السبت 3 ديسمبر 2022 04:56 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر عبد الله

رئيس التحرير جودة أبو النور

السياسة والبرلمان

أيمن سلامة : احتلال أراضي الغير و ضمها في القانون الدولي .

النهار نيوز

يميز القانون الدولي بين الاحتلال العسكري الغاصب لأقاليم الدول ذات السيادة، كما في حالة الجولان السوري الذي احتلته إسرائيل منذ العاشر من يونيو 1967 وحتى الآن، وبين الاحتلال السلمي الاتفاقي لهذه الأقاليم من جانب آخر، ففي الحالة الثانية يتم ذلك الاحتلال السلمي المؤقت، إما باتفاق كامل بين دولة الإقليم المحتل وبين دولة الاحتلال، وذلك لحماية ذلك الإقليم أو الجزيرة أو الأرخبيل الذي تعجز الدولة عن حمايته وتأمينه. ويحدث ذلك دون إكراه أو إذعان لهذه الدولة، ولكن وفقا لإرادتها الحرة.

كما قد ينشأ ذلك الاحتلال إذا نُص عليه في معاهدة أو اتفاقية بين الدولتين كجزاء تلجأ إليه إحداهما لتطبيقه إذا لم تف الأخرى بتعهداتها. وهذا ما نصت عليه المادة 340 من معاهدة "فرساي" من أنه في حالة إخلال ألمانيا بإحدى التزاماتها المقررة في هذه المعاهدة، يكون لدول الحلفاء أن تقوم فورا باحتلال أجزاء معينة من إقليم الراين. وقد حدث بالفعل أن احتلت الجيوش الفرنسية والبلجيكية في عام 1923 أجزاء من الإقليم الألماني.

وخلافا للاحتلال المؤقت السلمي، هناك النمط التقليدي الغالب لحالات الاحتلال، وهو ذلك النوع الذي تنهزم فيه جيوش الدولة صاحبة السيادة على ذلك الإقليم المحتل، وينتج عن ذلك انهيار الحكومة صاحبة السيادة في الدولة أو الإقليم الذي تم احتلاله، فتقوم دولة أو دول الاحتلال بإرساء سلطة أو حكومة بديلة تتولى إدارة الدولة أو الإقليم المحتل، أو جزء منه كما في حالة الجولان السوري، وتقوم بتسيير شئونه ومتابعة المرافق العامة في تأدية واجباتها وتقديم خدماتها للمواطنين.

إن الاحتلال العسكري، سواء كان سلميا اتفاقيا أم عسكريا غاصبا، لا يمكن بحال من الأحوال أن يعدم السيادة القانونية للدولة صاحبة السيادة على الإقليم المحتل أو جزء منه، ويستحيل أيضا لذلك الاحتلال أن ينقل ملكية ذلك الإقليم المحتل أو أي جزء منه لدولة الاحتلال، طالما لم يتم الاتفاق الرضائي بين دولة الاحتلال والدولة المحتلة، على ضم الأراضي المحتلة، وطالما لم تتنازل دولة الإقليم تنازلا صريحا عن ذلك الإقليم المحتل.

ومن الثابت والجلي أن الجمهورية السورية لم تتنازل إطلاقا عن هضبة الجولان المحتلة، فالتنازل عن الأقاليم أو الجزر يعني التحويل الرسمي لحق السيادة على أراضي دولة لدولة أخرى. ذلك أن التنازل الطوعي يعطي حقا شرعيا للمالك الجديد. ويتم ذلك التنازل عادة بموجب نصوص معاهدة تنازل تحدد تماما المنطقة أو الجزء الذي سينقل لسيادة الدولة الجديدة.

إن الاحتلال -أيا كان باعثه أو مصدره أو ضرورته- لا يعدو في القانون الدولي إلا أن يكون واقعة مادية، مهما طال أمده سواء استمر سنة أو أكثر من مئة عام، لأن الاحتلال حالة فعلية مؤقتة، وليست شرعية قانونية؛ لذا فأية تصرفات أو تدابير من قبل سلطات الاحتلال يكون من شأنها أن تغير من طبيعة أو ماهية أو طبوغرافية أو ديموغرافية الإقليم المحتل، تُعد معدومة وغير مشروعة، وتشكل جريمة دولية يجب المعاقبة عليها مساءلة سلطة الاحتلال عنها وفقا لقواعد المسؤولية الدولية.

لقد سبق لمحكمة العدل الدولية أن قطعت أي شك في ذلك بأحكام قضائية مبرمة تدحض أي أسانيد أو حجج أو مبررات من يتبنون الترهات الإسرائيلية بخصوص احتلالها ثم ضمها للجولان السوري. وكان من بين هذه الأحكام القضائية الحاسمة ما أصدرته المحكمة في قضية النزاع الحدودي بين مالي وبوركينا فاسو في عام 1986، حيث قضت المحكمة بأنه: حين يثور خلاف بين السيادة القانونية على الإقليم مع السيادة الفعلية الواقعية على هذا الإقليم، فيجب رجوع الحق إلى صاحب الحق الأصلي القانوني.

جلي أيضا، أن ما قامت به إسرائيل بعد احتلالها للجولان الإسرائيلي من إقامة العديد من المستوطنات فيها، ونقل الآلاف من الإسرائيليين، لا يعد حيلة مشروعة تُكسب إسرائيل المحتلة أي حقوق قانونية أو أوضاع مادية جديدة يقرها القانون الدولي، أو يرسخها الإعلان الأخرق للرئيس الأمريكي، ولكن تُعد "غيلة" غير مشروعة تتنافي مع كافة المبادئ والقواعد السابق ذكرها، فمحال أن يستفيد أحد من جريمته، فاللاوجود واللإثبات سيان.

في السياق ذاته، لا تستطيع دولة الاحتلال أن تدفع بأيلولة الأقاليم المحتلة لها أو تملكها، وتدفع بالحق المكتسب لها في الأقاليم المحتلة، تأسيسا على مضي مدة طويلة من الزمن على احتلالها للأقاليم التي تعود في القانون والواقع لدولة أخرى إلا في الحالة التي لا تحتج فيها الدولة صاحبة الإقليم على الممارسات والتدابير التي اتخذتها دولة الاحتلال في ذلك الإقليم. وهنا نشير إلى أن الاعتقاد الخاطئ بصحة دفع لا يؤدي إلى التقادم المُكسِب.

تأسيسا على الحظر العام والمطلق للجوء للقوة لاكتساب الأقاليم، والذي تناولته العديد من المواثيق والقرارات الدولية، ومنها المادة الثانية من ميثاق منظمة الأمم المتحدة، يمتد أيضا ذلك الحظر إلى ضم الأقاليم المحتلة غصبا على إرادة الدول والشعوب، وقد تم التأكيد على ذلك المبدأ في القرار رقم 2625، المتعلق بمبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية بين الدول، والذي ينص على أن: "أي اكتساب إقليمي يتم الحصول عليه بواسطة التهديد باستخدام القوة أو باستخدامها لن يُعترف به كأمر قانوني". ومن جانبنا فإننا نؤكد أن القوة الغاشمة ليست قانونا.

يُعرَّف الضم بأنه الاستحواذ القسري وغير القانوني على أرض من قبل دولة على حساب دولة أخرى، ويعد حظر الضم ، جزئيًا أو كليًا من إقليم ما ، مبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي العرفي ، والذي لا يُسمح فيه بأي استثناء أو تقييد. بالإضافة إلى أن استخدام القوة والضم أمران غير قانونيين ومحظورين تمامًا بموجب القانون الدولي .

وبالتوافق ، أعربت لجنة القانون الدولي (ILC) ، في سياق عملها على تدوين قانون المعاهدات ، عن رأي مفاده أن ميثاق [الأمم المتحدة] المتعلق بحظر استخدام القوة يشكل في حد ذاته يعد مثال واضح لقاعدة في القانون الدولي لها طابع القواعد الآمرة [القاعدة القطعية] ". وأكد المقرر الخاص للجنة القانون الدولي أيضا "حظر العدوان" و "الحق في تقرير المصير" باعتبارهما أكثر الأمثلة المعترف بها على نطاق واسع للقواعد القطعية للقانون الدولي العام.

لقد درجت منظمة الأمم المتحدة على التصدي ضد كافة إجراءات الضم غير الشرعية التي قامت بها إسرائيل، سواء للضفة الغربية أو قطاع غزة أو القدس الشرقية، فضلا عن الجولان السوري المحتل. وبخصوص الجولان المحتل، تحديدا، وحين أقدمت دولة الاحتلال على إصدار قرار من الكنيست الإسرائيلي أو ما عرف بـ “قانون الجولان" والذي بمقتضاه فرضت إسرائيل القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على هضبة الجولان، لم يعترف المجتمع الدولي بالقرار الغاصب الجائر، ورفضه مجلس الأمن بأشد العبارات في قراره رقم 479 بتاريخ 17 ديسمبر عام 1981، والذي صدر بعد ثلاثة أيام فقط من القرار الإسرائيلي الغاصب، ونشير إلى أن القرار المتقدم لمجلس الأمن صدر بإجماع كافة أعضاء المجلس.

لقد أكد مجلس الأمن في قراره المتقدم أن الاستيلاء على الأراضي بالقوة غير مقبول بموجب ميثاق الأمم المتحدة، واعتبر القرار الإسرائيلي ملغيا وباطلا ومن دون فاعلية قانونية على الصعيد الدولي. وطالب مجلس الأمن من إسرائيل -بوصفها قوة محتلة- أن تلغي قرارها فورا.

احتلال ضم أراضي قانون دولي