د .محمود ابوعميرة يكتب : الأم: المعجزة التي صنعها الله، فأصبحت المعني الحقيقي للحياة.


ليست الأمُّ فكرةً تُناقَش، ولا موضوعاً يُستَنفَد بالكلمات، بل هي المعنى الذي كلما اقتربنا من وصفه ابتعد، وكلما حاولنا الإحاطة به اتّسع حتى يفيض عن حدود اللغة، الأمُّ هي الحقيقة الوحيدة التي لا يدخلها الشك، والنعمة التي لا يبهت نورها مهما تقادمت الأيام، وهي الحضور الذي إن غاب اختلّ نظام الحياة، واهتزّ ميزان الوجود.
فالأمُّ ليست بداية الحياة فحسب، بل استمرارها العميق، ونبضها الخفي، وضميرها الصامت هي التي تُنجب الإنسان مرتين: مرةً من رحمها، ومرةً من قلبها، فتُنقذ طفولته من العدم، وتصنع رجولته وإنسانيته من الصبر والتربية والقيم، إنها الكيان الوحيد الذي يعطي دون أن ينتظر، ويضحي دون أن يشتكي، ويصبر دون أن يطالب باعتراف أو امتنان.
ولو تأملنا التاريخ بعينٍ منصفة، لوجدنا أن كل حضارة عظيمة وقفت في بدايتها أمٌّ عظيمة، وكل عالمٍ غيّر وجه المعرفة والثقافة، وكل قائدٍ أعاد رسم الجغرافيا، وكل مصلحٍ أنقذ أمةً من السقوط، كان خلفه قلب أمٍّ آمن به قبل أن يؤمن بنفسه، وربّته على المعنى قبل أن تربيه على الطموح، وغرست فيه الأخلاق قبل أن تغرس فيه الحلم.
نعم الأمُّ هي صانعة الحضارة الحقيقية؛ لأنها تصنع الإنسان، والإنسان هو جوهر كل حضارة، قد تُبنى المدن بالحجارة، وتُشاد الدول بالقوة، لكن الحضارات لا تقوم إلا بالقيم، والقيم تبدأ من حضن أم، فمن صوتها الأول يتعلم الطفل معنى الأمان، ومن نظرتها يتشكل وعيه الأول بالخير، ومن صبرها الطويل يتعلم أن الحياة لا تُؤخذ بالصراخ، بل بالثبات والعمل.
وهي المدرسة الأولى التي لا تُغلق أبوابها، والجامعة التي لا تمنح شهادات، لكنها تخرّج أعظم العقول وأصدق القلوب، تُعلّم بلا مناهج مكتوبة، وتُربي بلا خطب طويلة، وتصنع الإنسان عبر التفاصيل الصغيرة: لقمة تُعطى بحب، كلمة تُقال بحكمة، دعاء يُرفع في جوف الليل، ودمعة تُخفى كي لا ينكسر الابناء.
والأمُّ هي الذاكرة الأخلاقية للأمم، وهي الحارس الصامت للقيم حين تعصف الرياح، وهي التي تحفظ جوهر الإنسانية من التوحش والأنانية، في زمن الصراعات، كانت الأمُّ دائماً مع السلام، وفي زمن القسوة، كانت دائماً مع الرحمة، وفي زمن السقوط، كانت آخر من يتمسك بالأمل.
ثم تأتي أمي… لا باعتبارها جزءاً من هذا الحديث، بل باعتبارها قلبه النابض وروحه العميقة، فلا أجد لامي مثيلاً بين البشر، ولا أستطيع أن أضعها في مقارنة أو ميزان، ولما لا وهي التي كانت لي وطناً زرع بداخلي حب الوطن، ونوراً حين لم أكن أميّز بين الظلال.
وأمي ليست انسانة عادية؛ إنها حكاية حبٍ خُلقت من التضحية، وقصة عطاءٍ كُتبت بالصبر، ومدرسة تربيةٍ لم نتعلّمها من الكتب، بل من نقاء الفطرة وصدق القلب، نعم لم أرَ في حياتي حباً يشبه حبها، ولا حناناً يضاهي حنانها، ولا صبراً يلامس صبرها، فكانت تحبني كما لو أن العالم كله اختُصر في وجودي، وتخاف عليّ كما لو أن الحياة بلا أمان، وتفرح لفرحي كأنها هي من حقق الإنجاز.
ربّتني أمي على الإنسانية قبل النجاح، وعلى الأخلاق قبل التفوق، وعلى احترام الذات والاخرين ، فعلمتني أن القيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يكون، وليست فيما يظهره للناس، بل فيما يخفيه بينه وبين ضميره فصنعتني بهدوء، وبنتني دون أن أشعر، وغرست في داخلي مبادئ لا تهتز مهما تغيّرت الظروف.
كم من مرةٍ تعبت لتستريح روحي، وسهرت لينام قلقي، وتنازلت لتعلو قامتي. أعطتني من عمرها ما لا يُسترد، ومن صحتها ما لا يُعوَّض، ومن قلبها ما لا ينفد، وكانت تقدم كل شيء وكأن العطاء شهيتها، وكأن التضحية قدرها الجميل.
أمي لم تكن فقط من تحمّل عني أعباء الحياة، بل من علّمتني كيف أواجهها، لم تحمِني من الألم دائماً، لكنها علمتني كيف أنهض بعده، ولم تزرع فيّ الخوف، بل زرعت فيّ القوة، ولم تُدلّلني حتى الضعف، بل أحبّتني حتى الصلابة المتزنة.
فهي بالنسبة لي المعنى الحقيقي للغنى؛ غنى الروح، وغنى الأمان، وغنى الانتماء، فإن فقد الإنسان أمه، فقد جزءاً من قلبه لا يعوّضه شيء، وإن امتلكها، امتلك نعمةً لو وُزّعت على الأرض لكفت البشر جميعاً.
نعم أمي هي أجمل ما في حياتي، وأغلى ما فيها، وأصدق ما عرفته من مشاعر، هي الدعاء الذي يسبق خطواتي، والبركة التي ترافق طريقي، واليقين الذي في كل تفاصيل حياتي، وحين أضع رأسي على كتفها، يسكت الضجيج، وتطمئن الروح، ويعود القلب طفلاً لا يعرف سوى الحب والأمان.
فإن تحدثتُ عن الأمهات، فحديثي ينتهي دائماً عند أمي، وإن كتبتُ عن العطاء، فصورتها تتقدّم كل السطور، وإن بحثتُ عن معنى الحب الخالص، وجدته كاملاً في عينيها، فهي ليست فقط أمّاً، بل هي حياةٌ كاملة، ورسالة حبٍّ مستمرة، ونعمة أحمد الله عليها في كل وقت وحين.
سلامٌ على كل الأمهات مرة، وسلامٌ على أمي ألف مرة، فهي القصيدة الجميلة التي لا تنتهي سطورها، والنعمة التي إن وُجدت شعرت بالمعني الحقيقي للحياة.



















حكم جديد بالبراءة يرسى قواعد هامه .. نجاحات قانونيه تضاف للمساعد والخبير
تموين كفرالشيخ يشن حملات على الاسواق
«مستانف الإسماعيلية » تقضي بإلغاء حكم السجن المشدد لمتهمين بحيازة مواد مخدرة
خروج الفتيات المصابات باختناق في مصنع ملابس بالمنطقة الصناعية بالإسماعيلية
الدكتور محمد مختار أبو دياب يكتب : الأقصر للسينما الأفريقية مهرجان رائع...
المنتجة السينمائية الكبيرة رنا ابوسيدو تروّج للسياحة المصرية من مدينة الغردقة خلال...
اعتماد شعار ”عربية القوى” الـ21.. والإمارات تُعلن مشاركة قوية في تونس
جمعية كرة القدم المصغّرة السعودية تصدر بيانًا تؤكد فيه استقلالية اللعبة تنظيميًا...