الدبلوماسية الموازية وتحولات الفعل الخارجي للدولة دراسة تحليلية في المفهوم، الآليات، والتجليات التطبيقية في الحالة المغربية


عبدالرحمن سعيد فارع
عضو المركز المغربي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية
المقدمة:
عرفت العلاقات الدولية خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة مست طبيعة الفاعلين وأنماط التفاعل داخل النظام الدولي. فلم تعد الدولة الوطنية الفاعل الأوحد في المجال الخارجي، كما لم تعد الدبلوماسية حكرا على الأجهزة الرسمية ووزارات الخارجية. بل برزت أنماط جديدة من الفعل الخارجي تمارس خارج القنوات الحكومية التقليدية، لكنها تتفاعل معها وتؤثر فيها، فيما أصبح يعرف في الأدبيات المعاصرة بـ" الدبلوماسية الموازية" أو " الدبلوماسية متعددة المستويات".
ويعكس هذا التحول انتقالا من نموذج دبلوماسي هرمي، مركزي، مغلق نسبيا، إلى نموذج شبكي مفتوح، تتداخل فيه أدوار البرلمانات، والأحزاب السياسية، والمجتمع المدني، والجامعات، والفاعلين الاقتصاديين والثقافيين. وقد أفرزت العولمة، وثورة الاتصال، وتصاعد دور الرأي العام الدولي، بيئة جديدة لم يعد بالإمكان إدارتها عبر القنوات الرسمية وحدها، مما جعل الدبلوماسية الموازية ضرورة استراتيجية لا خيارا تكميليا.
وفي السياق المغربي، اكتسبت الدبلوماسية الموازية أهمية خاصة، خصوصا في القضايا ذات البعد السيادي، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، حيث أصبح الترافع الدولي يتطلب مخاطبة برلمانات العالم، ومنظمات المجتمع المدني، ومراكز التفكير، ووسائل الإعلام، وليس فقط الحكومات.
وانطلاقا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى معالجة الإشكالية التالية:
ما المقصود بالدبلوماسية الموازية من منظور نظري وتحليلي؟ وما هي آليات اشتغالها؟ وكيف تجلت في الحالة المغربية بوصفها أداة لتوسيع دائرة التأثير الخارجي؟
وسيتم تناول الموضوع عبر محورين رئيسيين:
المحور الأول: التأصيل المفاهيمي والنظري للدبلوماسية الموازية.
المحور الثاني: الآليات التطبيقية وتجلياتها العملية في الحالة المغربية.
المحور الأول: التأصيل المفاهيمي والنظري للدبلوماسية الموازية
أولا: تعريف الدبلوماسية الموازية وتمييزها عن الدبلوماسية الرسمية
تعرف الدبلوماسية الموازية بأنها مجموع الأنشطة والجهود التي يقوم بها فاعلون غير حكوميين أو شبه حكوميين في المجال الخارجي، بهدف التأثير في العلاقات الدولية أو دعم التوجهات الاستراتيجية للدولة، دون أن يكونوا جزءا مباشرا من الجهاز التنفيذي المسؤول عن السياسة الخارجية.
غير أن وصفها بـ"الموازية" لا يعني أنها معارضة أو مستقلة عن الدولة، بل تعني أنها تتحرك في فضاء مكمل، وتمارس غالبا في إطار تنسيقي مع الدبلوماسية الرسمية. فهي لا تحل محلها، وإنما توسع نطاق تأثيرها.
ويقتضي التمييز بين:
- الدبلوماسية الرسمية: التي تمارسها الحكومة عبر وزارة الخارجية والسفارات والبعثات الدائمة.
- الدبلوماسية الموازية: التي يمارسها البرلمان، الأحزاب، المجتمع المدني، الجامعات، والمقاولات.
ثانيا: الأسس النظرية لظهور الدبلوماسية الموازية
يمكن تفسير بروز الدبلوماسية الموازية من خلال ثلاثة تحولات رئيسية:
1. تراجع احتكار الدولة للفضاء الدولي
العولمة قلصت الحدود بين الداخلي والخارجي، وأصبح الفاعلون المحليون قادرين على التواصل المباشر مع نظرائهم في الخارج دون وساطة الدولة.
2. تصاعد دور القوة الناعمة
لم تعد القوة العسكرية أو الاقتصادية وحدها محددا للنفوذ الدولي، بل أصبح للصورة الذهنية، والقيم، والثقافة، والرأي العام دور مؤثر، وهو مجال تتحرك فيه الدبلوماسية الموازية بفعالية أكبر.
3. تعدد مستويات صنع القرار الدولي
العديد من القرارات الدولية لا تصنع فقط داخل الحكومات، بل داخل البرلمانات، ومراكز البحث، والهيئات الأممية، ما يفرض تنويع قنوات التأثير.
المحور الثاني: تجليات الدبلوماسية الموازية في الحالة المغربية – آليات وأمثلة
أولا: الدبلوماسية البرلمانية كآلية ترافع مؤسساتي
تعد الدبلوماسية البرلمانية من أبرز أشكال الدبلوماسية الموازية في المغرب. إذ يشارك البرلمان المغربي في اتحادات برلمانية دولية وإقليمية، مثل الاتحاد البرلماني الدولي والبرلمان الإفريقي.
مثال تطبيقي:
في ملف الصحراء، لعبت الوفود البرلمانية المغربية دورا في شرح مبادرة الحكم الذاتي أمام برلمانات الدول الإفريقية، والتفاعل مع لجان حقوق الإنسان داخل المؤسسات التشريعية الأوروبية، بما ساهم في بناء مواقف داعمة أو متفهمة للموقف المغربي.
وتتميز هذه الدبلوماسية بقدرتها على مخاطبة نظراء سياسيين بلغة سياسية مباشرة، بعيدا عن الاعتبارات البروتوكولية الصارمة للدبلوماسية الرسمية.
ثانيا: الأحزاب السياسية وشبكات التأثير الحزبي الدولي
تمتلك الأحزاب المغربية امتدادات داخل منظمات حزبية دولية (كالاشتراكية الدولية، والأممية الديمقراطية الوسطية). ومن خلال هذه الشبكات، يتم تبادل المواقف والتأثير في التوجهات السياسية داخل الأحزاب الأجنبية.
مثال:
قيام قيادات حزبية مغربية بعقد لقاءات مع أحزاب أوروبية مؤثرة لشرح أبعاد النزاع حول الصحراء، أو الدفاع عن الإصلاحات السياسية والحقوقية داخل المملكة، بما يعزز صورة المغرب كشريك مستقر.
ثالثا: المجتمع المدني ومنطق التأثير في الرأي العام
مع تصاعد أهمية حقوق الإنسان في الخطاب الدولي، أصبح المجتمع المدني فاعلا أساسيا في تشكيل صورة الدول. وقد شاركت جمعيات مغربية في مؤتمرات دولية، وندوات حقوقية، لتقديم معطيات حول التنمية في الأقاليم الجنوبية، أو الرد على تقارير منظمات مناوئة.
وهنا تتجلى أهمية الدبلوماسية الموازية في نقل النقاش من المستوى الحكومي إلى مستوى الرأي العام الدولي، الذي أصبح يؤثر بدوره في قرارات الحكومات.
رابعا: الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية
لا تقتصر الدبلوماسية الموازية على الفاعلين السياسيين، بل تشمل أيضا:
- المقاولات المغربية العاملة في إفريقيا، التي تسهم في بناء روابط اقتصادية تعزز التقارب السياسي.
- المبادرات الثقافية والدينية التي تعكس نموذجا معتدلا ومنفتحا، خاصة في العمق الإفريقي.
هذه الأنشطة تسهم في بناء صورة إيجابية للمغرب، وهو ما يندرج ضمن مفهوم القوة الناعمة.
تقييم تحليلي: بين التكامل والمخاطر
رغم أهمية الدبلوماسية الموازية، فإن فعاليتها تظل رهينة بعدة شروط:
1. وضوح الرؤية الاستراتيجية.
2. التنسيق المؤسسي لتفادي تضارب الرسائل.
3. تأهيل الفاعلين غير الحكوميين لفهم تعقيدات الملفات الدولية.
ففي غياب التنسيق، قد تتحول الدبلوماسية الموازية إلى مصدر ارتباك بدل أن تكون رافعة دعم.
ختاما، أضحت الدبلوماسية الموازية عنصرا بنيويا في الفعل الخارجي المعاصر، تعكس تحولا في طبيعة العلاقات الدولية من منطق الدولة المركزية إلى منطق الشبكات متعددة الفاعلين. وفي الحالة المغربية، أثبتت هذه الدبلوماسية قدرتها على توسيع دائرة الترافع عن القضايا الوطنية، وتعزيز القوة الناعمة، وتنويع قنوات التأثير.
غير أن نجاحها لا يقوم على الاستقلال عن الدولة، بل على تكاملها معها في إطار رؤية استراتيجية موحدة، تجعل من تعددية الفاعلين مصدر قوة لا سببا للتشتت.



















حكم جديد بالبراءة يرسى قواعد هامه .. نجاحات قانونيه تضاف للمساعد والخبير
تموين كفرالشيخ يشن حملات على الاسواق
«مستانف الإسماعيلية » تقضي بإلغاء حكم السجن المشدد لمتهمين بحيازة مواد مخدرة
خروج الفتيات المصابات باختناق في مصنع ملابس بالمنطقة الصناعية بالإسماعيلية
”«على قد الحب» يتصدر الترند فى الحلقة الاولى.. إشادات واسعة من الجمهور...
”فرح الزاهد تتألق في «روج أسود».. أفضل أداء في الحلقة الأولى بتوقيع...
الإعلامي المصري أحمد سمير يدخل السباق الإذاعي التونسي الرمضاني ببرنامج أسماء الله...