الثلاثاء 19 مايو 2026 05:23 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

الفنان التشكيلى حسين برجاس يكتب: الموسيقى والفنون تكسر الحواجز وتبني المشاعر المشتركة

الفنان التشكيلى حسين بىجاس
الفنان التشكيلى حسين بىجاس

في أوقات كثيرة، تفشل السياسة في تحقيق ما تنجح به أغنية، وقد تعجز الخطب الطويلة عن بناء مساحة التفاهم التي تصنعها أحياناً آلة موسيقية، أو لحن شعبي بسيط، أو صوت يحمل وجع الناس وفرحهم في الوقت نفسه.

ولهذا، لم يكن غريباً أن تتحول الموسيقى عبر التاريخ إلى واحدة من أكثر المساحات قدرة على كسر الحواجز بين الشعوب، لأنها تخاطب الإنسان مباشرة، دون الحاجة إلى ترجمة أو شعارات أو تفسيرات معقدة.

وفي العلاقة العربية–الكردية تحديداً، تبدو الموسيقى مساحة استثنائية للتقارب والتشابه، حتى إن كثيراً من الألحان والإيقاعات والتراث الغنائي الشعبي يكاد يتداخل بصورة تجعل من الصعب أحياناً الفصل بين ما هو كردي وما هو عربي، خصوصاً في المناطق التي عاشت فيها المجتمعات متجاورة لعقود طويلة.

هذه الحقيقة كانت واحدة من الزوايا التي حاولت حملة «تكامل… عرب وكرد… مصير مشترك»، التابعة لـ شبكة الاستشراف الدولية للدراسات والاستشارات والاعلام، تسليط الضوء عليها عبر عدد من المواد الثقافية والفنية التي نُشرت خلال الأشهر الماضية على منصاتها المختلفة.

فالحديث عن العلاقات بين الشعوب لا يجب أن يبقى حبيس السياسة وحدها، لأن الفن غالباً ما يكون أكثر صدقاً في التعبير عن طبيعة تلك العلاقات.

ومن يتأمل الموسيقى الكردية جيداً، سيكتشف سريعًا أنها تحمل الكثير من الروح الشرقية المشتركة التي يعرفها المستمع العربي.
الحزن ذاته، والحنين ذاته، والاحتفاء بالأرض والحب والحرية والكرامة، وحتى طريقة الغناء التي تميل أحياناً إلى الشجن الطويل، تشبه إلى حد بعيد ما نجده في أجزاء واسعة من التراث العربي الشعبي.

ولعل ما يمنح الموسيقى الكردية خصوصيتها أيضاً، أنها بقيت مرتبطة بالناس وبالحياة اليومية، ولم تنفصل عن البيئة والهوية والذاكرة الجمعية، فهي موسيقى تحمل رائحة الجبال والقرى والمواسم والهجرات والأعراس والقصص القديمة، تماماً كما هو الحال في كثير من البيئات العربية.

وعبر التاريخ، لعب الفنانون والموسيقيون دوراً مهماً في بناء مساحات غير معلنة من التواصل بين العرب والكرد، حتى في الفترات التي كانت فيها السياسة أكثر توتراً وانغلاقاً، فالفنان لا يتحرك بعقلية الحدود الصلبة، بل بعقلية المشاعر المشتركة.

وربما لهذا السبب تحديداً، تجد أن الأغاني الكردية كثيرًا ما تحظى بتفاعل عربي، حتى عندما لا يفهم المستمع الكلمات كاملة، لأن الإحساس يصل قبل اللغة.

كما أن عدداً من الفنانين الكرد تركوا تأثيراً واضحاً داخل المشهد الفني العربي، سواء عبر الغناء أو التلحين أو العزف أو حتى من خلال إعادة إنتاج الفلكلور المشترك بصيغ حديثة ومعاصرة.

ومن المهم هنا ألا ننظر إلى الموسيقى باعتبارها مجرد وسيلة ترفيه، بل بوصفها جزءاً من القوة الناعمة القادرة على إعادة تشكيل الصور الذهنية بين الشعوب، فالإنسان الذي يسمع موسيقى الآخر، ويرقص على إيقاعه، ويشعر بقرب وجداني منه، يصبح أقل قابلية لتصديق خطاب الكراهية ضده.

وهذه النقطة تحديداً تبدو شديدة الأهمية في منطقة عاشت سنوات طويلة من التوترات والانقسامات والحروب الإعلامية والسياسية.

لقد أدركت حملة «تكامل» منذ بدايتها أن بناء التقارب العربي–الكردي لا يتحقق فقط عبر المقالات السياسية أو النقاشات الفكرية، بل يحتاج أيضاً إلى إعادة اكتشاف المساحات الإنسانية المشتركة، وفي مقدمتها الموسيقى والفن.

ولهذا، ركزت بعض المواد التي قدمتها الحملة على التعريف بالموروث الموسيقي الكردي، وعلى إبراز أوجه التشابه مع التراث العربي، وعلى تقديم الفن بوصفه لغة جامعة لا أداة انقسام.

والواقع أن المجتمعات التي تنجح في تبادل فنونها وثقافاتها، تكون أكثر قدرة على بناء علاقات مستقرة وطويلة الأمد، لأن الفن يخلق نوعاً من الألفة النفسية التي يصعب أن تصنعها السياسة وحدها.

وفي الشرق عموماً، لم تكن الموسيقى يومًا مجرد تفصيل هامشي، بل كانت دائماً جزءاً من الهوية، ومن الحكاية الجماعية للناس، ومن طريقتهم في مقاومة الألم والتعبير عن الأمل.

لذلك، حين نستمع اليوم إلى موسيقى عربية وكردية تتجاور في مهرجان، أو أمسية، أو حتى على منصات التواصل الاجتماعي، فنحن لا نشاهد مجرد أداء فني، بل نشاهد احتمالاً حقيقياً لبناء مساحة تفاهم أوسع بين شعبين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والكثير من التفاصيل الإنسانية العميقة، وربما لهذا السبب، تبدو الموسيقى أحياناً أكثر حكمة من السياسة نفسها.

العرب/الكرد