضعيف، إلى يتيمٍ مكسور، إلى طائرٍ في السماء.
وصدق الله العظيم اذ يقول: وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين”، فكأن الكون كله خُلق ليشهد على هذه الرحمة، فلم تكن رحمته محدودة بزمانٍ أو مكان، بل كانت تمتد عبر القرون، تُعلّم الناس كيف يكون العدل، وكيف يكون العفو، وكيف تكون الإنسانية حين تبلغ كمالها.
لقد علّم البشرية أن الإنسان لا يُقاس بماله، بل بقلبه، ولا بقوته، بل برحمته، ولا بمكانته، بل بصدقه، فأعاد تعريف الإنسان وجعل منه كائنًا يحمل رسالة لا مجرد جسدٍ يعيش ويمضي.
علّم البشرية أن القوة ليست في البطش، بل في ضبط النفس، وأن الغنى ليس بكثرة المال، بل بغنى القلب، وأن أكرم الناس أتقاهم، لا أنسابهم ولا ألوانهم، فجاء برسالةٍ حررت الإنسان من عبودية الإنسان وربطته بخالقه وحده فاستعاد كرامته وعرف طريقه.
وحين نتأمل سيرته العطرة نجد أنها ليست مجرد تاريخٍ يُروى، بل هي نبضٌ حيٌّ في كل زمان، فيها القائد الحكيم، والمعلم الرحيم والعابد الخاشع والإنسان الكامل الذي جمع بين الخلق الكريم والمعاني الانسانية الرائعة في توازنٍ بديع.
وحين نتأمل سيرته، لا نقرأ تاريخًا، بل نلامس نورًا، لا نستحضر ماضيًا، بل نستدعي قدوةً حاضرة في كل لحظة، فكان صلى الله عليه وسلم قرآنًا يُرى، ورحمةً تُلمس، وحبًا يتدفق في شرايين الوجود.
وكان صلى الله عليه وسلم يمشي على الأرض لكن قلبه معلقٌ بالسماء، يعيش بين الناس، لكنه يسمو بهم إلى أعلى مراتب الإنسانية، فصار بحقٍ النور الذي لا يخبو، والقدوة التي لا تُضاهى.
فيا من تبحث عن الجمال ستجده في وجهه الذي أضاء القلوب قبل الأبصار، وفي أخلاقه التي ابدعت الوجه الحقيقي للانسانية والرحمة، ويا من تبحث عن العظمة تأمل في مواقفه وستراها في عفوه قبل انتصاره، ويا من تبحث عن الإنسانية ، فها هي في كل موقفٍ من مواقفه، في كل دمعةٍ مسحها، وفي كل قلبٍ أحياه، فسر على أثره.
لقد كان مولده صلى الله عليه وسلم ميلاد نور، ولد معه الإنسان من جديد، ومنذ ذلك اليوم، والأمة تُولد كلما اقتدت به، وتنهض كلما عادت إلى نوره.، نعم كان مولدُ نبيٍّ… وميلادُ أُمَّةٍ، وما زال ميلادها يتجدد في كل قلبٍ يقتدي وفي كل روحٍ تهتدي.
صلى الله عليه وسلم، ما تعاقب الليل والنهار، وما خفقت القلوب بحب الخير والنور، وما أشرقت روحٌ بنور الهداية، وما بقي في الأرض معنىً للرحمة إلا وكان هو أصلها وأجمل تجلياتها.