الأربعاء 1 أبريل 2026 10:25 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

الدكتور وائل الصاوي يكتب/ اللغز الذي حير سوق العمل في سلطنة عمان وظائف تنمو وبطالة لا تنخفض.

النهار نيوز

الدكتور وائل الصاوي ، استاذ إدارة الأعمال بجامعة البريمي يكتب :

اللغز الذي حيّر سوق العمل في عُمان: وظائف تنمو… وبطالة لا تنخفض.

عند الحديث عن ارتفاع معدلات البطالة في سلطنة عُمان، فإن السؤال الأول الذي يُطرح دائما يتمحور حول عدد الوظائف التي تم توفيرها. لكن واقع اليوم يدفعنا للتفكير في سؤال أعمق - ومختلف - وهو: هل المشكلة فعلًا في قلة عدد الوظائف، أم في كيفية إدارتها؟

يبدو أن الأمر أصبح أكثر وضوحًا؛ فهناك العديد من الفرص المتاحة، إلا أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في عدد هذه الفرص، بل في قدرة المؤسسات على العثور على الشخص المناسب لشغلها، أي تحقيق التوافق الفعال بين الموارد البشرية ومتطلبات سوق العمل في اقتصاد حديث ومتطور.

حيث تشير المؤشرات إلى أن سوق العمل العُماني يشهد نموا ملحوظا؛ حيث تظل معدلات البطالة أقل من 2%، ويتجاوز حجم القوى العاملة 1.8 مليون فرد، كما ارتفع التوظيف في القطاع الخاص خلال السنوات الأخيرة. ومع ذلك، لا يزال هناك باحثون عن عمل-وهو ما يمثل فجوة حقيقية لا ينبغي أن توجد وفق المنطق التقليدي. هذه الفجوة ليست في عدد الوظائف، بل فيما يُعرف إداريًا بـ “فجوة المهارات"، حيث لا تتوافق مهارات الباحثين عن عمل مع متطلبات السوق الفعلية.

لقد أصبح سوق العمل يطلب بشكل متزايد مهارات جديدة في مجالات التكنولوجيا، والتحليل، والابتكار، في حين لا يزال العديد من الشباب يبحثون عن وظائف تقليدية. لم يعد أصحاب العمل يكتفون بالشهادات الأكاديمية؛ بل يبحثون عمّن يستطيع إضافة قيمة حقيقية. وهنا تكمن جوهر المشكلة: فالمهارات الحالية لا تواكب ديناميكية سوق العمل المتسارعة.

ومن هنا يبرز دور إدارة المواهب كأحد أهم الحلول القادرة على إحداث تغيير حقيقي في سوق العمل. فلم يعد الأمر يقتصر على التوظيف فقط، بل يشمل كيفية جذب الكفاءات، وتدريبها، ومواءمة أدائها مع أهداف المؤسسة، والحفاظ عليها في بيئة محفزة. ويعكس هذا التحول انتقالا واضحا من إدارة الوظائف إلى إدارة القدرات، وهو أحد المبادئ الأساسية للفكر الإداري الحديث.

في السياق العُماني، بدأت ملامح هذا التحول تظهر في عدة قطاعات. فقد أسهم التحول الرقمي في التوظيف الحكومي في تسريع الإجراءات وتعزيز التوافق بين الوظائف والمهارات، مما قلل من الفجوة الزمنية بين الباحثين عن العمل والفرص المتاحة. كما يُعد قطاع الخدمات اللوجستية، خاصة في الدقم، مثالًا واضحًا على كيف يمكن للأدوار الإدارية الحديثة-خاصة في مجالات التحليل والتخطيط-أن تخلق وظائف نوعية دون الاعتماد فقط على النماذج التقليدية.

ومن جانب آخر، برزت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة كمجال حقيقي للابتكار في أنماط العمل. فقد انهارت العلاقة التقليدية بين العمل ومكان محدد أو ساعات ثابتة؛ إذ أصبح بإمكان الشباب في العشرينات العمل بشكل حر، أو عن بُعد، أو حتى إطلاق مشاريعهم الخاصة. ولا يقتصر هذا التحول على تقليل البطالة، بل يعيد تعريف جوهر العمل ذاته-من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرص.

كما أن برامج التدريب المهني والتعاون مع المؤسسات التعليمية تؤكد أن للقطاع الصناعي دورًا محوريًا في هذا التحول من خلال إعداد قوى عاملة مؤهلة. وهذا دليل واضح على أن الإدارة ليست مجرد وسيلة لتنظيم العمل، بل أداة لربط التعليم بالاقتصاد بشكل مباشر.

وتدعم الأرقام هذا التوجه؛ إذ يستمر التوظيف في القطاع الخاص في الارتفاع، مع وجود هدف استراتيجي لرفع نسبة التعمين إلى نحو 40% بحلول عام 2040. إضافة إلى ذلك، تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف وظائف المستقبل ستتطلب مهارات رقمية وتحليلية، ما يستدعي إعادة تصور جذرية لكيفية إعداد وتنمية القوى العاملة.

ومن منظور إداري، فإن البطالة لا تنشأ دائمًا بسبب نقص الفرص الوظيفية، بل قد تكون نتيجة لسوء إدارة الموارد البشرية. فالمناهج التقليدية غالبًا ما تعاني من نفس المشكلات وتُفاقمها، في حين أن المفاهيم الحديثة مثل إدارة المواهب تضمن وجود وظائف كافية مع تحقيق ميزة تنافسية حقيقية.

ولا يمكن المبالغة في التأكيد على دور المؤسسات التعليمية في هذا السياق؛ إذ يتطلب الأمر تحويل التعليم العالي من مجرد مؤسسات تمنح شهادات إلى منصات لصناعة المواهب، من خلال تطوير المناهج، وتعزيز المهارات التطبيقية، وربط التعليم باحتياجات السوق.

ويبقى السؤال الحقيقي: هل سنستمر في البحث عن الوظائف وفق التفكير التقليدي، أم سنسعى إلى بناء جيل يصنع الفرص من العدم؟ فالأمر لا يتعلق بالسياسات الاقتصادية فقط، بل يبدأ التغيير من داخل المؤسسات—بتغيير العقليات وتبني إدارة المواهب الذكية كاستراتيجية مستقبلية.

الخلاصة الجوهرية هي أنه عندما يتحقق ذلك، سندرك أن البطالة لم تكن يومًا قدرًا محتومًا، بل نتيجة يمكن تغييرها عندما تتغير طريقة الإدارة.

dbde223a3f17.jpg