السبت 14 فبراير 2026 11:35 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

مصطفى تشيفتشي — دفعة لعصر جديد لتركيا ومصر والعالم العربي

النهار نيوز

بقلم المفكر د.منصور مالك

في التاريخ الحديث لتركيا، قلّة من القادة تركوا أثرًا عميقًا وتحويليًا كما فعل الرئيس رجب طيب أردوغان حين تولّى القيادة الوطنية لأول مرة، كانت تركيا تُوصَف كثيرًا بأنها دولة هشّة اقتصاديًا، مضطربة سياسيًا، ومحدودة استراتيجيًا. أمّا اليوم فهي قوة إقليمية مؤثرة — فاعلة دبلوماسيًا، مرِنة اقتصاديًا، وحاضرة بقوة على الساحة الاستراتيجية.

في عهده، استثمرت تركيا بقوة في البنية التحتية، والصحة، والنقل، والطاقة، والصناعات الدفاعية الوطنية، وأصبحت المطارات الضخمة، والجسور العملاقة، وخطوط القطارات السريعة، وممرات الطاقة رموزًا ليس للنمو الاقتصادي فحسب، بل للثقة الوطنية أيضًا. كما نضج قطاع الدفاع بصورة ملحوظة، فعزّز السيادة وقلّص الاعتماد الخارجي.

غير أنّ قيادة أردوغان لم تكن يومًا مقتصرة على التنمية المادية وحدها، فقد ركّزت رؤيته باستمرار على الوعي الحضاري — تركيا المدركة لعمقها العثماني، وإرثها الإسلامي، وإطارها الجمهوري، وتمحورت رسالته حول الكرامة الوطنية، والانخراط العالمي، والاستقلال الاستراتيجي.

والقيادة الحقيقية تُقاس أيضًا بالقدرة على اختيار الشخصيات الكفؤة والمبدئية للمناصب الحساسة. ويعكس تعيين وزير الداخلية الجديد هذا الامتداد للجدّية والرؤية بعيدة المدى.

إن مسيرة مصطفى تشيفتشي إلى منصب وزير الداخلية ليست صعودًا سياسيًا مفاجئًا، بل ثمرة عقود من الخدمة المدنية المنضبطة والمخلصة.

وُلد في ولاية قونية، وتخرّج في كلية العلوم السياسية بجامعة أنقرة، إحدى أعرق المؤسسات في مجال الإدارة العامة في تركيا. ثم واصل دراساته العليا في العلوم السياسية والإدارة العامة، وأتمّ كذلك دراسةً أكاديمية في العلوم الشرعية. هذا الجمع النادر بين التخصصات يعكس عمقًا فكريًا وأساسًا أخلاقيًا متينًا.

بدأ مسيرته في الميدان (حاكمًا إداريًا لمنطقة)، فاكتسب خبرة مباشرة في إدارة الأزمات، وحفظ النظام العام، وقيادة المجتمع. ثم تولّى مناصب رفيعة في الإدارة المركزية، قبل أن يُعيَّن واليًا على ولايتي تشوروم وأرضروم. وتتطلب هذه المناصب تنسيق الأجهزة الأمنية، وإدارة المؤسسات المدنية، والاستجابة للكوارث، والإشراف على الخدمات الاجتماعية — وهي مسؤوليات تحتاج إلى هدوءٍ وحزمٍ وعدل.

وأبرز ما يميّزه أنه حافظٌ للقرآن الكريم — أي أنه أتمّ حفظ كتاب الله كاملًا، وفي التقليد الإسلامي يُعدّ ذلك تاجًا روحيًا. إن حمل القرآن في القلب، مع حمل مسؤولية أمن الدولة على الكتفين، هو جمعٌ نادر وعميق. وهو يدلّ على كفاءة إدارية، وانضباط داخلي، ووعي أخلاقي، وشعور بالمسؤولية.

تُعدّ وزارة الداخلية من أكثر مؤسسات الدولة حساسيةً واستراتيجية. فهي تشرف على الأمن الداخلي، وأجهزة إنفاذ القانون، وإدارة الهجرة، وتنسيق الكوارث، والإدارات المحلية. ومن هنا يبدأ الاستقرار وثقة المجتمع.

بفضل خلفيته الإدارية الواسعة، وخبرته في الولايات، وتكوينه الروحي، فإن مصطفى تشيفتشي مؤهّل لتعزيز الأمن العام بالحكمة والحزم. ويمكن لعهده أن يجعل تركيا من أكثر الدول أمانًا للعيش والعمل والاستثمار وتربية الأسرة — دولة يُحترم فيها القانون، ويُصان فيها النظام، ويشعر المواطن فيها بالأمان في حياته اليومية.

فالأمن ليس مجرد غياب الجريمة، بل هو حضور الثقة. هو اطمئنان الأسر في شوارعها، وثقة المستثمرين في أموالهم، وطمأنينة الطلاب في دراستهم، وحرية الزائرين في استكشاف البلاد بلا خوف. إن تركيا الآمنة تعزّز اقتصادها، وترفع صورتها العالمية، وتعمّق انسجامها الاجتماعي.

وبالنظر إلى المستقبل، تبرز فرص استراتيجية لتعزيز الدور العالمي لتركيا. ومن المقترحات البنّاءة النظر في تسهيل منح تأشيرات زيارة سنوية أو طويلة الأمد لمواطني المملكة المتحدة، والدول الأوروبية، والولايات المتحدة، ودول الخليج العربي.

ومن شأن هذه السياسة أن:

• تعزّز السياحة والإقامات الطويلة

• تشجّع الاستثمار والتطوير العقاري

• توسّع الشراكات التعليمية والثقافية

• تزيد من تدفّق العملات الأجنبية

وفوق المكاسب الاقتصادية، ستفتح هذه الخطوة بابًا ذا معنى لمجتمع محبّي ومحقّقي جلال الدين الرومي حول العالم، فقونية، حيث مرقد مولانا جلال الدين الرومي، تستقطب الباحثين والطلاب والرحّالة الروحيين من مختلف البلدان. وتسهيل الإقامات الطويلة يتيح البحث الجاد، والدراسة العميقة، والانغماس الثقافي، مما يعزّز مكانة تركيا جسرًا بين الحضارات.

فقونية ليست مجرد مدينة، بل مركز جذب روحي لملايين البشر. وتشجيع التفاعل الممتد يثري الزائرين والوطن معًا.

الرؤية والاستمرارية

لقد جمعت قيادة الرئيس أردوغان دائمًا بين الطموح والإصلاح الهيكلي. واختياره لمصطفى تشيفتشي يعكس استمرارية في الحوكمة المنضبطة القائمة على الخبرة والقيم.

وفي ظل التوازن والقوة والانفتاح، يمكن للسنوات المقبلة أن تعمّق استقرار تركيا، وتعزّز أمنها، وتوسّع حيويتها الاقتصادية، وتقوّي تأثيرها الثقافي.

فالأمم ترتقي حين تُوجَّه القوة بالمبدأ. وبالجمع بين الخبرة الإدارية والعمق الروحي، يحمل وزير الداخلية الجديد مسؤوليةً وفرصةً معًا — لحماية الوطن، والمساهمة في صياغة مستقبل تقف فيه تركيا آمنةً، موقّرةً، وواثقةً على المسرح العالمي.