الأحد 16 أغسطس 2026 06:38 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

الصحة

حين ينقلب الحارس على صاحبه

عندما يتحول جهاز المناعة من خط الدفاع الأول إلى مصدر للمرض

النهار نيوز

د .نورهان مصطفي نوح

مدرس مساعد الروماتيزم والمناعة وآلام المفاصل بجامعة الأزهر

تخيل أن لديك حارسًا لا ينام، يقف على بوابة جسدك ليلًا ونهارًا، يراقب كل ما يدخل إليه، ويتصدى للفيروسات والبكتيريا والأجسام الغريبة التي قد تهدد حياتك.

هذا الحارس هو جهاز المناعة.

لكن ماذا لو أخطأ الحارس في تحديد العدو؟

ماذا لو رفع سلاحه في وجه صاحبه، وبدأ يهاجم خلايا وأنسجة سليمة بدلًا من مهاجمة الخطر الحقيقي؟

هنا تبدأ واحدة من أكثر قصص الطب تعقيدًا وإثارة.. أمراض المناعة الذاتية.

ففي هذه الأمراض، لا يكون الخطر دائمًا شيئًا جاء من الخارج، وإنما قد يكون الخلل في طريقة تعامل جهاز المناعة مع أنسجة الجسم نفسه.

عندما يفقد الحارس بوصلته

جهاز المناعة منظومة شديدة التعقيد، ومهمته الأساسية حماية الجسم من العدوى والأجسام الغريبة.

وفي الظروف الطبيعية، يستطيع الجهاز المناعي التمييز بين «ما ينتمي إلى الجسم» و«ما هو غريب عنه».

لكن في أمراض المناعة الذاتية يحدث خلل في هذه القدرة على التمييز، فيبدأ الجهاز المناعي بإطلاق استجابة ضد أنسجة الجسم نفسه.

وقد تختلف «ساحة المعركة» من مرض إلى آخر.

ففي بعض الأمراض تكون المفاصل هي الهدف، كما في التهاب المفاصل الروماتويدي، بينما قد تتأثر عدة أعضاء في أمراض مثل الذئبة الحمراء، وقد تكون الغدة الدرقية أو الجلد أو الأوعية الدموية أو أعضاء أخرى هي موضع الإصابة في أمراض مناعية مختلفة.

وهنا لا تكون المشكلة مجرد ألم عابر، بل التهاب قد يستمر ويؤثر في وظيفة العضو المصاب إذا لم يتم تشخيصه والسيطرة عليه.

الروماتويد.. عندما تصبح المفاصل ساحة للمعركة

قد يبدأ التهاب المفاصل الروماتويدي بأعراض تبدو بسيطة.

ألم في أصابع اليدين، تورم في المفاصل، صعوبة في تحريكها، أو تيبس صباحي يجعل المريض يشعر بأن يديه لا تستجيبان له في بداية اليوم.

وقد يفسر البعض هذه الأعراض بأنها نتيجة الإجهاد أو العمل أو «السن».

لكن الروماتويد ليس مجرد خشونة، ولا ينبغي اعتبار الألم والتورم المتكرر أمرًا طبيعيًا يجب التعايش معه.

فالالتهاب المستمر يمكن أن يؤدي مع الوقت إلى تلف المفاصل والتأثير في قدرتها على الحركة والقيام بوظائفها.

وهنا تأتي أهمية التشخيص المبكر؛ فكلما تم اكتشاف المرض والسيطرة على نشاطه في وقت مبكر، زادت فرص حماية المفاصل والحفاظ على جودة حياة المريض.

الذئبة الحمراء.. المرض الذي لا يسير على خريطة واحدة

إذا كان الروماتويد مثالًا واضحًا على مهاجمة الجهاز المناعي للمفاصل، فإن الذئبة الحمراء تكشف لنا مدى تعقيد أمراض المناعة الذاتية.

فالذئبة قد تظهر بأشكال متعددة، وقد تختلف أعراضها بدرجة كبيرة من مريض إلى آخر.

قد يشعر المريض بالإرهاق وآلام المفاصل، وقد تظهر تغيرات جلدية أو حساسية للشمس، بينما قد تتأثر أعضاء أخرى في بعض الحالات.

ولهذا فإن تشخيص الذئبة لا يعتمد على عرض واحد، ولا على تحليل واحد.

فالطبيب يجمع بين التاريخ المرضي، والفحص السريري، ونتائج التحاليل والفحوص المناسبة، ثم يضع الصورة كاملة أمامه قبل الوصول إلى التشخيص.

هل كل ألم في المفاصل يعني مرضًا مناعيًا؟

بالتأكيد لا.

فآلام المفاصل لها أسباب كثيرة، تبدأ من خشونة المفاصل والإصابات والإجهاد العضلي ومشكلات الأوتار، وقد تكون مرتبطة بأمراض أخرى مختلفة.

لذلك لا يجب أن يقرأ الإنسان قائمة أعراض على الإنترنت ثم يضع لنفسه تشخيصًا.

فالطبيب لا ينظر إلى الألم وحده، وإنما إلى طبيعة الألم، وتوقيته، والفحص السريري، والأعراض المصاحبة، ونتائج التحاليل أو الأشعة عند الحاجة.

سبع علامات لا تتجاهلها

هناك بعض الأعراض التي تستحق الانتباه، خصوصًا إذا استمرت أو تكررت:

1 ـ تورم متكرر في المفاصل

خصوصًا إذا كان مصحوبًا بألم أو سخونة.

2 ـ تيبس صباحي واضح

وخاصة إذا استمر لفترة طويلة ويؤثر في الحركة اليومية.

3 ـ ألم في أكثر من مفصل دون سبب واضح

خصوصًا عندما يستمر أو يتزايد.

4 ـ إرهاق شديد ومستمر

لا يتحسن بصورة كافية مع النوم والراحة.

5 ـ أعراض جلدية متكررة مصاحبة لآلام المفاصل

خصوصًا إذا ظهرت مع أعراض عامة أخرى.

6 ـ ارتفاعات متكررة في درجة الحرارة دون سبب واضح.

7 ـ ظهور مجموعة من الأعراض معًا

فاجتماع عدة أعراض قد يكون أكثر أهمية من وجود عرض منفرد.

وهذه العلامات لا تعني بالضرورة وجود مرض مناعي، لكنها تستحق التقييم الطبي وعدم الاكتفاء بتناول المسكنات بصورة متكررة.

لماذا يهاجم جهاز المناعة صاحبه؟

السؤال الذي يطرحه كثير من المرضى هو: لماذا أنا؟

والحقيقة العلمية أن معظم أمراض المناعة الذاتية لا يمكن اختزالها في سبب واحد.

هناك تداخل بين الاستعداد الوراثي والعوامل البيئية والهرمونية والعوامل المناعية، ويختلف هذا التداخل من مرض إلى آخر ومن شخص إلى آخر.

لذلك لا يمكن تحميل عامل واحد مسؤولية الإصابة، كما أن وجود تاريخ عائلي لمرض مناعي لا يعني بالضرورة أن الشخص سيصاب بالمرض نفسه.

هل يمكن السيطرة على الحارس؟

السؤال الأهم: إذا كان جهاز المناعة جزءًا من المشكلة، فهل يجب إيقافه؟

الإجابة: لا.

فجهاز المناعة ضروري للحياة، ولا يمكن للجسم أن يعيش من دونه.

الهدف من العلاج هو السيطرة على الاستجابة المناعية غير الطبيعية وتقليل الالتهاب ومنع حدوث تلف دائم في الأعضاء أو المفاصل.

وقد شهدت علاجات الأمراض الروماتيزمية والمناعية تطورًا كبيرًا، وأصبح لدى الأطباء خيارات علاجية متعددة، من الأدوية التقليدية إلى العلاجات الموجهة والبيولوجية في الحالات المناسبة، إلى جانب العلاج الطبيعي والتأهيل وتعديل نمط الحياة بحسب طبيعة المرض.

والعلاج ليس وصفة واحدة للجميع؛ فما يناسب مريضًا قد لا يناسب آخر، ولذلك يجب أن يحدد العلاج بناءً على التشخيص ونشاط المرض والأعضاء المتأثرة والحالة الصحية العامة.

لا تجعل المسكن يخفي الحقيقة

من الأخطاء الشائعة أن يتعامل المريض مع الألم باعتباره المشكلة الوحيدة.

يتناول مسكنًا، يختفي الألم، فيعتقد أن المرض انتهى.

لكن المسكن قد يخفف الألم دون أن يعالج السبب الأساسي.

وفي الأمراض الالتهابية والمناعية، يكون الهدف ليس فقط جعل المريض يشعر بتحسن، وإنما السيطرة على الالتهاب نفسه وحماية المفاصل والأعضاء من التلف على المدى الطويل.

ولهذا فإن تكرار الألم أو التورم أو التيبس يستحق البحث عن السبب، وليس مجرد تكرار المسكنات.

المناعة ليست عدوًا

رغم كل ما سبق، يجب ألا ننظر إلى جهاز المناعة باعتباره عدوًا.

على العكس تمامًا..

إنه أحد أعظم أنظمة الحماية في جسم الإنسان.

المشكلة ليست في وجود جهاز المناعة، وإنما في أن هذا الجهاز قد يفقد في بعض الأمراض قدرته الدقيقة على التمييز بين العدو والصديق.

ومن هنا يأتي دور الطب الحديث: ليس تدمير الحارس، وإنما إعادة توجيهه والسيطرة على الهجوم الخاطئ.

كلمة أخيرة

قد يبدأ المرض بعرض صغير لا يلفت الانتباه.

ألم في إصبع، تيبس صباحي، إرهاق مستمر، تورم بسيط في مفصل، أو أعراض نظن أنها ستختفي وحدها.

لكن أحيانًا يكون الجسد قد بدأ بالفعل في إرسال رسالة.

والرسالة لا تقول بالضرورة «أنت مصاب بمرض مناعي»، لكنها تقول:

«انتبه.. هناك شيء يستحق أن تفهمه».

فلا تجعل اعتيادك على الألم سببًا لتجاهله، ولا تجعل المسكنات تخفي القصة الحقيقية.

ففي أمراض المناعة الذاتية، قد يكون التشخيص المبكر هو الفارق بين السيطرة على المرض وبين تركه يترك أثرًا دائمًا.

وفي النهاية، يظل جهاز المناعة حارسنا الأول..

لكن حتى أفضل الحراس قد يخطئ أحيانًا في تحديد العدو.

وحين ينقلب الحارس على صاحبه.. تكون مهمتنا أن نكتشف الخطأ مبكرًا، ونساعده على العودة إلى مهمته الأصلية: حماية الجسم، لا مهاجمته.

حين ينقلب الحارس على صاحبه عندما يتحول جهاز المناعة من خط الدفاع الأول إلى مصدر للمرض د .نورهان مصطفي نوح مدرس مساعد الروماتيزم والمناعة وآلام المفاصل بجامعة الأزهر تخيل أن لد