الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 08:45 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر عبد الله

رئيس التحرير جودة أبو النور

ثقافة

اشتياق آل سيف تكتب: ذات الرداء الأبيض

الكاتبة اشتياق آل سيف
الكاتبة اشتياق آل سيف

حين تنتزع نفسك من أرضك وقد كنت غصناً غضًّا طريًّا، وقد اخضرّ عودك، بَيْدَ أنه لم يبرعم أو يثمر بعد، وتأخذه وترحل به لتزرع ذلك الغصن في أرض قاحلة من المشاعر لا تشعر بغير لهيب حرارتها، ولا تستشعر سوى جفاء وجوه أهلها الذين لا يربطك بهم سوى تلقي العلم من شواهق جامعاتهم وتحقيق الحلم عبر بواباتهم الطبية.

وبرغم كلّ الصّعوبات التي تواجهك تقرّر ذلك القرار الشجاع وتبدأ رحلة كفاحها من أجل العلم وبناء مستقبل ناصع البياض مشرق النتائج فائز بأسمى مهنة امتهنها الإنسان لإنقاذ بعضهم بعضاً، فإذا كان الممارس الصحي في وظيفة التمريض يسمى ملاك رحمة، فكيف بالطبيب المخلص في عمله الذي يحترم ذلك القَسَم الذي تعهّد بالوفاء به.

تُلملم متعلقاتها الصغيرة وتضع أولوياتها وتحدّد أهدافها وتتنازل عن ذلك الحضن الدافئ الذي اعتادت حنانه، وشقيقات حولها كنّ الصديقات والمرشدات وأشقاء كانوا ظلًّا جميلاً في حياتك وقد كان يحوطها ثم رحلوا قبل عودتها حين جاءهم نداء استرجاع الأمانة.

ولا تزال تصارع سُبُل الحياة بصمود في المستشفى الذي أصبحت فيه طبيبة مقيمة وأجادت في عملها لا سيّما في زمن جائحة كورونا رغم أنّها كانت تعمل في إحدى الدول الأوروبية التي كانت بؤرة للجائحة وقد كان تزايد الحالات فيها وحشاً أرعب الكثيرين ممن قرّروا العودة لأوطانهم.

لكنّها مع كلّ ذلك كانت الطبيبة المخلصة التي تقدّم خدماتها الإنسانة بصدق ووفاء، فهي تواصل طريقها بجدٍّ ونشاط وتقرّر أن تخوض ميدان التخصص في الجراحة وتحديداً (جراحة الأطفال) لما لهذه الفئة الملائكية من تأثير عليها، ولذلك أجدها حين تنتهي من عملها وتغادر ذلك المستشفى الذي تضيع في مساحته وتنسى نفسها في علاج مرضاها، حين تعود إلى شقتها الصغيرة في مدينة (برلين) وتخلع معطفها الأبيض وتعيش مشاعر الأمومة لابنتيها اللتين تغدق عليهما من حنانها ما جعلهما لا يشعران بسياط الغربة كما يستشعرها والداهما.

حين أرغب في الإحساس بالانتماء لشبيه الروح ومشاركة كلّ ما أختزنه في أعماقي وانتزاع كلّ آلام قلبي فلا بُدّ لي من البحث عن أجمل مصادر البهجة والسرور التي تغرقني في بحر من السّعادة، فلا أجد أكثر روعة من (ورود) التي تعبق بجميل شذاها وتبهرني بألق جمالها الفاتن، تلك التي غادرت منزل أمي وما فارقت أحضانها، ورحلت عن أرض تاروت التي أنبتت أساسها شامخة قوية مبهرة لتواصل نموها في صقيع أوروبا وثلوجها التي لم تهزم تحدّي دفء مشاعرها، لكنّها استوطنت قلبي الذي يمحو كلّ هموم الغربة فيذيبها من قاع أعماقها ويبرئ أوجاعها حفاظها على تواصل دائم مع عائلتها المقربة.

كم أعشق جمالها الفاتن وعينيها اللتين توحيان لمداد قلمي أن ينقش أجمل مناجاة من فؤاد شقيقة روحها الذي أصبح فارغاً لا يملؤه أيّ احتواء، مهما دنا قربه، فلا حبّ يشبه حبّها الذي تربّع على عرش كلّ القلوب المحيطة بي وسخر من مئات الآلاف من الأميال التي تفصلني عنها ليبرهن أنّ البعيد ليس بجسده بل بقلبه وروحه، فأنا أشعر أنّها كذلك حتى مع والدتها التي تحرص على مهاتفتها يومياً؛ مما يدلّ على أنّ أقرب قريب هو من قبلة الروح وساكن القلب، ذلك الذي لا تخلو تفاصيل يومك منه و تراه في كلّ الأشياء الجميلة وحين يمرّ طيفه بخاطرك تبتسم تلقائياً وتقدّس أجمل ذكرياتك؛ لأنه يكون بطلها المهيمن على بهجة روحك.

كان ذلك شرحاً مبسّطاً لسحر حبّها الطاغي على كياني، فلقد كانت ولا تزال كتوأم روحي رغم العشرين عاماً التي تفصل بين عمرينا، ذلك أنّ العمر مجرّد رقم لا يحدّد عقلية إنسان أو حسن سلوكه وجاذبيته ونجاحه وتأثيره على من حوله.

فكلّ ذلك يعود لعوامل أساسية، منها التربية والبيئة، ثم يأتي ذلك المقوّم الأساسي وهو بلورة الإنسان لذاته وإرادته في تحدّي الصّعاب وطموحه وأحلامه التي ربما قد يسخر منها الآخرون في يوم ما ويهمّشون طموحاتك ولا يستشعرون مواهبك الدفينة، لكنني كنت أراها فتاة مميزة أرادت مستقبلاً زاهراً فجدّت واجتهدت متسلّحة بعزيمة فولاذية وثقة وأهداف محدّدة برؤية واضحة فنالت ما كانت تتمنّى وحقّقت جزءًا كبيراً من أحلامها.

ومن سخرية الزمن وتناقض الكثير من الناس حين يتألم المغتربون فيشكون لوعة الشوق والحنين للأهل، ولا فرق في الشعور بهموم وأوجاع الغربة لأيّ هدف من أهداف تحمّل الغربة التي من أهمّها تحسين المعيشة أو إكمال الدراسة للحصول على أفضل المؤهلات العملية لضمان وظيفة مرموقة ومستوًى معيشي يتناسب مع مسيرة الكفاح المضنية، نجد بعض المتذبذبين في ثقافتهم ومن لا يضعون اعتباراً لمشاعر الإنسان لا يمكنهم استيعاب حجم التضحية من أجل تحقيق الطموح فيتفوهون بكلام لا أساس له من الصحة أنّ المغترب ليس مجبراً أن يترك أهله ليشقّ طريقه ويبني مستقبله، وهذا بالطبع مفهوم خاطئ ومغالطة واضحة؛ لأنّ الإنجازات التي يحقّقها المغتربون تخفّف من لوعة سياط الغربة وإمكانية التواصل مع الأسرة عبر المكالمات المرئية والمسموعة ومشاركتهم لجميع أحداث الحياة في بلادهم، سواء مع الأسرة أو مع الأصدقاء والمجتمع، وهذا يشعرهم بالانتماء الأسري والوجود الوطني، وفي نهاية الأمر إنّ البعثات العلمية مؤقتة بزمن معيّن وليست هجرة دائمة، فكلّ فرد من أفراد المجتمع الذي أرسلته البلاد للدراسة يوماً ما، سيعود ليخدم وطنه الغالي ويسدّد بولائه وانتمائه الدَّين الذي عليه من المسؤوليات تجاه وطنه.

حين أحنّ إليها أجدها جزءاً كبيراً ومميّزاً من أروع ردهات حياتي حيث ألجأ دوماً للحديث معها فأجد نفسي أتعلّم من جواهر الحكمة التي في جعبتها من كنوز الخبرة في أحوال الناس وما أنجزته في غربتها.

باقة امتنان وتقدير لكلّ من تقلّد هذا العبء الكبير والرسالة العظيمة في تطبيب الناس والسعي لشفائهم، الذين يقضون عشرات السنين بين غرف العمليات قد أوشكوا أن ينسوا تفاصيل أجسادهم التي تغطّيها أرديتهم وأيدٍ مغطّاة بالقفّازات لا تنشف من رائحة دماء المصابين وقد اعتادوا سماع الآهات، حتى تخالهم لا قلب لهم من صلابة الموقف وقوة التحمّل لضغوط العمل، لكننا نراهم بعينٍ أخرى حين يعودون لمنازلهم التي يفتقدونها طول ساعات العمل.
ويكفيهم فخراً معنى الآية الكريمة التي تشملهم *{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.*

أولئك الناس الذين يحيون الإنسانية، وكلّ عطاء دون انتظار أيّ شيء أو مقابل.
_____
عضوة منتدى النورس الثقافي الدولي.

اشتياق