بقلم - أحمد قنديل لم تعد وسائل التواصل الإجتماعي مجرد فضاء افتراضي لتبادل الأفكار أو صلة الأرحام، بل تحولت في الآونة الأخيرة لدى فئة منبوذة قادتها أطماعها الدنيئة إلى سلاح فتاك لتصفية الحسابات، ووسيلة رخيصة للتربح غير المشروع.
إننا أمام ظاهرة تفكك المجتمع من داخله، حيث استبدل البعض قيم التسامح والستر برذيلة التربص، واقتناص عثرات الآخرين، بل وتطويعها لخدمة مآرب شخصية تهدف إلى دغدغة مشاعر الرأي العام المزيف لكسب المشاهدات والأموال الحرام.
لقد بلغت الدناءة بهؤلاء حد التخطيط المسبق للجريمة؛ فنرى أفراداً يمارسون أرذل أنواع الإستفزاز ضد مواطنين بسطاء لدفعهم نحو الخطأ وفقدان الأعصاب، ثم يشرعون في تصويرهم لتقديمه كدليل إدانة مجتمعي. والأخطر من ذلك هو تشكيل "عصابات إلكترونية منظمة" تحترف افتعال الأزمات والمواقف المفبركة، للإيقاع بالضحايا في شباك الاتهام والابتزاز المالي والمعنوي. هذه السلوكيات المنحرفة لا تكتفي بإنتاج قدوات سيئة لشبابنا، بل تؤصل لثقافة الكراهية وتصدير القضايا التافهة والمصطنعة، مما يتسبب في إنهاك جهاز الشرطة الشريف، وإشغال منصة القضاء العادل بأمور ما كان لها أن تتجاوز جدران البيوت أو ساحات الصلح .
إن الأثر الحقيقي لهذه الفيديوهات لا ينتهي بانتهاء مدة عرض المقطع، بل يبدأ من هنا "الشرخ النفسي" العميق لدى الضحية وعائلته. يواجه المستهدفون بهذه الحملات الممنهجة حالة من "الوصم الإجتماعي" الحاد الذي يلاحقهم في محيط عملهم، ودراستهم، وجيرانهم. وتؤكد الدراسات النفسية أن ضحايا الابتزاز والتشهير الإلكتروني يعانون من مستويات قاسية من القلق المزمن، والاكتئاب الحاد، واضطراب ما بعد الصدمة .
في كثير من الأحيان، تؤدي هذه الضغوط الرهيبة إلى تفكك أسر آمنة نتيجة الشك والاتهامات المتبادلة، بل تدفع بالبعض في حالات مأساوية إلى الإنعزال الكامل عن المجتمع أو الإقدام على إنهاء حياتهم هرباً من سياط الفضيحة المفبركة
ومع ذلك ورغم أن المشرع وضع ترسانة قانونية لمواجهة هذه السلوكيات، إلا أن الواقع يتطلب تشديداً أكبر لردع المحترفين. فوفقاً للأنظمة العقابية الحالية: انتهاك حرمة الحياة الخاصة: تنص المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (مثل القانون المصري رقم 175 لسنة 2018) على عقوبة الحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية لكل من اعتدى على المبادئ الأسرية أو انتهك خصوصية شخص بنشر صور أو مقاطع فيديو دون رضاه
أيضا معالجة المحتوى وتزييفه: يعاقب القانون بالحبس مدة تصل إلى 5 سنوات وبغرامات باهظة كل من تعمد استخدام برنامج معلوماتي لربط معطيات شخصية بمحتوى منافٍ للآداب أو لإظهارها بطريقة تمس شرف واعتبار الضحية.
ولعل التاريخ القريب يحمل شواهد حية على بشاعة هذه الجرائم؛ حيث هزت قضية الفتاة "بسنت خالد" الرأي العام بعد أن وقعت ضحية لابتزاز إلكتروني عبر فبركة صور ومقاطع منسوبة إليها من قِبل شبان في قريتها لإجبارها على مجاراتهم، وهو ما لم تتحمله الفتاة نفسياً فأنهت حياتها، وصدرت لاحقاً أحكام قضائية رادعة بحق الجناة بالسجن المشدد. كما لا ننسى قضايا "صناع المحتوى المستفز" الذين تعمدوا تصوير مواطنين مثل عمال النظافة أو الباعة الجائلين في مواقف محرجة أو مصطنعة لاستجداء عواطف الجمهور وحصد الأرباح، مما عرّض أولئك البسطاء لإيذاء نفسي شديد قبل أن تتدخل الأجهزة الأمنية لضبط هؤلاء المبتزّين.
بناءً على هذا الخطر الداهم الذي يهدد بنيان الوطن وسكينته، نتوجه ببيان عاجل ومناشدة وطنية إلى كل من: السيد وزير العدل السيد المستشار النائب العام السيد وزير الداخلية نناشدهم بضرورة استصدار قرارات وتشريعات عاجلة وحاسمة تُجرم بشكل قاطع تصوير ونشر هذه الفيديوهات المصطنعة، وتغليظ العقوبات على كل من يستخدم السوشيال ميديا كأداة للابتزاز أو تصفية الحسابات أو صناعة "الترند الزائف".
إن دولة القانون تكفل للجميع الحصول على حقوقهم كاملة عبر التوجه إلى أقسام ومراكز الشرطة الرسمية، وليس عبر محاكم التفتيش الافتراضية. إن حماية وعي المجتمع وفرض السلم العام باتت ضرورة قصوى تتطلب ضرباً بيد من حديد على يد كل من تسول له نفسه العبث بأمن المواطنين وأعراضهم من أجل "حفنة من اللايكات والمشاهدات".