د . محمود ابوعميرة يكتب ؛ الأم: المعنى الذي تعجز عن وصفه الكلمات.


ليست العظمة صدفة، ولا العبقرية برقًا يهبط فجأة من سماء الغيب، بل هي نارٌ تُوقد في القلب منذ الطفولة، وغالبًا ما تكون الأم هي أول من أشعل تلك النار، وأول من بث فيها روح الإيمان، وأول من قال: أنت تستطيع، قبل أن يعرف العالم معنى المستحيل.
وفي صفحات التاريخ، وبين أسماء العظماء والنوابغ، نجد ظلّ أمٍ واقفة في الخلف، لا تبحث عن مجد، ولا تطلب شكرًا، لكنها كانت السند الخفي، والوقود الصامت، واليد التي دفعت أبناءها نحو قمم لم يكن ليصلوا إليها لولا دعائها وصبرها وحبها.
فكل عظيمٍ في التاريخ، إن فتّشت في جذوره، وجدت أمًّا عظيمة، أما سهرت حين نام العالم، وضحّت حين بخل الزمان، وآمنت حين تردد الجميع، فالأم ليست فقط من تلد الأجساد، بل من تلد الأحلام والطموحات، وتصنع الإرادة والمعجزات، وتُخرِج من بين يديها رجالًا ونساءً يغيّرون وجه التاريخ والمعرفة وتتشكل معهم معالم الحضارة.
نعم الأم هي البداية، والبداية إن كانت عظيمة، كان الطريق كله مجدًا وتاريخا لا يمحى، فما التاريخ في حقيقته العميقة إلا سيرة أمهاتٍ عظيمة كتبها الأبناء بإنجازاتهم.
فالمتأمل في حياة الامام الشافعي يدرك تلك المعاني فأمه كانت تلقب بأم العلم والصبر، حيث وُلد يتيم الأب، فقير الحال، لكنه كان غنيًّا بأمه التي لم تكن تملك إلا الإيمان بأن في طفلها نورًا يستحق أن يُصان، فكانت تشجعه على حفظ القرآن والحديث، وتتحمل قسوة الفقر في سبيل أن ترى ابنها عالمًا، فكان الشافعي، وصار علمه مذهبًا، وصارت أمه صفحة مضيئة من صفحات تاريخ الفكر والحياة.
ومن يريد ان يتعرف اكثر عن عظمة الام فليقرأ عن أم قاهر الظلام الدكتور / طه حسين التي كانت تمثل له البصيرة، فعلى الرغم من أن أبنها فقد بصره، لكنه لم يفقد البصيرة التي كانت تمنحها له ، فكانت هي عينه التي يرى بها الحياة، وكانت تؤمن بأن ابنها يستحق العلم، ورغم الفقر والظروف القاسية فقد أصبح عميد الأدب العربي، وصار صوته نورًا ثقافيًا لأمته والعالم، وهنا ندرك المعنى العظيم الذي يقول: كم من أعمى أبصرته أمه قبل أن يبصر العالم!
وهذه أم الإمام أبي حنيفة النعمان التي لقبت بأم الاستقامة والفقه، حيث نشأ ابنها أبو حنيفة في بيتٍ تغمره التقوى، وكانت أمه تحثه على طلب العلم، وتدعمه في مجالسة العلماء، حتى إنها كانت تذهب به إلى كبار الفقهاء لتسألهم عن مستواه وتطلب توجيههم، فصار إمامًا، وصار مذهبه عقلًا حيًّا للأمة، وبقيت أمه أصل الغرس الطيب.
اما أم توماس إديسون مخترع المصباح الكهربائي، فقد كانت المعجزة التي لا تقبل الشك، وكانت أم الإيمان بالموهبة، فبعد أن قالوا لها: ابنك ضعيف الفهم ولا يصلح للتعلم، نقلته من تلك المدرسة، وقالت له: أنت عبقري، وأنا سأعلمك. واساعدك لتكتشف عبقريتك ونبوغك، نعم انها الام المعجزة التي آمنت بابنها حين كفر به الآخرون، ورأت النور في عينيه قبل أن يخترع النور للعالم، كان إديسون يقول: أمي جعلتني أشعر أنني شخص مهم، فأصبحت كذلك، نعم انها الأم التي صنعت الكهرباء من قلبها أولًا قبل ان يكتشفها ابنها للعالم؟
اما عن أم عالم الفيزياء الشهير نيوتن فقد لقبت أمه بأم الصمت العظيم، حيث عاش ابنها إسحاق نيوتن طفولة قاسية، ومع وجودها في حياته وجد الحضن الدافىء الذي أعاد اليه ترميم روحه وانسانيته من جديد، فرغم عزلته الطويلة، الا أن وجودها في حياته أنجب معجزة علمية انجبت للعالم قوانين الجاذبية والحركة، وغيرها من القوانين التي اصبحت اساس لكثير من العلوم والمعارف في واقعنا المعاصر، نعم كانت صورة الأم في حياة عالم الفيزياء الشهير نيوتن حاضرة كأمان داخلي في قلبه ووجدانه، واثبتت للعالم من خلفها ان العلم لا يولد من العقل وحده، بل يولد من نفس مطمئنة وروح قادرة على ان تبث فينا الامل والارادة والحياة، فنتحول الى معجزة انسانية في العطاء وحلقة مهمة لا يمكن ان تمحى من حسابات الزمن أو ان تسقط من ذاكرة التاريخ مهما تعاقب الليل والنهار.
اما أم الحسن بن الهيثم رائد المنهج العلمي الحديث فكان لقبها أم السؤال والدهشة، فلم تُورِّثه مالًا، لكنها ورّثته حب السؤال، فرغم نشأته في بيتٍ بسيط الا انه تربّى على التأمل والتفكير، على يد أمه التي كانت تحترم عقله الصغير، وتفسح له المجال ليفكر، ففتح بعقله أبواب الضوء والحياة، فكان رائد المنهج العلمي الحديث، وأبو البصريات.
أما صلاح الدين الأيوبي… أم الرسالة، لم تقبل له أن يكون مجرد فارس، بل إنسانًا يحمل قضية امه كاملة، فغرست فيه معنى العدل، وحب الأمة، والرحمة حتى في زمن الحرب، فصار قائدًا جمع بين السيف والقيم، وكتب اسمه في التاريخ لا كفاتح فقط، بل كنموذج أخلاقي نادر.
وفي الأندلس برزت أم عباس بن فرناس أم الحلم بالطيران، حيث تمازج العلم بالشعر، ونشأ عباس بن فرناس في بيتٍ شجع الخيال، وكانت أمه لا تقمع أحلامه الغريبة، بل تحتضن جنونه الجميل، فحلم بالطيران، وحاول، وسقط، لكنه فتح للإنسانية باب السماء.
وعن أم ابن سينا فقد كانت أم الحكمة المبكرة، التي لاحظت نبوغ ابنها منذ الصغر، فدفعت به إلى مجالس العلم، وشجعته على الحفظ والفهم، فصار ابن سينا طبيب الفلاسفة وفيلسوف الأطباء، واصبح مرجعًا عالميًا لقرون من الزمان، وكان يقول: عن حبه لامه، كانت تمثل لي كل شيء، ولاني نشأت في حضنها فقد فهمت عبقريتي قبل أن يكتمل ادراكي لها، وكانت صديقتي حين لم اجد وفاء الاصدقاء.
اما أم ليوناردو دافنشي… فهي أم الخيال المفتوح، فرغم ظروفه الاجتماعية الصعبة التي عاشها ابنها الموهوب، الا انها منحتْه حبًّا غير مشروط، وحرية تخيل لا سقف لها، فصار عقلا لعصر النهضة، ورسم واخترع وكتب، وأصبح العالم كله دفتر رسومات لطفل رعته أمه بحب.
نعم ليست العبقرية ومضةً عابرة، وليست العظمة ضربة حظ، بل هما ثمرة قلبٍ آمنت به أمٌّ قبل أن يعترف به العالم، فخلف كل اسمٍ خُلِّد في سجلات الشرق والغرب، وعلى صفحة الزمان تقف امرأةٌ لم تكتب كتابًا، ولم تخترع آلة، لكنها صنعت الإنسان الذي فعل ذلك كلّه، فكانت هي الوقود الخفي، واليد التي دفعت السفينة وسط العواصف، ونبع الحنان الذي لا ينضب.
وهكذا في الشرق والغرب، في الماضي والحاضر، تتكرر الحقيقة ذاتها: الأم ليست خلف العظمة، بل هي بدايتها، هي من تصنع الإنسان قبل أن يصنع الإنجاز، وتزرع الإيمان قبل أن يحصد المجد.



















حكم جديد بالبراءة يرسى قواعد هامه .. نجاحات قانونيه تضاف للمساعد والخبير
تموين كفرالشيخ يشن حملات على الاسواق
«مستانف الإسماعيلية » تقضي بإلغاء حكم السجن المشدد لمتهمين بحيازة مواد مخدرة
خروج الفتيات المصابات باختناق في مصنع ملابس بالمنطقة الصناعية بالإسماعيلية
الدكتور محمد مختار أبو دياب يكتب : الأقصر للسينما الأفريقية مهرجان رائع...
المنتجة السينمائية الكبيرة رنا ابوسيدو تروّج للسياحة المصرية من مدينة الغردقة خلال...
اعتماد شعار ”عربية القوى” الـ21.. والإمارات تُعلن مشاركة قوية في تونس
جمعية كرة القدم المصغّرة السعودية تصدر بيانًا تؤكد فيه استقلالية اللعبة تنظيميًا...