الأحد 26 أبريل 2026 08:54 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

د :محمود ابوعميرة يكتب أيها العنقود هيا .. ندخلُ التاريخَ هيا لم نكن نحلمُ يوماً .. أننا نلقى النَّبيَّا.

النهار نيوز


في لحظةٍ من أكثر لحظات الألم الإنساني قسوة، حين اجتمعت قسوةُ الأرض مع قسوة القلوب وضاقت الأرض بما رحبت، وقف النبي الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالطائف وقد أثخنته الجراح، جراح الجسد والقلب الذي جاء رحمةً للعالمين فقوبل بالقسوة والجفاء، وقف مثقلاً بما لا تتحمله الجبال؛ دمٌ يسيل من قدميه، وحجارةٌ تُلاحقه، وصبيةٌ يسخرون من دعوته، لكنّ العجب كل العجب، أن هذا المشهد الذي بدا للعين هزيمة، كان في ميزان السماء قمةً في النصر الإنساني، حيث انتصرت الرحمة على الألم، وانتصر الصفح على الجراح، فتجلّت عظمة لم يعرفها التاريخ لغيره، عظمة إنسانٍ يواجه الأذى بالدعاء، والخذلان بالأمل، والقسوة بالرحمة.
لم يكن الطائف مجرد محطة ألم، بل كان مرآةً أظهرت جوهر النبوة الصافي، حين سال الدم من قدميه الشريفتين في لحظةٍ يظنها البشر نهاية الطريق، لم يخرج من شفتيه إلا دعاء يفيض رحمة: أن يهدي الله هؤلاء القوم، أو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده، أي قلبٍ هذا الذي يسمو فوق الجراح؟ وأي روحٍ تلك التي ترى في الأذى بذور الهداية، وتُضيء حين تنطفئ كل المصابيح؟ وأي إنسانٍ هذا الذي يظل إنساناً في أقسى ما يكون البشر؟
وفي هذا المشهد المغمور بالحزن، كأن الرحمة تأبى إلا أن تُزهر في صخور الطائف، ويشرق نورٌ الأمل حاملا دلالة عظيمة ويظهر فتىً صغير اسمه عدّاس يحمل عنقود عنب لا يدري أنه يحمل معه لحظة خالدة ستدخل التاريخ من أوسع أبوابه، و تُخلّد اسمه طوال الزمان، ولم يعرف هذا العنقود الصغير أنه سيغدو ايضا رمزاً لعناق الارض مع السماء، اقترب عداس وقد رأى في وجه النبي صلى الله عليه وسلم نوراً لم تألفه عيناه من قبل، نوراً انعكس فيه صفاء السماء وسكينة الأرض.
وهنا تتجلى الصورة التي أبدعها الشاعر عبد المعطي الدالاتي في تصوير المشهد، فيمنح العنقود روحاً تجعل منه كائناً نابضاً بالشوق، يكاد يعي عظمة اللحظة، ويمنح اللحظة جناحين من نور- قائلا: كان عنقوداً ندياً .. رائعَ الحبّ شهياً، قد تحلّى وتدلّى .. مشرقاً مثل الثريا، لم يكن يحسب يوماً .. أن يكون القطف شياً، غير عنقودٍ سيُجنى .. ثم يُطوى الذكر طيّا.
لكن كيف يُطوى الذكر، وقد كُتب له أن يلامس يد النبوة؟ كيف يكون عادياً، وقد صار جسراً بين قلبٍ جريح ونورٍ لا ينطفئ؟ هكذا تصنع الأقدار من البسيط عظيما، ومن اللحظة العابرة خلوداً، فيتحول العنقود إلى رمز شاهدا على عظمة النبوة وعلى روعة النبي الانسان.
ثم يستطردُ الشاعر قائلًا ... قال عدّاس الكريم .. أيها القطف إليّا، زارنا ضيفٌ عظيم .. وجهه طلقاً محيّا، قم بنا نسعى إليه .. نرتوي بالنور ريّا، أيها العنقود هيا .. ندخل التاريخ هيا، لم نكن نحلم يوماً .. أننا نلقى النبيا.
يا له من نداءٍ يفيض شوقاً! كأن الكون كله ينهض مع هذا الصوت: عنقودٌ يتحرك، وقلبٌ ينبض، وزمنٌ يتوقف، ليشهد لحظة اللقاء، لم يعد العنقود طعاماً، بل صار قصة رحمة، وصار عدّاس شاهداً على أن النور يُرى بالبصيرة قبل البصر.
ويا له من نداءٍ تتردد أصداؤه عبر القرون! كأن الكون كله يُدعى ليدخل هذا المشهد: عنقود، فتى، نبي، وسماء مفتوحة على الرحمة، فلم يعد العنقود عنقوداً، بل صار قصة، وصار عدّاس شاهداً، وصار اللقاء درساً خالداً في إنسانية هذا النبي العظيم.
وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من أن يُعرّف، وأوسع من أن تُحيط به الكلمات حيث جمع في شخصه الكريم صفاتٍ لو اجتمعت في العالم لكفته: الرحمة التي وسعت العدو قبل الصديق، الحلم الذي يطفئ نار الجهل، الصبر الذي يعلو فوق الجبال، والتواضع الذي يجعل العظيم أقرب إلى القلوب من النفس.
كان النبي صلى الله عليه وسلم معجزةً تمشي على الأرض، لا في خرق قوانين الطبيعة، بل في إحياء قوانين الإنسانية، كان إذا نظر، نظر بعين الرحمة، وإذا تكلم، خرجت من كلماته ينابيع الحكمة، وإذا صبر، صار الصبر عنده خلقاً جميلاً يعلّم العالم كيف يسمو فوق الألم.
وفي قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾، ولم تكن رحمته شعاراً، بل كانت حياةً تمشي على الأرض، فكان صلى الله عليه وسلم مع الطفل أباً حنوناً، ومع الفقير أخاً كريماً، ومع المخطئ معلماً رفيقاً، ومع أعدائه إنساناً يدعو لا يدين.
ففي الطائف، لم يكن المشهد مجرد إيذاء نبي، بل كان درساً خالداً: أن الإنسانية الحقة لا تُقاس بما يُعطى الإنسان، بل بما يعطيه وهو مجروح، ومن هنا نفهم لماذا صار الرسول عليه الصلاة والسلام قدوةً خالدة لأنه لم يكن مثالاً للكمال البعيد، بل مثالاً للرحمة الممكنة تلك الرحمة التي رفضت أن يكون الألم سبباً للقسوة، واختارت أن يظل قلبه مفتوحاً للإنسان، مهما بلغ أذاه.
أيها العنقود… يا رمز اللحظة التي انتصرت فيها البساطة على القسوة، يا شاهد اللقاء الذي جمع بين ألم الأرض ونور السماء، لقد دخلت التاريخ لأنك اقتربت من قلبٍ هو أرحم قلب عرفته البشرية، ولم تكن شاهداً على لحظة عابرة، بل على ولادة معنى جديد للإنسانية، وأنت يا عدّاس، لم تكن مجرد فتىً قدم عنباً، بل كنت أول من ارتوى من نور تلك الرحمة في ذلك المكان القاسي.
ويا رسول الله.. يا أكمل وأجمل الخلق، يا من كنت رحمةً تمشي، وسكينةً تتنفس، ونوراً لا يغيب، سيبقى اسمك في القلوب قبل الكتب، وفي الأرواح قبل السطور، لأنك علمت العالم أن الإنسان يمكن أن يكون معجزة… إذا امتلأ قلبه حباً، وامتلأت روحه رحمة.
وهكذا يبقى النبي الكريم صلى عليه وسلم قصة النور التي لا تنطفئ، وسيرة العطر التي لا تزول، والرحمة التي تعلّم العالم على مرّ الزمان كيف يكون الإنسان إنساناً.
أيها العنقود هيا…فما زال التاريخ مفتوحاً لمن يسير على خطى الرحمة، وما زال النور ممتداً…من تلك اللحظة… إلى آخر الزمان.