إغتيال تكافؤ الفرص بسماعات الموت العلمي: كيف يصنع الغش مجتمعاً مشلولاً.!!!
النهار نيوزالنهار نيوز
بقلم : أحمد قنديل
شهدت ماراثونات امتحانات الشهادة الثانوية في السنوات الأخيرة ظاهرة خطيرة تقوض أركان العملية التعليمية، وتتمثل في تهافت بعض أولياء الأمور على شراء "سماعات الغش الإلكترونية" الدقيقة لتقديمها لأبنائهم.
إن هذا السلوك لا يمثل مجرد مخالفة عابرة للوائح الامتحانية، بل هو جريمة مكتملة الأركان تشترك فيها أطراف عدة، وتبدأ آثارها المدمرة في الظهور تباعاً لتضرب مستقبل الطالب ومقدرات المجتمع بأسره.
وقد يعتقد ولي الأمر الواهم أنه يشتري لابنه تذكرة عبور نحو المستقبل، لكنه في الحقيقة يشتري له بطاقة فشل مؤجل، فالطالب الذي اعتمد على "سماعات الغش" للوصول إلى الجامعة يصطدم مباشرة بنظام أكاديمي يعتمد على الفهم والتحليل والبحث والمجهود الذاتي ، وبسبب افتقاره للمهارات الأساسية والمحتوى المعرفي الحقيقي، حينها يتحول هذا الطالب داخل أسوار الجامعة إلى جسد بلا روح علمية، مما يؤدي حتماً إلى رسوبه المتكرر، أو طرده، أو تخرجه محملًا بجهل مركب يجعله عاجزاً عن مواكبة سوق العمل.
ولقد اتفقت الشرائع السماوية كلها على تجريم الغش واعتباره هدمًا للأخلاق الإنسانية. ففي العقيدة الإسلامية، حسم الرسول الكريم ﷺ هذا الأمر بعبارة قاطعة مانعة فقال: "مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي" وهو تبرؤ نبوي مهيب من فاعل هذا الذنب. وفي القرآن الكريم وعيد شديد للمطففين الذين يأخذون أكثر من حقهم ويبخسون الناس حقوقهم، والغش في الامتحانات هو عين التطفيف.
أيضا في العقيدة المسيحية، تنهى الوصايا والكتاب المقدس عن الخداع والسرقة (والغش هو سرقة لجهود الآخرين)، حيث جاء في سفر الأمثال: "مَوَازِينُ غِشٍّ مَكْرَهَةُ الرَّبِّ، وَالْوَزْنُ الصَّحِيحُ رِضَاهُ" وفي رسالة رومية: "لِكَيْ نَسْلُكَ بِلِيَاقَةٍ كَمَا في النَّهَارِ". لقد صدق الشاعر حين قال: وإذا أُصِيبَ القَوْمُ في أَخْلَاقِهِمْ ... فَأَقِمْ عَلَيْهِمْ مَأْتَمًا وَعَوِيلَا
إن هذه الجريمة لا تقتصر على الطالب، بل تمتد إلى "المراقب" داخل اللجنة الذي يبيع ضميره ويسمح بمرور هذه السماعات أو يتغاضى عنها. هذا المعلم لم يخن وظيفته فحسب، بل خان الأمة وفصم عرى الأمانة التي حُمل إياها. هؤلاء المراقبون، ومعهم "تجار ومروجو السماعات"، ومؤسسو "مجموعات الغش الإلكتروني" على وسائل التواصل، يشكلون معاً شبكة إجرامية تُفسد المجتمع وتصنع أجيالاً اتكالية فاشلة. هؤلاء هم من عنتهم الحكمة القديمة: "إذا فشت الخيانة في أمة، زال أمنها وحل دمارها".
إن النتيجة المباشرة لارتفاع درجات الطلاب الغشاشين بطرق غير مشروعة هي الارتفاع الاصطناعي وغير المنطقي لنسب "تنسيق القبول بالجامعات"، فهذا الارتفاع الوهمي يحرم الطالب المجتهد، الذي سهر الليالي وحصل على درجات حقيقية بعرقه وجهده، من الالتحاق بكليات القمة التي يستحقها. إنها مظلمة كبرى يمتد أثرها لسنوات؛ حيث يُدفع بصاحب الحق إلى الخلف، ويتصدر المشهد من سلب حق غيره بقوة الغش والتكنولوجيا الخبيثة.
دعونا نتأمل في المستقبل الذي يصنعه الغش. إن طالب اليوم الفاشل الذي دخل كلية الطب بالغش، سيكون طبيب الغد الذي يشخص الأمراض بالخطأ ويصرف أدوية قاتلة. وطالب الهندسة الغشاش، سيكون مهندس الغد الذي تنهار البنايات والجسور على رؤوس ساكنيها. ويمتد هذا الانهيار ليشمل كافة دعائم الحياة: • التجارة: سنرى تجاراً يمارسون الاحتكار والغش التجاري والتدليس. • البناء والمقاولات: سنشهد كوارث عمرانية بسبب الجهل بأسس التصميم وخلط المواد. • العلوم والتجارب والأبحاث: ستتوقف عجلة الاكتشافات، وتُبنى القرارات العلمية على نتائج مزيفة تؤدي إلى كوارث بيئية وصحية. ومن مفارقات القدر العجيبة والعدالة الإلهية، أن أولياء الأمور والمشاركين في تسهيل الغش قد يصابون مستقبلاً بأمراض مستعصية، أو يقعون في مآزق قانونية وعمرانية، فلا يجدون ملاذاً إلا الذهاب إلى هؤلاء "الأطباء والمهندسين والمسؤولين الفشلة" الذين ساعدوا هم أنفسهم في تمكينهم وتخريجهم! ليذوقوا من نفس الكأس المرة التي سقوا منها المجتمع. الجميع في دائرة الاتهام
إن الغش في الثانوية العامة ليس خطأ فردياً، بل هو منظومة فساد يشترك في إثمها الجميع: • ولي الأمر: الذي يمول الجريمة ويشتري السماعة ويدفع ابنه للسحت. • المسؤول: الذي تراخى في تشديد الرقابة ولم يسعَ جاداً لقطع دابر هذه الظاهرة بالوسائل التقنية والتشريعية الصارمة. • المعلم (المراقب): الذي تخلى عن وقاره وأمانته وحول اللجنة إلى سوق مباحة. • الطالب: الذي رضي بالدونية ورضي أن يبدأ حياته بـ "سحت" وخدعة.
إن محاربة هذه الظاهرة لم تعد ترفاً تعليمياً، بل هي معركة وجود لحماية هوية المجتمع ومستقبله وأمنه القومي، فالتعليم هو حجر الزاوية، وإذا فسد حجر الزاوية انهار البناء كله.
وأخيرا لم يعد كافياً إطلاق صيحات التحذير، والكتابات المقالية، والنصح ،بل يتطلب الأمر وضع حلول جذرية توازن بين الردع التقني والتقويم النفسي: أولاً: الآليات القانونية والتقنية الحديثة لمنع السماعات داخل اللجان لمواجهة التقنيات المتطورة للسماعات الخفية، يجب على المؤسسات التعليمية تبني حلول استباقية صارمة: • أجهزة التشويش الذكية: تفعيل أجهزة تشويش متطورة داخل اللجان تقطع إشارات الاتصال (بلوتوث، موجات الراديو، شبكات الاتصال) دون التأثير على المحيط الخارجي.
• بوابات الفحص الكهرومغناطيسي: إلزامية مرور الطلاب عبر بوابات وحساسات دقيقة قادرة على رصد أصغر الرقائق الإلكترونية والمعادن حتى لو كانت مخبأة داخل الأذن. • تغليظ العقوبات الجنائية: تفعيل قوانين حازمة تعتبر بيع سماعات الغش أو إدارة مجموعات التسريب جريمة أمن قومي تُعاقب بالسجن المشدد والغرامات المالية الباهظة، مع حرمان الطالب الغشاش من الامتحانات لسنوات.