السبت 25 أبريل 2026 07:13 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

الدكتور وائل الصاوي يكتب /المدير الجديد ليس انسانا كيف بعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي تشكيل إدارة الأعمال

النهار نيوز

الدكتور وائل الصاوي يكتب / المدير الجديد ليس إنسانًا: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي تشكيل إدارة الأعمال.

بينما نجلس في قاعة حديثة في مسقط، يمكن تخيل المشهد المألوف: مديرون تنفيذيون يستعرضون أرقام المبيعات، محللون يراجعون تقارير الأداء، ونقاشات مستمرة حول القرارات الاستراتيجية. لكن خلف هذا المشهد الظاهر، هناك شيء غير مرئي يعمل بهدوء - “عقل خفي” مدعوم بالذكاء الاصطناعي التوليدي. هذا العقل لا يكتفي بتحليل البيانات، بل يستخلص النتائج، ويقدم التوصيات، بل ويعيد تصميم الحلول. لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، بل أصبح شريكا في الإدارة - وربما في بعض الأحيان عنصرًا مُربكا لها.

يمثل صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي تحولا جذريا من تحليل البيانات إلى إنتاج المعرفة ودعم اتخاذ القرار. اليوم، تستطيع الأنظمة الذكية تقديم رؤى شبه فورية عبر كميات هائلة من البيانات، دون الحاجة إلى انتظار أسابيع لإعداد التقارير التقليدية. لم تعد القرارات تعتمد فقط على خبرة المدير أو حدسه، بل أصبحت مدعومة بشريك رقمي يفكر بسرعة تفوق القدرات البشرية.

وقد بدأت المؤسسات بالفعل في توظيف هذه الإمكانات على نطاق واسع. فالبنوك العالمية الكبرى تستخدم الذكاء الاصطناعي لتسريع العمليات وتحسين الإنتاجية. وأصبح الموظفون يعتمدون على أدوات ذكية لإعداد التقارير وتحليل الأسواق واستخلاص النتائج في وقت قياسي. وهكذا، لم يعد اتخاذ القرار حكرًا على العقل البشري، بل أصبح عملية مشتركة بين الإنسان والنظام الذكي.

أما في مجال التسويق، فقد كان التحول أكثر وضوحا. إذ تعتمد الشركات اليوم على الذكاء الاصطناعي في كتابة المحتوى الإعلاني، مما أدى إلى تقليص الزمن والتكلفة بشكل كبير. فالحملات التي كانت تستغرق أسابيع أصبحت تُنجز خلال أيام، وبتكلفة أقل بكثير. ويكتسب هذا النموذج أهمية خاصة في سلطنة عُمان، لا سيما في قطاعات مثل (السياحة، من خلال الترويج الذكي للوجهات - المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، عبر إنتاج محتوى منخفض التكلفة - التجارة الإلكترونية الناشئة).

وبفضل هذه التقنيات، يمكن لشركة في صلالة إطلاق حملات تسويقية عالمية بضغطة زر، مع تخصيص الرسائل لتناسب ثقافات وجنسيات مختلفة حول العالم.

وقد أكدت المؤتمرات الحديثة في سلطنة عُمان أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفا، بل أصبح جزءا أصيلا من الرؤية الوطنية. ومن خلال برامج مثل البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي، تسعى السلطنة إلى رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى 10% بحلول عام 2040. كما يعكس تطوير نموذج لغوي وطني للذكاء الاصطناعي التوليدي تحولًا استراتيجيا من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها.

وتأتي شركات رائدة مثل Ooredoo عُمان في طليعة هذا التحول، حيث تعمل على دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف عملياتها وخدماتها. ولم يقتصر التأثير على الكفاءة التشغيلية، بل امتد إلى إدارة الموارد البشرية، حيث بات الذكاء الاصطناعي قادرا على (تحليل السير الذاتية خلال ثوان - التنبؤ بأداء الموظفين - تصميم برامج تدريب مخصصة).

ويسهم ذلك في تقليل التحيز، وتحسين جودة التوظيف، ورفع كفاءة إدارة المواهب، خاصة في قطاعات حيوية مثل النفط والغاز، والخدمات اللوجستية، والسياحة.

ولا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على الجانب التقني، بل يمتد إلى الاقتصاد ككل. ففي عُمان، يمكن أن يسهم في (رفع الإنتاجية من خلال أتمتة العمليات - خلق قطاعات جديدة مثل الشركات الناشئة الرقمية - جذب الاستثمارات بفضل البنية التحتية الرقمية المتطورة - دعم تنويع الاقتصاد، وهو أحد الأهداف الرئيسية لرؤية عُمان 2040).

واليوم، تقف السلطنة عند مفترق طرق حاسم: إما أن تظل مستهلكا للتكنولوجيا، أو تتحول إلى منتج ومطور لها.

ومع التوجه العالمي نحو الاعتماد على الخوارزميات في اتخاذ القرار، يبرز تساؤل جريء: هل سيكون المدير القادم نظاما ذكيا بدلا من إنسان؟

لقد أصبحت الرقمنة في عُمان ضرورة استراتيجية لا خيارًا. فالذكاء الاصطناعي يقود تحولًا عميقًا في قطاعات مثل التعليم، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والخدمات المصرفية. وتسعى الجهات الحكومية، بقيادة وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، إلى بناء منظومة رقمية متكاملة بدلًا من مبادرات متفرقة.

وسيعتمد المستقبل على عامل حاسم: هل ستبقى عُمان مستهلكة للتكنولوجيا، أم ستنجح في تطوير حلولها الخاصة؟ فالفرق واضح (الاستهلاك يمنح راحة مؤقتة - الإنتاج يحقق سيادة اقتصادية طويلة الأمد).

وفي قطاع الخدمات اللوجستية، على سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي أن (يتنبأ بحركة سلاسل الإمداد - يحسّن تشغيل الموانئ - يقلل زمن التخليص الجمركي وتكاليف التشغيل).

وفي السياحة، يتيح تقديم تجارب شخصية لكل سائح، بما يعزز رضا العملاء وكفاءة العمليات.

غير أن التحول الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من “استخدام” الذكاء الاصطناعي إلى “صناعته”. ويتطلب ذلك الاستثمار في (التعليم والبحث العلمي وتنمية الكفاءات الوطنية - دعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي - إقامة شراكات دولية تركز على نقل المعرفة، لا مجرد استيراد الحلول).

وعند هذه المرحلة، يتضح أن مفهوم الإدارة ذاته يعاد تعريفه. فالمؤسسات الحديثة تشهد بالفعل (توصيات قرارات مبنية على الخوارزميات - تقارير تُنتجها الأنظمة الذكية - نماذج تنبؤية تستشرف المستقبل).

لقد أصبحت “الذكاء الإداري” صفة لا تقتصر على الإنسان، بل تمتد لتشمل الأنظمة الذكية أيضًا.

وفي عُمان، يتجلى هذا التحول في عدة مجالات (البنوك تستخدم بيانات فورية لتقييم المخاطر - شركات الخدمات اللوجستية تعتمد على أنظمة إدارة ذكية للأساطيل - الجهات الحكومية تستخدم منصات بيانات لدعم التخطيط الاستراتيجي).

ويبقى السؤال الأهم: هل هذه الأنظمة محلية الصنع أم مستوردة؟ فإذا استمر الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة، فقد تكون الفوائد محدودة وقصيرة الأجل. أما الاستثمار في الإنتاج المحلي، فيمكن أن يقود إلى اقتصاد معرفي تنافسي ومستدام.

في النهاية، لم يعد السؤال: هل يمكننا استخدام الذكاء الاصطناعي؟

بل أصبح السؤال الحقيقي:

كيف ننظّمه ونحكمه… قبل أن يبدأ هو في توجيهنا؟

أ.د/ وائل زكريا الصاوي الشنهابي

أستاذ إدارة الاعمال – كلية التجارة

جامعة البريمي سلطنة عمان – جامعة بورسعيد بمصر