الإثنين 6 أبريل 2026 01:23 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

حين تلتقي القاهرة والرباط… الدبلوماسية التي تُعيد رسم خريطة التوازن العربي

النهار نيوز

بقلم الباحث السياسي معتز أبو رحاب


زيارة رئيس الحكومة المغربية إلى القاهرة ليست مجرد محطة بروتوكولية في سجل العلاقات الثنائية، بل لحظة سياسية تحمل دلالات أعمق تتجاوز حدود التعاون التقليدي، لتؤكد أن العالم العربي لا يزال يمتلك مساحات للتفاهم الاستراتيجي القادر على صناعة التوازن في زمن الاضطراب الدولي. فحين تجلس القاهرة والرباط إلى طاولة واحدة، فإن الحوار لا يدور فقط حول الاقتصاد أو الاستثمار، بل حول رؤية مشتركة لمستقبل المنطقة بأكملها.
تأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، حيث يشهد الشرق الأوسط تحولات متسارعة وأزمات متشابكة أعادت طرح أسئلة الأمن والاستقرار والتنمية على طاولة القرار العربي. وفي هذا السياق، تبدو المباحثات المصرية المغربية وكأنها محاولة واعية لإحياء مفهوم “الدبلوماسية العربية العاقلة”، تلك التي تبحث عن الحلول لا الاصطفافات، وعن التوازن لا الاستقطاب.
القاهرة، بثقلها السياسي وموقعها المركزي في معادلات المنطقة، تدرك أن المرحلة الحالية تتطلب بناء شراكات عربية قوية قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية المتصاعدة. والرباط، بدورها، تقدم نموذجًا لدبلوماسية هادئة تعتمد على الانفتاح والتوازن في علاقاتها الدولية، ما يجعل التقارب بين البلدين أقرب إلى تكامل استراتيجي منه إلى مجرد تنسيق سياسي.
اللافت في المباحثات المصرية المغربية أنها تعكس تحولًا في طبيعة العلاقات العربية من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل المشترك. فبدل الاكتفاء بمواقف سياسية متقاربة، تتجه القاهرة والرباط نحو بناء شراكات اقتصادية وصناعية واستثمارية قادرة على خلق مصالح طويلة الأمد، وهو ما يمنح العلاقات الثنائية عمقًا حقيقيًا يحصّنها من تقلبات السياسة.
كما تحمل الزيارة رسالة واضحة مفادها أن العالم العربي قادر على إعادة ترتيب أولوياته بعيدًا عن الضغوط الدولية المتعارضة. فالتنسيق المصري المغربي في القضايا الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وأزمات الشرق الأوسط، يعكس إدراكًا مشتركًا بأن الاستقرار لا يتحقق إلا عبر حلول سياسية عادلة تحافظ على الدولة الوطنية وتمنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من الفوضى.
وما يمنح هذه الزيارة أهميتها الاستثنائية هو أنها تأتي في لحظة يبحث فيها النظام الدولي عن شركاء يتمتعون بالاتزان والقدرة على الحوار. فكل من مصر والمغرب يمتلكان علاقات متوازنة مع مختلف القوى العالمية، ما يتيح لهما لعب دور الوسيط العقلاني القادر على تقريب وجهات النظر داخل المشهد الدولي المتوتر.
الدبلوماسية هنا لا تُمارس بلغة البيانات الرسمية، بل بلغة المصالح المشتركة والرؤية المستقبلية. فالتعاون في مجالات الطاقة المتجددة، والأمن الغذائي، وربط الأسواق الإفريقية بالعالم العربي، يفتح آفاقًا جديدة لشراكة تتجاوز الإطار الثنائي نحو دور إقليمي أوسع.
إن زيارة رئيس الوزراء المغربي إلى مصر تكشف أن العلاقات العربية القوية لا تحتاج إلى ضجيج إعلامي بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية واعية تدرك أن المستقبل يُبنى بالشراكات لا بالمواقف العابرة. وبين القاهرة والرباط تتشكل اليوم معادلة دبلوماسية جديدة قوامها الاعتدال والتكامل، ورسالتها أن العالم العربي ما زال قادرًا على إنتاج نماذج ناجحة للتعاون في زمن الأزمات.
هكذا، لا تبدو الزيارة حدثًا عابرًا، بل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف العمل العربي المشترك، حيث تتحول الدبلوماسية من إدارة للأزمات إلى صناعة للفرص، ومن ردود الأفعال إلى صياغة مستقبل أكثر استقرارًا واتزانًا للمنطقة بأسرها

حين تلتقي القاهرة والرباط… الدبلوماسية التي تُعيد رسم خريطة التوازن العربي