الخميس 9 أبريل 2026 03:57 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

د . محمود ابوعميرة يكتب : همسات القلوب ونسمات الربيع.

النهار نيوز

حين يطلّ الربيع من نافذة الروح قبل أن يطرق أبواب الفصول، أشعر أن العالم يُعاد خلقه من جديد، وأن قلبي الذي أرهقته الفصول القاسية يستيقظ على وقع نغمةٍ خفيّة، لا يسمعها إلا من ذاق الحنين حتى آخر قطرة، فيا نسيمَ الربيع، يا نبع العطر الخفي، ويا حامل الأسرار بين الأغصان، تعال واقترب، فإني أحملك اليوم همسةً ليست ككل الهمسات، همسةً ترسلها إلى قلب من احببت.
ويا نسيمَ الربيع، احمل عني ما عجزت الكلمات عن حمله، احمل شوقًا لا يُقاس، وحنينًا لا يُحكى، واحمل اعترافًا تأخر كثيرًا: أنني، رغم مرور الفصول، لا أزال أحبها كما يُحب الربيع أول زهرةٍ تتفتح عيونها على الضوء.
وإن سألت أيها النسيم عن عنوانها، فقل لهم: هي تسكن في قلبٍ لا يعرف الفصول، لأن الربيع فيه دائم، ما دام الحبّ حيًّا، وامضِ الآن ولا تلتفت، واتركني هنا، أراقب الهواء العليل وهو يكتب اسمها على صفحات نهر الحب الخالد.
يا نسيمَ الربيع، إن مررتَ بحديقتها، تمهّل قليلًا، ولا تعبرها كعابر سبيل، بل اقترب من نافذتها، وقل لها إن في قلبٍ بعيدٍ انسانا لا يزال يحفظ تفاصيلها كما يحفظ الندى طريقه إلى الورود، قل لها إن الربيع على جماله لا يكتمل إلا بذكرها، ولا يزدهر إلا حين تضحك في الذاكرة.
كنت أظنّ أن الحب لحظة حتى علّمتني هي أنه فصلٌ كامل، فصلٌ لا ينتهي حتى وإن غابت شمس اللقاء، كان حبها يشبه الربيع في أول مجيئه: خجولًا، نديًّا، مليئًا بالوعود، ثم ما لبث أن صار عاصفةً من المشاعر، تُربك القلب وتُحييه في آنٍ واحد، ومنذ ذلك الحين صار الربيع مرآتي، أرى فيه ما كنت عليه حين أحببتها، وما صرت اليه بعد أن سكنتني.
ففي الربيع لا تزهر الأشجار وحدها، بل تزهر فينا أشياء كدنا نظنّها ذبلت إلى الأبد، فتنبض الذكريات كأغنيةٍ قديمة وتعود إلينا دون استئذان، وتجلس إلى جوارنا كما لو أنها لم تغب يومًا، فكل زهرةٍ تفتّحت ذكّرتني بابتسامةٍ لها؛ وكل نسمةٍ مرّت، همست باسمها في أذني؛ وكل ضوءٍ انسكب على الأرض، أعاد رسم ملامحها في قلبي.
وحين يلوح الربيع في الأفق، لا يأتي كفصلٍ عابر، بل كحلمٍ أخضر يوقظ في القلب ما نام من الحنين، ويبعث في الروح ألحانًا كانت تنتظر لمسة دفء، أراه يمشي على مهلٍ بين الأغصان، يوقظ الزهر من غفوته، ويهمس للأرض أن تبتسم من جديد، وكأن نسيمه رسولٌ خفي، يحمل رسائل العاشقين، ويزرعها في صدور من يعرفون كيف يُحبّون.
أيا نسيمَ الربيع، يا رفيق القلب في خفّته، كم مرةً حملتك سرًا إلى وجه من أحب؟ كم مرةً أوصيتك أن تمرّ على وجنتيها، فتترك عليها قبلةً من شوقي، وتهمس لها أني هنا، أعيش بها وإن غابت وأتنفّسها وإن ابتعدت؟
وفي الربيع، تتكاثر المعاني كما تتكاثر الأزهار، كل لونٍ فيه يشبه لحظةً عشتها معها، وكل عبيرٍ يذكّرني بنبضٍ شاركني إياه قلبها، وحين تتمايل الأغصان، أراها تضحك وحين تتفتح الورود أسمع صوتها يناديني بلطفٍ يشبه بداية الحكايات الجميلة.
ليس الربيع فصلًا في تقويم الزمن، بل هو حالة عشقٍ كاملة، هو تلك اللحظة التي تتصالح فيها الروح مع العالم، حين ترى الجمال في كل شيء، وحين يكون الحب صادقا، هو ذلك الشعور الذي يجعل من أبسط الأشياء معجزة، ومن أصغر التفاصيل قصيدة لا تنتهي.
نعم أحببتها كما يُحبّ الربيع الأرض، بلا شروط، بلا خوف، وبكل هذا العطاء الذي لا ينتظر مقابلًا، كنت أرى في عينيها مواسم عمري كلها، لكن الربيع فيها كان الأجمل، كانت هي الزهرة التي لا تذبل، والنور الذي لا يخفت، والقصيدة التي كلما قرأتها اكتشفت فيها معنى جديدًا للحب والحياة.
أيا نسيمَ الربيع، إن مررت بها، فقل لها إن قلبي ما زال معلّقًا بخصلات ضحكتها، وإن ذاكرتي لا تعرف طريقًا إلا إليها، قل لها إن الربيع مهما طال لا يكتمل إلا بها، وإنني كلما رأيت زهرة تذكّرت كيف كانت الحياة أجمل حين كانت قريبة مني، وهكذا يظل الربيع في داخلي وعدًا لا يغيب، وحنينًا لا يهدأ، وحبًا لا يعرف الفصول لأنه ببساطة… يشبهها.
أيا نسيم الربيع خذ منّي قبلةً أخرى، وأودعها في طريقك، بين الرَّوحةِ والرَّجعة، كما فعل عنترة، ودعها تصل، لا إلى وجهها فقط، بل إلى قلبها، إلى روحها، إلى ذلك المكان الذي يسكنني منها ولا يفارقني، وقل لها…إن الربيع بكل جماله لم يكن إلا مرآةً لها، وإن الحب، بكل معانيه لم يكن إلا اسماً آخر لوجودها.

يطل الربيع محمود ابوعميرة