الثلاثاء 7 يوليو 2026 09:57 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

الكاتب / طلال الربيعي يكتب : قراءة في القرار الوزاري رقم (155/2026) في ضوء الاتجاهات الدولية في اعداد المعلمين.

النهار نيوز

الكاتب /طلال الربيعي يكتب :

قراءة في القرار الوزاري رقم (155/2026) في ضوء الاتجاهات الدولية لإعداد المعلمين

غالبًا ما تُقاس القرارات التعليمية بآثارها المباشرة، بينما يغيب عن النقاش سؤال أكثر أهمية، وهو: هل ينسجم هذا القرار مع الاتجاهات العالمية في تطوير التعليم؟ وعند قراءة القرار الوزاري رقم (155/2026) من هذه الزاوية، يتضح أنه لا يمثل توجهًا منفردًا، بل يأتي في سياق دولي متنامٍ ينظر إلى مهنة التعليم بوصفها مهنة احترافية تتطلب معايير دقيقة منذ مرحلة الاستقطاب.

لقد شهدت العقود الأخيرة تحولًا واضحًا في سياسات إعداد المعلمين حول العالم. فبعد أن كان التركيز ينصب على برامج الإعداد الجامعي فقط، أصبحت الأنظمة التعليمية المتقدمة تبدأ من مرحلة أسبق، وهي مرحلة اختيار من يُسمح له بالدخول إلى مسار إعداد المعلم. وأصبحت جودة الاستقطاب تُعد أحد أهم مؤشرات نجاح أي نظام تعليمي.

وتؤكد الأدبيات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية واليونسكو، إلى جانب هيئات الاعتماد المتخصصة في إعداد المعلمين، أن بناء معلم عالي الكفاءة يبدأ بوضع معايير قبول واضحة، تراعي المستوى الأكاديمي، والاستعداد للمهنة، والقدرات الشخصية، مع ربط أعداد المقبولين بالاحتياجات الفعلية للنظام التعليمي، تحقيقًا للتوازن بين الجودة والمواءمة والاستدامة.

وعند النظر إلى التجارب الخليجية والعربية، نجد أن معظمها يتجه تدريجيًا نحو رفع معايير القبول في برامج إعداد المعلمين، وتطوير أدوات الاختيار، وإعادة تنظيم العلاقة بين مؤسسات التعليم العالي واحتياجات قطاع التعليم. كما اتجهت بعض الدول إلى جعل برامج إعداد المعلمين أكثر انتقائية، وإلى تعزيز متطلبات الترخيص والتأهيل قبل الالتحاق بالمهنة.

أما في الأنظمة التعليمية التي تتصدر المؤشرات العالمية، مثل فنلندا وسنغافورة وكوريا الجنوبية، فإن القبول في برامج إعداد المعلمين يعد من أكثر عمليات القبول تنافسية، ولا يعتمد على المؤهل الجامعي وحده، بل يسبقه أو يصاحبه عدد من أدوات التقويم والانتقاء التي تستهدف استقطاب أفضل الكفاءات. ورغم اختلاف الآليات من دولة إلى أخرى، فإن الفلسفة واحدة، وهي أن جودة التعليم تبدأ بجودة من يُختار ليصبح معلمًا.

ومن هذه الزاوية، فإن القرار الوزاري رقم (155/2026) ينسجم مع هذا التوجه العالمي؛ إذ ينقل التركيز من مجرد إتاحة الالتحاق إلى تنظيم الالتحاق وفق معايير أكثر ارتباطًا بجودة المهنة واحتياجاتها. كما يعكس تحولًا من إدارة القبول بمنطق الكم إلى إدارته بمنطق الجودة والمواءمة مع الاحتياجات المستقبلية.

ومن الملاحظ أيضًا أن القرار يتوافق مع أحد أبرز الاتجاهات الحديثة في سياسات التعليم، وهو تعزيز التكامل بين التعليم العالي والتعليم المدرسي. فالدول التي حققت تقدمًا في إعداد المعلمين لم تعد تفصل بين الجهة التي تُعد المعلم والجهة التي تستفيد من مخرجاته، بل أصبحت تبني سياسات مشتركة تضمن توافق برامج الإعداد مع الاحتياجات الفعلية للميدان التعليمي، وهو ما أصبح أكثر حضورًا في سلطنة عُمان بعد توحيد منظومة التعليم في إطار مؤسسي واحد.

ولا يعني هذا أن جميع الدول تطبق المعايير نفسها أو تعتمد النسب ذاتها، فلكل دولة خصوصيتها السكانية والتعليمية وسوق عملها. غير أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو أن مهنة التعليم لم تعد مهنة مفتوحة دون ضوابط، وإنما أصبحت مهنة نوعية احترافية تخضع لمعايير قبول وإعداد وتقويم أكثر دقة، باعتبارها المهنة التي تُبنى عليها جودة بقية المهن.

وعليه، فإن قراءة القرار في ضوء الاتجاهات الدولية تقود إلى نتيجة مهمة، وهي أن سلطنة عُمان لا تسير في اتجاه مختلف عن العالم، بل تتحرك ضمن مسار عالمي يهدف إلى تعزيز جودة إعداد المعلم، ورفع كفاءة مدخلات النظام التعليمي، وتحقيق مواءمة أفضل بين مخرجات التعليم واحتياجات التنمية. وقد تختلف أدوات التطبيق من دولة إلى أخرى، لكن الهدف يبقى واحدًا: بناء معلم أكثر كفاءة، وتعليم أكثر جودة، ومستقبل أكثر قدرة على المنافسة.

طلال بن حمد الربيعي

98eae170e0ed.jpg