اللغتان العربية والكردية علاقة تأثر لا صِدام


بقلم : أسامة ابراهيم
إعلامي وناشر مصري
مدير عام دار النخبة
في الشرق، لا تعيش اللغات داخل القواميس فقط، بل تتداول بين المتحدثين بها في الأسواق والبيوت والأغاني والطرقات القديمة، ولهذا، فإن العلاقة بين اللغة العربية واللغة الكردية ليست مجرد علاقة بين لغتين متجاورتين جغرافياً، بل بين عالمين عاشا طويلاً في مساحة مشتركة من التأثير والتفاعل والتبادل الإنساني.
من أجل ذلك. حرصنا طوال السنوات الماضية_ ومن خلال دار النخبة للطباعة والنشر والتوزيع التي أتشرف بإدارتها_ على إتاحة المجال أمام المبدعين الأكراد من أدباء ومفكرين وأكاديميين لنشر إبداعاتهم المتنوعة وإتاحتها للقراء في المكتبات ومعارض الكتب الدولية على أوسع نطاق ممكن لأهداف متعددة منها توثيق عرى الترابط والتأخي بين الأشقاء من عرب وأكراد.
ورغم أن لكل لغة خصوصيتها وهويتها وتاريخها، إلا أن السنوات الطويلة من التعايش بين العرب والكرد أنتجت حالة فريدة من التقاطع الثقافي واللغوي، حتى بات من الطبيعي أن تنتقل الكلمات والعادات والتعابير بين الطرفين بصورة عفوية تشبه حركة الناس أنفسهم.
هذه المساحة الإنسانية كانت واحدة من الموضوعات التي أولتها حملة «تكامل… عرب وكرد… مصير مشترك» أحد مشاريع شبكة الاستشراف الدولية للدراسات والاعلام والاستشارات ، اهتماماً واضحاً حيث حاولت الحملة عبر عدد من المواد الثقافية والإعلامية التعريف باللغة الكردية بصورة مبسطة وقريبة من الجمهور العربي، بعيداً عن الصور النمطية أو الطرح السياسي المباشر.
فاللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل ذاكرة شعب كاملة، وحين يتعرف الإنسان على لغة الآخر، فإنه لا يتعلم كلمات جديدة فقط، بل يقترب من طريقته في التفكير، ومن حساسيته الثقافية، ومن رؤيته للعالم.
ومن يتابع الحياة اليومية في مناطق كثيرة عاش فيها العرب والكرد جنباً إلى جنب، سيلاحظ أن العلاقة بين اللغتين لم تكن يوماً علاقة صدام، بل علاقة تأثر متبادل.
هناك كلمات كردية دخلت إلى الاستخدام الشعبي العربي في بعض المناطق، كما أن العربية بدورها تركت أثراً واسعاً داخل الحياة الكردية، سواء في المفردات أو الأدب أو التعليم أو حتى الأغاني الشعبية.
والأجمل من ذلك، أن كثيرًا من العائلات العربية والكردية كانت، وما تزال، تتعامل مع التعدد اللغوي باعتباره جزءاً طبيعياً من الحياة، لا تهديداً للهوية.
فالطفل الذي يسمع العربية والكردية معاً منذ صغره، غالباً ما ينشأ وهو أكثر انفتاحاً على الاختلاف، وأكثر قدرة على فهم الآخر بصورة طبيعية وغير متوترة.
وربما هنا تكمن إحدى أهم الرسائل التي حاولت حملة «تكامل» إيصالها وهي أن التنوع اللغوي ليس مشكلة يجب الخوف منها، بل ثروة ثقافية يمكن البناء عليها.
فالمنطقة العربية عاشت طويلاً تحت تأثير خطاب يُصوّر الاختلاف اللغوي أو الثقافي وكأنه مقدمة للانقسام، بينما تثبت تجارب شعوب كثيرة حول العالم أن المجتمعات الأكثر تنوعاً هي غالباً الأكثر حيوية وقدرة على الإبداع.
وفي التجربة الكردية تحديداً، لعبت اللغة دوراً أساسياً في الحفاظ على الهوية الثقافية والذاكرة الشعبية عبر عقود طويلة.
ولهذا، فإن احترام اللغة الكردية والتعريف بها لا يجب أن يُفهم بوصفه موقفاً سياسياً، بل باعتباره احتراماً طبيعياً لحق أي شعب في الحفاظ على إرثه الثقافي والإنساني.
وفي المقابل، فإن العلاقة العميقة التي ربطت الكرد باللغة العربية، سواء من خلال الأدب أو الإعلام أو التعليم أو الدين أو الحياة العامة، تعكس بدورها حجم التداخل الحضاري بين الشعبين.
لقد أنتج هذا التفاعل عبر الزمن حالة فريدة من القرب الثقافي، حتى إن كثيراً من المفردات والمشاعر والتعابير تبدو مألوفة للطرفين، وإن اختلفت طريقة النطق أو البناء اللغوي.
ومن الجميل اليوم أن نرى اهتماماً متزايداً لدى بعض الشباب العرب بتعلم اللغة الكردية، تماماً كما يهتم كثير من الشباب الكردي بإتقان العربية والتعبير من خلالها، لأن هذا الفضول الثقافي بحد ذاته يمثل خطوة مهمة نحو بناء معرفة متبادلة أكثر عمقاً، فالخوف يبدأ غالباً من الجهل، أما المعرفة فتفتح الباب أمام الاحترام.
ولهذا، فإن أي مشروع يسعى إلى التقارب الحقيقي بين الشعوب، لا يمكن أن يتجاهل أهمية اللغة بوصفها جسراً إنسانياً وثقافياً بالغ التأثير.
وقد يكون أجمل ما في العلاقة بين العربية والكردية، أنها لم تُبنَ فقط في المؤسسات الرسمية أو الكتب الأكاديمية، بل تشكلت أساساً في الحياة اليومية البسيطة، في الجيرة، والعمل، والأسواق، والأغاني، والحكايات، وحتى في تفاصيل المزاح الشعبي العابر، وهذا النوع من العلاقات العفوية، هو غالباً الأكثر صدقاً والأكثر قدرة على البقاء.



















محكمة الجنايات الكويتية : الحبس المؤبد لسبعة متهمين في صندوق الموانئ الاستثماري
محافظ القليوبية ومدير الأمن يتابعان ميدانياً جهود السيطرة على حريق مخازن ”أبو...
وفاة السائق وإصابة وليد الريس بحادث سير على طريق السلوم
بائع فاكهة يقتل شاب عاتبة لمعاكسة خطيبتة بالشارع
مبروك للبطلة خدبجة أيمن عبدالجواد
محكمة الجنايات الكويتية : الحبس المؤبد لسبعة متهمين في صندوق الموانئ الاستثماري