الإثنين 5 أكتوبر 2026 04:46 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

6 أكتوبر.. اليوم الذي انتصر فيه الدم على الأسطورة.. واستشهد فيه صانع النصر

النهار نيوز

بقلم / المستشار الدكتور صلاح الديب
مؤسس وكالة إنقاذ وخبير إدارة الأزمات والتحكيم الدولي

ليست مصادفة أن يجمع يوم واحد بين مجدين.. 6 أكتوبر 1973 هو يوم العبور، و 6 أكتوبر 1981 هو يوم العبور الأخير لرجل عبر بمصر من الهزيمة إلى المجد، ومن الموت إلى الحياة. أن يحتفل السادات بانتصاره الأخير على المنصة، فيسقط شهيداً في نفس يوم انتصاره الأول، فهذه ليست نهاية درامية، هذه هي خاتمة الأنبياء والقادة الذين يموتون وهم يؤدون رسالتهم.
رحم الله الزعيم الراحل محمد أنور السادات، بطل الحرب والسلام.
أولاً: لماذا كانت حرب أكتوبر فرض عين.. وليست مجرد حرب ؟
قبل 6 أكتوبر 1973، كانت مصر في حالة موت إكلينيكي. احتلال سيناء كاملاً، قناة السويس مغلقة، الاقتصاد منهار، الجيش محطم نفسياً بعد 67، وفي كل بيت مصري إما أسير، أو شهيد، أو مصاب، أو مفقود. إسرائيل تتبجح بخط بارليف الذي قالت عنه القيادة العسكرية الإسرائيلية إنه يحتاج قنبلة ذرية لاختراقه، وجهاز مخابراتها يقول إن مصر لن تحارب إلا بعد 10 سنوات.
الحرب لم تكن لتحرير الأرض فقط. كانت حرباً لاستعادة الكرامة الإنسانية. السادات فهم المعادلة التي عجز عنها غيره: لا تفاوض بلا قوة، ولا قوة بلا مفاجأة.
وهنا يأتي الدور الفارق الذي لم يفعله أي زعيم في التاريخ الحديث.
ثانياً: المكر.. والدهاء.. والحكمة التي لا يجود الزمان بمثلها
السادات هو قائد خطة الخداع الاستراتيجي الأعظم في القرن العشرين.
المكر لم يكن كذباً، كان عبقرية إدارة العدو:
1. خداع على مستوى العالم: في يوليو 1972 اجتمع مع رؤساء المخابرات العامة والحربية ومستشار الأمن القومي والقائد العام لوضع خطة من 6 محاور لإخفاء أي علامة للحرب حتى لا توجه إسرائيل ضربة إجهاضية.
2. خداع سياسي: أرسل مستشاره للأمن القومي حافظ إسماعيل ليقابل كيسنجر في أمريكا ويبلغه أن مصر لن تحارب لأن السوفييت رفضوا إعطاءها سلاح هجومي، وأن مصر تريد الحل السلمي. كيسنجر - أذكى دبلوماسي في العالم - "بلع الطعم" وأبلغ إسرائيل أن مصر لن تحارب.
3. خداع ميداني: تسريح 30 ألف جندي بحجة أنهم عبء، والإعلان عن فتح باب التقديم للحج يوم 9 أكتوبر، وتنظيم دورات رياضية، ونقل ورش إصلاح المعدات الثقيلة إلى الجبهة علناً تحت ستار الصيانة، وتحريك القوات في اتجاهات ثانوية وعكسية تحت ستار التدريب.
4. الحكمة في التوقيت: يوم 4 أكتوبر سأل السادات الفريق الشاذلي: هل علمت إسرائيل بالهجوم؟ فأجابه بالنفي. كان يعلم أن إسرائيل تحتاج 48 ساعة للتعبئة الكاملة. فأعطى الأمر بالعبور يوم 6 أكتوبر الساعة الثانية ظهراً، في عيد الغفران اليهودي، حيث الدولة كلها مشلولة.
هذا ليس قائداً عسكرياً فقط، هذا رجل دولة رأى ما لا يراه الآخرون. كما قال عنه هنري كيسنجر: "السادات نموذج سياسي نادر لا يجود الزمان بمثله إلا قليلاً، أدركت بعد عشر دقائق فقط من مقابلتي له أنني أمام رجل دولة حقيقي لا يمكن الاستغناء عنه".
ثالثاً: ماذا لو لم نخض الحرب.. ولم ننتصر؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يدرسه كل مصري اليوم. افترض معي أن السادات خاف، وتردد، وقبل الأمر الواقع:
لكانت سيناء اليوم مستوطنة إسرائيلية كاملة، مثل الجولان.
لكانت قناة السويس ما زالت مغلقة، ومدن القناة مدن أشباح.
لظل نزيف الدم مستمراً: حرب استنزاف أبدية، كل بيت يقدم شهيد كل عام، لا سلام ولا حرب، اقتصاد ينهار، جيل كامل يعيش مهزوماً.
لما كانت هناك مفاوضات، فالعالم لا يحترم الضعيف. إسرائيل التي رفضت الانسحاب من سيناء وهي منتصرة، انسحبت منها وهي مهزومة في 73 لأن السادات فرض عليها معادلة جديدة: الأرض مقابل السلام من موقع القوة.
انتصار أكتوبر لم يحرر الأرض فقط، بل حرر القرار المصري إلى الأبد.
رابعاً: معاهدة السلام.. المعجزة التي لم يفهمها العرب إلا بعد 40 سنة
بعد أن كسر السادات غرور إسرائيل عسكرياً، كسر جمود العرب سياسياً. ذهب إلى الكنيست في القدس المحتلة عام 1977، وقال للعالم: أنا لا أخاف.
كامب ديفيد لم تكن خيانة كما روج لها الجاهلون، كانت أذكى صفقة في تاريخ الشرق الأوسط. استرد بها 60 ألف كيلومتر مربع كاملة السيادة، وآبار بترول، وحقول غاز، وقناة، وكرامة، ووقف نزيف الدم الذي كان في كل بيت مصري.
العرب الذين طردوا مصر من الجامعة العربية واتهموه بالخيانة، وقفوا بعد 20 سنة على باب أوسلو ليأخذوا أقل من 20% مما أخذه السادات. ويومها قبلوا يد قاتل السادات، كما قال ياسر عرفات يوم الاغتيال "نقبل اليد التي أطلقت الزناد" ثم وقع اتفاقاً لا يساوي ربع ما حققه السادات.
لولا كامب ديفيد، لكان أبناؤنا اليوم ما زالوا يحاربون في سيناء.
خامساً: ماذا قال العالم عندما استشهد؟.. شهادة لم ينلها زعيم عربي في التاريخ
عندما اغتيل السادات يوم احتفاله بنصره، اجتمع لأول مرة في التاريخ 4 رؤساء أمريكيين تحت سقف واحد في البيت الأبيض: ريجان ونيكسون وفورد وكارتر ليصدروا بياناً موحداً، ثم سافر ثلاثة منهم إلى القاهرة لحضور جنازته بينما بقي ريجان لأسباب أمنية. لم يحدث هذا مع أي زعيم في العالم.
وهذا ما قالوه، حرفياً:
جيمي كارتر: "لم أقابل أي رئيس إلا وحدثني بصدق عن إعجابه الشديد بذكاء السادات وشجاعته، وأنا شخصياً سأتعلم الكثير منه".
جيرالد فورد: "السادات من أعظم الزعماء الحقيقيين في العالم لا في الشرق الأوسط فقط".
إدوارد هيث رئيس وزراء بريطانيا: "كان شخصاً عظيماً وسياسياً شجاعاً، من أعظم الزعماء الدوليين، استطاع أن يغير معالم الشرق الأوسط تغييراً أبدياً".
كورت فالدهايم الأمين العام للأمم المتحدة: "وفاته خسارة كبرى للعالم، كان يتمتع بالجرأة وبعد النظر ولا يستطيع أحد أن ينكر دوره التاريخي وإخلاصه النادر".
البابا يوحنا بولس الثاني: "رجل سلام له رؤية نافذة لتحقيق المصالحة، حظي بالتقدير لإيمانه القوي ومبادراته من أجل السلام".
سوهارتو رئيس إندونيسيا: "وفاة الرئيس السادات خسارة فادحة ليس للشعب المصري فحسب بل للعالم بأسره".
هلموت شميت مستشار ألمانيا: "إذا كانت هناك فرصة للسلام اليوم، فهذا يرجع في المقام الأول إلى سياستكم الحكيمة ورغبتكم الحقيقية في سلام العالم".
الرئيس ريجان في خطابه بعد الاغتيال بيومين: أشاد بشجاعة السادات وقيادته، وقال إنه بينما كان البعض يخافه في حياته، فإن إرثه سيبقى قوياً بعد موته.
حتى خصومه بكوه. لأنه كان رجلاً لا يعوض.
الخاتمة: دعاء لرجل سبق زمانه
السادات كان يصلي الفجر، ويقرأ القرآن، ويؤمن أن النصر من عند الله. كان ماكراً مع العدو، رحيماً مع شعبه، حكيماً مع التاريخ.
اليوم، وبعد 52 سنة على النصر، و44 سنة على الشهادة، ندرك أن السادات لم يحرر سيناء فقط، بل حررنا من عقدة الخوف.
لولا 6 أكتوبر، لكنا اليوم شعباً بلا أرض، وبلا قناة، وبلا كرامة، وكل بيت فيه قبر.
بـ 6 أكتوبر، أصبحنا شعباً يعرف كيف ينتصر، وكيف يصنع السلام.
اللهم ارحم عبدك محمد أنور السادات، بطل الحرب والسلام، الذي قال للرجال عُدوا القناة فعادوا منتصرين، وقال للعالم تعالوا للسلام فجاء السلام.
سلام على روحك يوم انتصرت، ويوم استشهدت، ويوم تُبعث حياً.

⇧