الأحد 24 أكتوبر 2021 03:30 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر عبد الله

رئيس التحرير جودة أبو النور

المقالات

الكاتب الليبي الصديق بودوارة المغربي بكتب: يا العليلة

الصديق بودوارة
الصديق بودوارة

(( ليل البارح ياالعليلة .. عدا والدوة في الليلة ))
في واقع الأمر أن هناك أكثر من ليلٍ واحد في ليبيا ..
بل أن هناك أكثر من ليبيا ذاتها ، وهناك أكثر من مصر، وهناك أكثر من سوريا، وهناك أكثر من .. ومن .. ومن .
في كل بلد هناك عدة بلدان ..
وسأحدثكم هنا عن ليبيا بالتحديد ..
فأرجو منكم أن تحبسوا دموعكم بعض الشيء
لأن الحديث عن المحبوب في العادة هو سبب مقنع لاستدعاء الدموع .

(( ليل البارح ياالعليلة .. عدا والدوة في الليلة ))
تستمع إلى هذه الأغنية ..
فيذهلك هذا الكم الهائل من الوجع فيها
وعندما تسأل عن صوت المغنية يجيبك اليوتيوب إنها لمغنية اسمها نادية مخلوف .
إنك لا تعرف نادية مخلوف بالطبع ..
لكنك تعرف جيداً ليبيا
وتعرف أن بها ستة ملايين مواطن ..
ومئة مليون خاطر مكسور .

في واقع الأمر هناك أكثر من ليبيا واحدة ..
وهناك أكثر من مليار قلب جريح يغني بصمت :
(( صب المر كان المر طاب .. ))
فكيف استطاع مليار وجع
أن يسكن صدور ستة ملايين فقط ؟

في واقع الأمر هناك أكثر من ليبيا واحدة ..
هناك أنت ..
وهناك أنت ِ ..
وهناك أنتم .
وهناك هم .
ولكل منكم ليله الخاص ..
وقناعاته الخاصة ..
ومشاريعه الخاصة ..
وحبيبه الخاص ..
ونقاله الخاص ..
وأعداءه الذين هم بلا عدد .
وفي واقع المشكلة أن لا أحد يعترف بوجود أحدٍ في متاهة الرمال والغابة هذه .
فتعالوا لأخبركم بعض الشيء في هذا الصباح عن ليبيا ..
ليبيا ذات الألف وجه .
والمليار وجع ..
والستة ملايين كائن .

في واقع الأمر هناك أكثر من ليبيا ..
هناك ليبيا للذين يطاردون بعضهم بالآربي جي
وهناك ليبيا للذين يطاردون المأذون للحصول على خدماته قبل أن تغلق المنظومة ..
وهناك ليبيا لمبدعي شط الحرية وهم يختصرون وجع شعب كامل في نصف ساعة .
وهناك ليبيا لدعاة الانتخابات ..
وهناك ليبيا لمعارضيها ..
وهناك ليبيا لذوي الدخل المحدود
وهناك ليبيا لذوي الدخل المتوفي
وهناك ليبيا لذوي الدخل بلا حدود ..
وبلا حياء أيضاً .

في واقع الأمر هناك أكثر من ليبيا واحدة ..
هناك ليبيا لأنصار الملكية
وهناك ليبيا للخضر ..
وهناك ليبيا لفبراير ..
وهناك ليبيا للأحزاب بلا حزبية
وهناك ليبيا للمحللين السياسيين
وهناك ليبيا للكشك
وهناك ليبيا لغناوة العلم
وهناك ليبيا للشعراء العظام
وهناك ليبيا للمدعين
وهناك ليبيا للتافهين
وهناك ليبيا للأنذال أيضاً ..
هؤلاء الأنذال الذين اتنبأ لهم بأن يتفوقوا قريباً على الصين في تعداد السكان .
ذلك لأنهم لا يموتون .

في واقع الأمر هناك أكثر من ليبيا واحدة ..
بامكانك أن تعثر على ليبيا منزوية في ركن الخريطة الذهنية لهذا البلد .
إنها ليبيا للموتى ..
الذين غادرونا بلا رجعة .
وأكاد أجزم أنهم الوحيدون الذين يبتسمون طيلة الوقت
وينامون بعمق ..
ويضحكون مع بعضهم طيلة الليل ..
ويتسامرون بلا ضغينة
ويتحادثون بلا حقد
ويملآون صمت المقابر برائعات الأحاديث .

في واقع الأمر هناك أكثر من ليبيا واحدة ..
هناك ليبيا لمن يبكون كلما غاب عنهم حبيب
ويبكون كلما عادت بهم الذاكرة قليلاً ..
ويبكون كلما ماتت زهرة في حوضٍ من البلاستيك
ويبكون كلما أحرق الأنذال غابة
ويبكون كلما قتل الأوغاد نفساً بغير حق ..
ويبكون كلما نهب اللصوص مليارأً وهم يشربون قهوة الصباح
ويبكون كلما خفق لهم قلب
وهؤلاء ..
أتنباً لهم بالانقراض عما قريب
هؤلاء هم نياندرتال هذا الزمان
غير أن انسان النياندرتال انقرض منذ أربعين ألف سنة
أما هم ..
فسوف ينقرضون بعد أربعين ألف جرعة من المر ..
ذلك المر الذي أنشد فيه "جمعة بوخبينة" ذات يوم :
(( صب المر كان المر طاب . ))

ألم أخبركم منذ البداية أن هناك أكثر من ليبيا ؟
وأن هناك أكثر من ليل فيها ؟
وأن "نادية مخلوف" مازالت تصرخ إلى الآن :
(( ليل البارح يا العليلة .. عدا والدوة في الليلة )) . ؟

بودوارة