السبت 9 مايو 2026 08:08 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

د : محمود ابوعميرة يكتب ملحمة الفداء العظيم .. جعلت من الألم طريقًا إلى الرحمة.

النهار نيوز


في واحدةٍ من أعظم القصص التي خلدها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، تتجلى ملحمة الفداء العظيم لسيدنا إبراهيم وابنه سيدنا إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، كأنموذجٍ خالدٍ للطاعة والإيمان والتضحية، إنها ليست مجرد حادثة تاريخية، بل هي رسالة متجددة تحمل في طياتها أسمى معاني التسليم لأمر الله، والثقة المطلقة بحكمته.
لقد رأى سيدنا إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل ورؤيا الأنبياء حق، فكان هذا الابتلاء من أشد ما يمكن أن يواجهه قلب أبٍ رحيم، لكنه نبيٌّ اصطفاه الله، فاستجاب للأمر دون تردد، قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ الصافات: 102
وهنا تتجلى عظمة الابن كما تجلت عظمة الأب، إذ لم يكن إسماعيل عليه السلام أقل طاعة ولا إيمانًا، بل قال بكل تسليم: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، إنها لحظة تتجسد فيها قمة البر والطاعة، ليس فقط للأب، بل لله رب العالمين.
وعندما امتثل إبراهيم للأمر، جاء الفرج من الله، وفداه بذبحٍ عظيم، ليبقى هذا الحدث رمزًا خالدًا للتضحية والفداء، قال تعالى:﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ الصافات: 107
وقد خلد الإسلام هذه الذكرى العظيمة في شعيرة عيد الأضحى المبارك، الذي يأتي متزامنًا مع أعظم مناسك الحج، ليجدد في نفوس الناس معاني البذل والتقرب إلى الله، ففي كل عام يحيي الناس هذه السنة بذبح الأضاحي اقتداءً بسيدنا إبراهيم وتعبيرًا عن الطاعة والاستسلام لأمر الله.
وقد ورد في السنة النبوية ما يعظم شأن هذه الشعيرة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إهراق الدم” وهو دليل على مكانة هذه العبادة وأثرها العظيم، وبذلك لم تعد قصة الفداء العظيم مجرد ذكرى، بل هي مدرسة أخلاقية متكاملة، تعلمنا: الصبر عند الابتلاء والطاعة المطلقة لأوامر الله والتضحية في سبيله والثقة برحمته ولطفه سبحانه وتعالى.
لقد جسّد سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام أسمى معاني الإيمان، فاستحقا أن يُخلَّدا في وجدان البشرية، وأن تبقى قصتهما نورًا يهدي القلوب عبر الزمان، ففي كل عيد أضحى ومع كل تكبيرة، تعود هذه القصة لتنبض في القلوب وتذكّرنا بأن وراء كل ابتلاء حكمة، وأن مع كل تضحية فرجًا، وأن طاعة الله هي الطريق الأسمى للفلاح في الدنيا والآخرة.