جودة أبو النور يكتب: بشرى حجيج.. المغربية التي اعتلت قمة القيادة الرياضية في أفريقيا والعالم


من ملاعب الكرة الطائرة إلى مواقع صناعة القرار في المؤسسات الرياضية القارية والدولية، قطعت المغربية
بشرى حجيج رحلة استثنائية امتدت لأكثر من أربعة عقود، جمعت خلالها بين ممارسة الرياضة والعمل الإداري والتأهيل الأكاديمي، حتى أصبحت واحدة من أبرز القيادات النسائية في الحركة الرياضية العالمية، ونجحت في تحقيق إنجاز جديد بفوزها برئاسة الاتحادات الرياضية الأفريقية الأولمبية، خلال الجمعية العمومية التي عقدت اليوم الجمعة في العاصمة السنغالية داكار.
ويأتي هذا الفوز تتويجا لمسيرة حافلة بالإنجازات والمناصب، فلم تعد حجيج مجرد رئيسة للجامعة الملكية المغربية للكرة الطائرة أو قائدة للاتحاد الأفريقي للعبة، وإنما أصبحت شخصية رياضية تمتلك حضورا مؤثرا في المؤسسات الرياضية المغربية والأفريقية والعربية والدولية، حيث تتولى أيضا منصب نائبة رئيس الاتحاد الدولي للكرة الطائرة، ونائبة رئيس الاتحاد العربي للكرة الطائرة.
وتحمل تجربتها دلالات تتجاوز حدود الإنجاز الشخصي، فهي تعكس الحضور المتنامي للمرأة المغربية في مواقع القيادة، والاستفادة من المناخ الذي وفرته التوجهات الملكية لجلالة الملك محمد السادس، لدعم المرأة وتعزيز مشاركتها في مختلف المجالات، وفي مقدمتها الرياضة، سواء على مستوى الممارسة والتنافس أو في مواقع المسؤولية والإدارة وصناعة القرار.
من الملاعب إلى الإدارة
بدأت علاقة بشرى حجيج بالرياضة في سن مبكرة، عندما اختارت الكرة الطائرة طريقا لها، وبدأت ممارسة اللعبة في نادي المكناسي، قبل أن تنتقل إلى عدد من الأندية المغربية، من بينها الجيش الملكي والفتح الرباطي ونادي القرض الفلاحي، لتصل إلى المنتخب الوطني المغربي للسيدات، الذي دافعت عن ألوانه خلال الفترة من 1986 إلى 2002.
وكانت تجربة المنتخب الوطني محطة أساسية في تكوين شخصيتها الرياضية، حيث اكتسبت خبرات المنافسة والاحتكاك الدولي، وتعرفت عن قرب على متطلبات اللعبة وتحدياتها، قبل أن تنهي مشوارها كلاعبة عقب مشاركتها في دورة الألعاب الفرانكوفونية عام 2002 بكندا، لتبدأ مرحلة جديدة انتقلت خلالها من أرض الملعب إلى العمل الإداري.
ولم تعتمد حجيج على خبرتها كلاعبة فقط، بل اهتمت بالتأهيل العلمي والإداري، فحصلت على دبلوم التربية الرياضية من المعهد الملكي لتكوين أطر الشباب والرياضة بالرباط، كما درست إدارة الموارد البشرية، وحصلت عام 2013 على درجة الماجستير في إدارة الرياضة من المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات بالمغرب.
وامتدت خبرتها المهنية إلى القطاع المصرفي، حيث عملت في إدارة الموارد البشرية ببنك المغرب منذ عام 1999، وهو ما أضاف إلى تجربتها بعدا إداريا ومؤسسيا، وساعدها على الجمع بين المعرفة الرياضية ومتطلبات الإدارة الحديثة.
2014.. بداية رحلة القيادة
شكل عام 2014 نقطة تحول رئيسية في مسيرتها، عندما انتخبت رئيسة للجامعة الملكية المغربية للكرة الطائرة، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل على تطوير اللعبة داخل المغرب، وتوسيع قاعدة الممارسة، والاهتمام بتكوين اللاعبين والمدربين والحكام، وتعزيز حضور الكرة الطائرة المغربية في المنافسات القارية والدولية.
ولم يكن توليها هذا المنصب نهاية الطموح، بل بداية رحلة أوسع، ففي عام 2015 انضمت إلى المكتب التنفيذي للاتحاد الأفريقي للكرة الطائرة، وبدأت العمل على الملفات القارية، قبل أن تحقق إنجازا تاريخيا في أكتوبر 2020 بانتخابها رئيسة للاتحاد الأفريقي للكرة الطائرة، لتصبح أول امرأة تتولى قيادة المؤسسة القارية منذ تأسيسها عام 1972.
وحصلت حجيج على 42 صوتا من أصل 54 اتحادا وطنيا في الانتخابات، متفوقة على الرئيس السابق عمرو علواني، في نتيجة عكست الثقة التي حظيت بها من الاتحادات الأفريقية، وفتحت أمامها مرحلة جديدة من المسؤولية عن تطوير اللعبة في قارة تضم 54 اتحادا وطنيا.
وكانت حجيج واضحة في التعبير عن دلالات هذا الإنجاز، إذ اعتبرت انتخابها تكريما للمرأة المغربية والرياضة الوطنية، وربطت نجاحها بالمكانة التي يحتلها المغرب على المستوى الأفريقي في ظل قيادة جلالة الملك محمد السادس.
ولم يقتصر الدعم الملكي على التوجهات العامة، بل امتد إلى اهتمام مباشر بإنجازها، حيث بعث جلالة الملك محمد السادس برسالة تهنئة إليها عقب انتخابها رئيسة للاتحاد الأفريقي للكرة الطائرة عام 2020، مؤكدا أن هذا الفوز يشرف المرأة المغربية، ويعكس الثقة في كفاءتها المهنية وجهودها المتواصلة لتطوير اللعبة على المستويين الوطني والقاري.
المرأة المغربية.. دعم ملكي يفتح أبواب القيادة
تؤكد مسيرة بشرى حجيج أهمية الدعم الذي حظيت به المرأة المغربية في عهد جلالة الملك محمد السادس، والذي لم يقتصر على تشجيع مشاركتها في الحياة العامة، وإنما امتد إلى تعزيز حضورها في مواقع المسؤولية، وتوسيع فرصها في القيادة والعمل المؤسسي، بما في ذلك المجال الرياضي الذي ظل لسنوات طويلة حكرا على الرجال في كثير من مواقع صنع القرار.
وقد أولى جلالة الملك اهتماما واضحا بتوسيع قاعدة ممارسة الرياضة بين النساء والرجال، وأكد في رسالته إلى المشاركين في المناظرة الوطنية للرياضة بالصخيرات ضرورة إتاحة ممارسة الرياضة أمام جميع فئات المجتمع دون تمييز، مع الاهتمام بصورة خاصة بالشباب والفتيات، باعتبار الرياضة رافدا أساسيا للتنمية البشرية والإدماج الاجتماعي.
وتحرص بشرى حجيج في مناسباتها وتصريحاتها على التأكيد أن ما وصلت إليه المرأة المغربية من مواقع متقدمة في الرياضة لم يكن بمعزل عن هذا الدعم الملكي، الذي أسهم في تعزيز الثقة في قدرات المرأة، وفتح المجال أمامها لإثبات كفاءتها في إدارة المؤسسات الرياضية وتمثيل المغرب في المحافل الدولية.
وتعتبر حجيج أن نجاح المرأة المغربية في الوصول إلى مواقع القيادة لا يمثل مكسبا فرديا، وإنما يعكس صورة المرأة المغربية وقدرتها على تحمل المسؤولية والمنافسة والنجاح، كما ترى أن القيادات النسائية المغربية أصبحت قادرة على تمثيل بلادها والمساهمة في تطوير الرياضة على المستويين القاري والدولي.
ويبدو هذا المعنى واضحا في تجربتها الشخصية، فقد انتقلت من ممارسة الكرة الطائرة إلى رئاسة اتحاد وطني، ثم قيادة اتحاد قاري، والوصول إلى منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي، في مسار يعكس اتساع مساحة مشاركة المرأة المغربية في المؤسسات الرياضية الدولية.
حضور دولي يتجاوز حدود الكرة الطائرة
امتد نجاح حجيج إلى الاتحاد الدولي للكرة الطائرة، حيث أصبحت أول امرأة أفريقية تنتخب عضوا في مجلس إدارته عام 2016، قبل أن تتولى منصب نائبة الرئيس، وتشارك في عدد من الملفات المرتبطة بتطوير اللعبة وتعزيز انتشارها عالميا.
كما عززت حضورها في الحركة الأولمبية من خلال عضويتها في لجنة المساواة التابعة لاتحاد اللجان الأولمبية الوطنية الأفريقية، ولجنة الثقافة والتراث الأولمبي باللجنة الأولمبية الدولية، لتصبح جزءا من دوائر العمل المعنية بتعزيز مشاركة المرأة وتطوير الإدارة الرياضية.
وعلى المستوى العربي، تولت منصب نائبة رئيس الاتحاد العربي للكرة الطائرة، لتجمع بين مواقع قيادية في المؤسسات الرياضية المغربية والأفريقية والعربية والدولية، وهو ما منحها خبرة واسعة في التعامل مع الملفات الرياضية متعددة المستويات.
وخلال رئاستها للاتحاد الأفريقي للكرة الطائرة، ارتبط عملها بملفات تطوير الحوكمة الإدارية، وتعزيز الشفافية، وتوسيع برامج التدريب والتأهيل، والاهتمام بمسابقات الفئات السنية والكرة الطائرة النسائية، إلى جانب دعم الاتحادات الوطنية وتوسيع فرص التعاون بينها.
تكريمات وجوائز.. اعتراف بمسيرة الإنجاز
لم تمر مسيرة بشرى حجيج دون تقدير، فقد حظيت بعدد من التكريمات والجوائز التي عكست الاعتراف بإسهاماتها في تطوير الرياضة وتعزيز مشاركة المرأة في المؤسسات الرياضية.
وكان من أبرز هذه التكريمات حصولها عام 2018 على دبلوم الاستحقاق «المرأة والرياضة» من اللجنة الأولمبية الدولية، تقديرا لمساهمتها في تعزيز ممارسة النساء والفتيات للرياضة، ودعم قضايا المرأة والمساواة في المجال الرياضي.
وفي نوفمبر 2024، توجت بواحد من أبرز أوسمتها الرياضية، بعدما حصلت على أعلى وسام استحقاق من الاتحاد الدولي للكرة الطائرة، خلال المؤتمر الدولي الذي استضافته مدينة بورتو البرتغالية، تقديرا لجهودها في تطوير اللعبة على المستويات المغربية والأفريقية والعربية والدولية.
كما حصلت في يونيو 2022 على رتبة ضابط في الوسام الوطني لتشاد، تقديرا لدورها في دعم الرياضة التشادية ومساندة جهود تطوير الكرة الطائرة في البلاد.
وفي نوفمبر 2025، حظيت بتكريم من اتحاد اللجان الأولمبية الوطنية الأفريقية خلال حفل أقيم في بوروندي، تقديرا لإسهاماتها في خدمة الرياضة الأفريقية، كما اختيرت ضمن قائمة أكثر 50 امرأة أفريقية تأثيرا في الرياضة لعام 2025، التي تنظمها مجموعة مشروعات الرياضة الأفريقية، اعترافا بدورها في القيادة الرياضية وتعزيز حضور المرأة في مواقع صنع القرار.
وتكشف هذه التكريمات عن تنوع مجالات تأثيرها، فلم تقتصر على إدارة لعبة رياضية، وإنما امتدت إلى دعم المرأة والشباب، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الرياضية، والمساهمة في تطوير الحركة الرياضية الأفريقية.
داكار.. محطة جديدة في مسيرة النجاح
جاء الفوز برئاسة الاتحادات الرياضية الأفريقية الأولمبية في داكار ليضيف فصلا جديدا إلى مسيرة حجيج، ويضعها أمام مسؤولية أكبر تتجاوز حدود الكرة الطائرة إلى مختلف الاتحادات الرياضية الأولمبية في القارة.
فالمنصب الجديد يمنحها مساحة أوسع للعمل على تعزيز التعاون بين الاتحادات الأفريقية، وتنسيق الجهود لتطوير الرياضة، والدفاع عن مصالح القارة داخل المؤسسات الدولية، إلى جانب الاهتمام بتوفير فرص أفضل للرياضيين الأفارقة، وتوسيع قاعدة المشاركة في المنافسات الأولمبية والعالمية.
ويأتي هذا الفوز في وقت تستضيف فيه السنغال دورة الألعاب الأولمبية للشباب داكار 2026، في حدث يمثل محطة تاريخية للرياضة الأفريقية، ويعزز أهمية التعاون بين القيادات الرياضية والمؤسسات القارية والدولية.
وهكذا، فإن رحلة بشرى حجيج لم تكن مجرد قصة لاعبة سابقة نجحت في الوصول إلى مناصب إدارية، بل تجربة امتدت من الملاعب المغربية إلى قيادة الكرة الطائرة الأفريقية، ثم إلى مواقع المسؤولية في الاتحادين الدولي والعربي، وصولا إلى رئاسة الاتحادات الرياضية الأفريقية الأولمبية.
إنها مسيرة تعكس تلاقي الطموح الشخصي والتأهيل العلمي والخبرة العملية مع الفرص التي أتاحها تطور حضور المرأة المغربية في المجال الرياضي، والدعم الذي تحظى به من جلالة الملك محمد السادس، لتصبح بشرى حجيج واحدة من الوجوه النسائية البارزة في قيادة الرياضة الأفريقية، وعنوانا جديدا للحضور المغربي في دوائر صناعة القرار الرياضي على مستوى العالم.



















حريق هائل بارض فضاء بها تشوينات لمصنع كرتون بالسادات.. والمحافظ تمت السيطرة...
العميد تامر يسري: السيطرة على حريق بشركة اخشاب بالمنطقة الصناعية
المحكمة الاقتصادية تقضي بالحبس 10 سنوات للمتهمين في قضية توظيف أموال بمليار...
محافظ سوهاج يحيل واقعة مصرع 3 أشخاص داخل بيارة صرف صحي بجرجا...
شكر واجب
محافظ المنوفية يلتقي رئيس هيئة الاسعاف لبحث سبل التعاون المشترك ودراسة الخطط...
علي مدار 3 أيام من العمل .. محافظ المنوفية يتابع جهود الوحدات...