الجمعة 2 يناير 2026 01:38 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر عبد الله

رئيس التحرير جودة أبو النور

المقالات

الكاتبة الصحفية زينب عبد الباقي تكتب: ”ظلّ الدّرفش”.. نهر يُعبَر وأرواح تتطهّر

الكاتبة زينب عبد الباقي والكاتبة مريم هرموش
الكاتبة زينب عبد الباقي والكاتبة مريم هرموش

قبل أن أقرأ "ظلّ الدّرفش" للمبدعة مريم هرموش كان نجاح رواية بالنّسبة لي يتمثّل في قدرتها على إدخالي عالم المشاهدة أوالمعايشة على أبعد تقدير؛ حين تنجح في تحويل سطورها إلى مشاهد مرئيّة فتنقلني إلى عالمها لأتتبّع أبطالها، أتلمّس تفاصيلهم وأتعايش مع ظروفهم.

لكن ما بعد "ظلّ الدّرفش" ليس كما قبلها، فقد نقلتني إلى مستوى آخر من التّقييم؛ ذاك المستوى الذي تتحوّل فيه الأحداث إلى معتقدات والصّفحات إلى جلسات مواجهة مع الذَات بشكل بسيط غير معقّد، وحرف عميق غير "متفلسف"، ورواية تبدو من اللحظة الأولى طقسًا من طقوس التّشافي.
البطل في هذه الرّواية شخص قد نصادفه في أيّ مكان أو زمان (وإن أضحت نسبة المصادفة أكبر في زماننا الحالي لأنّ أمثاله كثروا بشكل كبير). هو رجل هارب من ذكريات مرهقة، حياة مؤلمة، ظلم محدق وخوف مزروع في خفايا روحه.
ليس يحيى شخصيّة مثاليّة تتّخذ من الكمال رداءٍ، ولا إنسانًا بسيطًا وقعت عليه أحداث الحياة بحلوها ومرّها وتركت بصمتها في روحه. إنّه مزيج من هذا وذاك، يضاف إليه الكثير ممّا يعتري نفوس الصّادقين.
وهذه الرّواية رحلة يستهلّها القارئ بالتّعرّف إلى يحيى وينهيها بالتّعرّف إلى ذاته، وبين هذين الاكتشافين يعيش مشاعر تبدأ بالخوف المدفون في صدر البطل، ثمّ يرافقه في سعيه إلى وضع يده عليه ومعرفة أسبابه إلى أن .. .يخرج (القارئ) من دفّة الغلاف الأخير وقد وضع عنه أوزار خوفه وتهيّأ للحياة من جديد.
يصل القارئ في رحلته إلى لحظات يكتشف فيها "نهره الخاص" (ولكلّ منّا نهر قد يمرّ العمر ولا يصل إليه) فيتوجّه نحوه بيسر متّبعًا رسائل الحب والارتقاء التي تبثّها مريم هرموش بين السّطور عن قصد أو عن غير قصد فهذه هي مريم المرأة المشعّة عطاءً، مصدر النّقاء الذي يلحظه من يعرفها عن قرب في ملامحها ، كلماتها وأفكارها . ولعلّ من أبرز أسباب نجاحها كروائيّة هو ذاك الصّدق مع الذّات ومع السّطور، وبعدها عن التّزييف والأقنعة. فهي لا تكتب لتملأ الصّفحات بل لإصرارها على تقديم نفسها الشّفافة كما هي (وهنا مصدر الغنى ).
دخلت رواية "ظلّ الدّرفش" بحذر، خائفة من قلبي الذي يحبّ مريم -الإنسان، وعقلي الذي يتفاعل مع سطور مريم الكاتبة وروحي التي ترتاح لمريم الصديقة. فهذا المثلّث الذي تطوّقني به مريم هرموش قادر على التأثير بشكل أو بآخر على ما أتلقّاه، فكيف أقدّم لها رأيي الذي طلبته مني حين أهدتني نسخة من روايتها؟
لكنّني كلّما تقدّمت مع الصّفحات اكتشفت أنّي أمام ما هو أكثر من مجرّد رواية. إنّها اكتشاف لظلّ تبحث عنه كلّ روح هربًا من هجير الحياة، ونهر تلجأ إليه كلّ نفس ضجرت من "نجاسة الواقع"، وأمان لكلّ قلب يطلب الاستكانة هربًا من الخوف أو مواجهة له أو كسرًا لوجوده وقلعًا لمنابته.
نعم، "ظلّ الدرفش" ليست أحداثًا تتابعت لتتحدّث عن مهاجر عراقيّ يحمل في قلبه أوجاعه الكبرى فحسب، ولا رواية تمثّل شريحة من شرائح مجتمع بلاد الرافدين بتقاليدها ومعتقداتها، ولا تأريخًا لمرحلة من المراحل السّياسيّة التي مرّت بها أرض ما بين النّهرين . بل هي أبعد من ذلك بكثير. إنّها خطوة كبرى نحو معرفة الذّات والتّطهّر من الرّجس، والوصول إلى راحة الرّوح، كلٌّ حسب قدرته وعزمه واستطاعته. هي رواية تحتاجها الّنفوس التّائهة لتقف أمام مرآة صادقة تواجه الخوف، لا ترزح تحته، تحاربه لا تستسلم له. تأخذ منه الدّرس وترميه خارج حدود الذاكرة.
خرجت من قراءة "ظل الدرفش" بدرس مفاده أنّ الرّواية التي لا تتحوّل إلى بذرة تُزرَع في نفس قارئها هي رواية عاجزة مهما كان القلم الذي خطّها عظيمًا والمشاهد التي تضمّنتها مرئيّة.
ومع السّطر الأخير وجدت نفسي استظلّ درفشًا خاصًّا بي بعدما غطست في نهر الماضي وعبرت مياه الحاضر ثمّ تجهّزت لأعيش أيامي القادمة بطهر ونقاء.

96c0e4517300.jpg
ظل/الدرفش