رؤية نقدية
د. بسيم عبد العظيم يكتب عن ديوان ”أنا كمحمد استغربت” للشاعر محمد رمضان


رؤية نقديةد: . بسيم عبد العظيم عبد القادر
شاعر وناقد أكاديميك _ كلية الآداب ـ جامعة المنوفيةر _ رئيس لجنة العلاقات العربية
باتحاد كتاب مصر
ديوان "أنا كمحمد استغربت" للشاعر محمد رمضان، والصادر عن دار النخبة بالقاهرة
عام ٢٠٢٦م، يضم مجموعة من القصائد التي تتبنى نبرة ناقدة وساخرة تجاه قضايا سياسية واجتماعية شائكة في العالم العربي والساحة الدولية، ويركز الشاعر في نصوصه على تخاذل المواقف السياسية تجاه القضية الفلسطينية، ومعاناة أهل غزة، وانعكاسات الصراعات العالمية على المنطقة، كما ينتقد الشاعر الفساد الأخلاقي والاجتماعي، والازدواجية في فتاوى رجال الدين، وسيطرة القوى الغربية على المصائر العربية، وتتسم لغة الديوان بالمزج بين الفصحى والعامية المصرية، مما يضفي صبغة واقعية على استنكاره للواقع المرير.** **يقدم ديوان "أنا كمحمدٍ استغربتُ" للشاعر محمد رمضان نقدًا لاذعًا ومريرًا للواقع العربي والعالمي المعاصر على النحو الآتي:** **أولًا: أبرز القضايا السياسية والاجتماعية** ** التبلد الإنساني وتأثير الإعلام: ينتقد الشاعر اعتياد الناس على مشاهد القتل والدمار، حيث يتم إذاعة أخبار الموتِ على الشاشات بينما يُمارس الناس حياتهم الطبيعية ويشاهدون برامج الطبخ ويتناولون الطعام، مما يعكس تبلدًا في المشاعر الإنسانية.** ** المتاجرة بالدين وتفصيل الفتاوى: يُهاجم الشاعر بشدة "شيوخ الفضائيات" الذين يطوعون الفتاوى الدينية لتحقيق مكاسب مادية (بالدولار)، ويبيحون زواج المسيار والمتعة، متهمًا إياهم بامتلاك "كتب صفراء باهتة" وتوظيف الدين لخدمة السلطة أو النفوذ، كما ينتقد استغلال الإسلام السياسي للأحداث.** ** الفساد الطبي والمجتمعي: يُبرز الشاعر انعدام الضمير في بعض المهن، مثل "الطبيب التاجر" الذي يشارك في عصابات خطف الأطفال وتجارة الأعضاء، والصيادلة والأطباء الذين يستغلون المرضى للحصول على عمولات من المعامل وشركات الأدوية للسفر والتصييف في "مارينا".** ** الطبقية والتفاوت الاجتماعي: يُسلط الضوء على الفجوة الكبيرة بين الفقراء الذين يبحثون عن رغيف العيش و"السترة"، وبين الأثرياء الذين ينفقون الملايين على أقساط شاليهات "الساحل" والترفيه، ويستنكر احتكار المسؤولين للموارد بينما يُترك المواطن البسيط يعاني.** ** انسلاخ الهوية والارتزاق: ينتقد مَنْ يبيع وطنه من أجل العملة الصعبة، أو مَنْ يُهاجر ليقوم بأعمال مهينة في أوروبا هربًا من واقعه، ثم يعود ليتعالى على أبناء وطنه، واصفًا بعضهم بالمرتزقة الذين يقتلون جيرانهم بسلاح لا يملكونه.** **ثانيًا: تصوير معاناة الشعب الفلسطيني وموقفه من القادة** ** معاناة الشعب الفلسطيني: صور الشاعر مأساة غزة وفلسطين بصور قاسية ومؤلمة؛ حيث تُقصف المخيمات بصواريخ من تل أبيب لتقتل العشرات في لحظة، ويُقتل الأطفال الرضع على صدور أمهاتهم المقتولاتِ، ويصف حال الناس وهم يبحثون عن الخبز وسط المجاعة، ويعيشون في خيام وبيوت مهدمة في مدن مثل رفح، خان يونس، دير البلح، وجباليا.** ** موقفه من القادة الفلسطينيين (الفصائل): وجه الشاعر نقدًا لاذعًا وقاسيًا لقيادات حركة حماس (مثل خالد مشعل، وإسماعيل هنية، والسنوار)، متهمًا إياهم بترك شعبهم يُذبح ويُسلخ حيًّا بينما يعيشون هم في قصور فاخرة وفنادق في الدوحة، ويتهمهم بالمتاجرة بدماء الأطفال وتضخم ثرواتهم المالية على حساب القضية، وهذه وجهة نظر نختلف فيها مع الشاعر، مع احتفاظنا بالمودة معه.** ** موقفه من القادة العرب: يرى الشاعر أنَّ الحكامَ العربَ خذلوا القضية وتواطؤوا ضدها، يصفهم بأنهم امتداد لشخصيات خائنة في التاريخ مثل "أبو رغال" و"العلقمي"، ويتهمهم بالخضوع التام لأمريكا وإسرائيل للحفاظ على كراسيهم وعروشهم، وتقديم ثرواتِ بلادهم كقرابينَ وإتاواتٍ للغرب، كما يسخر من اكتفائهم بالشجب والاستنكار وعقد المؤتمراتِ دون اتخاذ أيّ فعل حقيقي، بل وتطبيعهم و"رقصهم" مع المحتلين.** **ثالثًا: الرموز والظواهر المعاصرة** **استخدم الشاعر مزيجًا من الرموز السياسية الدولية والظواهر الاجتماعية اليومية للتعبير عن حالة العبث المعاصر:** ** الرموز السياسية الدولية (الروسية والأمريكية): استدعى الشاعر شخصية "الرئيس الروسي بوتين" متمثلًا في رمز "الدب" الذي استيقظ من بياته الشتوي ليقلب البحار براكين ونيرانًا، وفي المقابل، صور "الرئيس الأوكراني زيلينسكي" كـ "مُهرج" أو "حمار" ارتدى جلد أسد ولعب بالنار فجلب الدمار لبلاده بعد أنْ خدعه الغرب، كما برز اسم "ترامب" كرمز للابتزاز الأمريكي، حيث وصفه بـ "أبو إيفانكا" الذي يجمع "الجزية" والدولارات من القادة العرب مقابل حمايتهم.** ** سلاح المقاطعة الشعبية: اعتبر الشاعرُ أنَّ مُقاطعة المنتجات الغربية والداعمة لإسرائيل (مثل بيبسي، وشيبسي، وماك، وستاربكس) هي السلاح المتبقي للشعوب المقهورة للتعبير عن كرامتها أمام صمتِ القادة** **وتخاذلهم.** ** هوس التفاهة والـ "سوشيال ميديا": انتقد الشاعر الظواهر الاستهلاكية وتسطيح العقول، مثل الهوس بتطبيقات "التيك توك" و"الإنستجرام"، وتصوير الحياة الخاصة لجلب المشاهدات، كما سخر من تناقضات المظاهر في "الساحل" والاعتماد على قروض البنوك للتباهي، وانتقد إنفاق المليارات على لاعبي كرة القدم في حين تموتُ الشعوب من الجوع والقهر.** **"سلاح المقاطعة" كأداة للمقاومة** **يطرح الشاعر سلاح المقاطعة الاقتصادية كأداة فاعلة ومتاحة في يد الشعوب، في ظل تخاذل الجيوش والأنظمة:** ** بديل عن الجيوش المعطلة: ينتقد الشاعر الأنظمة التي تكتفي بالشجب واستنكار الأحداث في غزة بينما أسلحتها الحقيقية "صدئة" وتُوشك على الهلاك، وفي المقابل، يطرح المقاطعة باعتبارها فعلًا إيجابيًّا مُتاحًا للشعوب المقهورة لكي تقوم بشيء حقيقي يريح ضمائرها.** ** تحديد الهدف المباشر: يوجه الشاعر نداءً صريحًا ومباشرًا للمقاطعة في قصيدتيه "قوموا وقاطعوا" و"فوكس"، ذاكرًا علامات تجارية أمريكية وغربية بعينها تدعم المحتل، مثل (بيبسي، وماك، وستاربكس)، واصفًا هذا الامتناع بأنه "سلاح" حقيقي لا يمتلك أحد منعه.** ** صراع المبادئ: يُظهر الشاعر من خلال موقف شخصي مع حفيدته التحدي النفسي في الالتزام بالمقاطعة، مؤكدًا أنَّ مقاطعة منتجات مثل "بيبسي" و"شيبسي" هي مسألة تتعلق بضمير الإنسان ورفضه التضحية بدم إخوته في الوطن العربي.** **دلالة رموز "الدب" و"المهرج" في الصراع الروسي الأوكراني** **في قصيدة "حمار ودب وزيلينسكي"، يُلخص الشاعر رؤيته للحرب الروسية الأوكرانية من خلال رمزين أساسيين:** ** رمز "الدب" (روسيا / بوتين): صوَّر الشاعر روسيا في صورة "الدب" الضخم القادم من الجليد والذي كان نائمًا في "بياته الشتوي"، ولكن تم استفزازه والاقتراب مِنْ مرقده، ودلالة هذا الرمز هي القوة الغاشمة والمدمرة؛ فبمجرد استيقاظ هذا الدب، قلب البحار إلى براكين تقذف حممًا وشرارًا، وجعل الدنيا غابة تهربُ أمامه فيها الذئاب.** ** رمز "المهرج" أو "الحمار" (أوكرانيا / زيلينسكي): يرمز إلى الرئيس الأوكراني، حيث يصفه الشاعر بالولد "العبيط" الذي ظن نفسه ذكيًّا، وبأنه مجرد "بلياتشو" في سيرك، أو "أراجوز" (دمية) تحركه أمريكا والغرب، كما يشبهه بحِمار الحزب الذي ارتدى جلد أسد للتمويه، لكن "نهيقه" فضح حقيقته، متهمًا إياه بالغباء لأنه لعب بالنار ووضع البارود على الفحم بدلًا من البخور، مما جلب الدمار والخراب لبلاده لاعتقاده الواهم بأنه "أسد هزبر"، ليكتشف في النهاية أنه أداة ضعيفة خذلها حلفاؤها.** **اللغة والأسلوب** **يتميز ديوان "أنا كمحمد استغربت" للشاعر محمد رمضان بأسلوب شعري فريد يجمع بين النقد السياسي اللاذع والواقعية الاجتماعية، وقد انعكس ذلك بوضوح على لغته وأسلوبه، وهذه أبرز سمات اللغة والأسلوب في الديوان:** **1 ـ المزج بين الفصحى والعامية المصرية (اللغة اليومية):** ** اختار الشاعر ألا يتقيد باللغة العربية الفصحى الصارمة، بل دمجها ببراعة مع العامية المصرية الدارجة والمفردات اليومية البسيطة التي يفهمها رجل الشارع، مثل استخدام كلمات: "عشان"، "اللي"، "ملقتش"، "هيصة وليصة"، "يا واد"، و"ياللي على الترعة".** ** يعبر الشاعر عن هويته الصوتية بوضوح، واصفًا إياها بأنها مزيج من الأصالة الشعبية، حيث يقول: "وصوتي فلاحي وفاخر.. صعيدى جايب م الآخر.. وإسكندرانى وله نبرة" .** **2 ـ الأسلوبُ الساخر والتهكمُ المُرُّ (الكوميديا السوداء):** ** يغلب على الديوان طابع السخرية الموجعة لانتقاد الواقع المتردي للحكام والمجتمع؛ فيصف القادة بصور كاريكاتورية وساخرة، كأنْ يصفهم بـ "الأغوات" (الخدم المخصيين)، أو يصورهم وهم يرقصون في حفلات مع المحتلين.** ** يعتمد على سيناريوهات هزلية خيالية لإيصال فكرته، مثل تصوير ترامب وهو يجمع "الإتاوات" والجزية في مشهد أقرب إلى زعيم عصابة، أو تصوير الرئيس الأوكراني كمهرج (بلياتشو) في سيرك.** **3 ـ التناص الديني والتاريخي والأدبي:** ** التناص الديني: اقتبس الشاعر العديد من الآيات القرآنية ووظفها لخدمة نصه الشعري، مثل قوله تعالى: «إنَّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها» للتعبير عن الخراب الذي يجلبه الغرب، والآية «لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا» في إشارة إلى قصة النبي سليمان، وكذلك الإشارة إلى «عجل السامري».** ** التناص الأسطوري والتاريخي: يستحضر شخصيات من الأساطير القديمة مثل "جلجامش"، و"أنكيدو"، و"خومبابا" للتعبير عن ترويض الإنسان المعاصر وفقدانه لروحه المتمردة.** ** التناص الأدبي: حاور الشاعر وعارض قصائد لشعراء آخرين مثل الشاعر العراقي "مظفر النواب" في قصيدته الشهيرة "القدس عروس عروبتكم"، والشاعر الفلسطيني "سميح القاسم".** **4 ـ كثافة الرمزية والاعتماد على عالم الحيوان:** ** لجأ الشاعر إلى الرموز الحيوانية لتجسيد الدول والشخصيات السياسية، فجعل "الدُّبَّ" رمزًا لروسيا التي استيقظتْ من بياتها الشتوي، و"الحمار" أو "المتمرد الذي يرتدي جلد أسد" رمزًا لأوكرانيا.** ** كما رمز لقطاع غزة بـ "العنزة" المذبوحة والموضوعة على "ثلج مجروش" ليأكل منها "الذئب" (إسرائيل) و"الثعلب" (الأنظمة المتواطئة)، واستخدم الطيور كـ "البومة واليمامة والغراب" للدلالة على الخراب.** **5 ـ إقحام لغة التكنولوجيا ومفردات العصر الاستهلاكي:** ** للتعبير عن تفاهة العصر الاستهلاكي وانشغال الناس بالمظاهر، استخدم الشاعر مفردات أجنبية وتكنولوجية حديثة في قلب القصيدة، مثل: "السوشيال ميديا"، "التيك توك"، "الإنستجرام"، وتصوير المأكولات والمقاهي للحصول على "كيو آر كود" (QR Code)** ** كما أشار إلى تطبيقات المحادثة مثل "الماسنجر" و"سناب شات" كأماكن يبيع فيها البعض أوطانهم من خلال الكلام بدلًا من الفعل.** ** استعان بأسماء ماركات ومنتجات تجارية شهيرة مثل "بيبسي"، و"شيبسي"، و"ماك"، و"ستاربكس" لتجسيد صراع المقاطعة الاقتصادية.** **التصوير الفني** **يعتمد الشاعر محمد رمضان في ديوان "أنا كمحمد استغربت" على تصوير فني ذي طابع حسي ومشهدية سينمائية واضحة، حيث يمزج بين الواقعية القاسية والسخرية الكاريكاتورية ليعبر عن صدمته ورفضه للواقع المعاصر.** **وهذه أبرز سمات التصوير الفني في الديوان:** **1 ـ المشهدية السينمائية والمفارقة البصرية (التباين الصادم):** ** يبرع الشاعر في رسم مشاهد متناقضة توضع جنباً إلى جنب (Split Screen) لإبراز قسوة المفارقة وعبثية المشهد العالمي، ومن أبرز هذه الصور، مشهد الشاشات التلفزيونية التي تعرض الأشرار وهم "يحشون بنادقهم بارود"، وفي ذات اللحظة تُعرض برامج الطبخ حيث يقوم الشيف بـ "حشو ديك رومي"، في إشارة لاختلاط دماء الضحايا ببرود ورفاهية المتابعين.** ** كما رسم مشهدًا دراميًّا لحالة الفوضى في كابول، مصورًا الأفغان وهم يتعلقون بشبابيك الطائرة الأمريكية المقلعة ويدورون معها كـ "الساقية القالبة" لتهوي بهم في النهاية.** **2 ـ التصوير الكاريكاتوري الساخر (الكوميديا السوداء):** ** لجأ الشاعر إلى تقزيم القوى العظمى والحكام من خلال صور ساخرة تقترب من فن الكاريكاتير؛ فرسم صورة للرئيس الأمريكي "ترامب" كزعيم عصابة يسير في حارة مظلمة ليلًا، يرتدي حذاءً من الجلد يصدر صوتًا يخيف "رعاة الغنم" (في إشارة للحكام العرب)، ويجمع "الإتاوات" والذهب في أكياس.** ** كما صَوَّر الرئيس الأوكراني في هيئة "بلياتشو" (مهرج) في سيرك قومي، أو أسد مستعار يتبين في النهاية أنه "حِمار" ارتدى جلد نمر ولكن نهيقه يفضحه، وصور الحكام المتواطئين بأنهم تحولوا إلى "أغوات" (الخدم المخصيين في العصور القديمة) يخدمون المحتل.** **3 ـ التصوير الحيواني والرمزي (الاستعارات الممتدة):** ** استخدم الشاعر عالم الحيوان لتجسيد الدول وصراعاتها، فصور روسيا كـ "دب" ضخم استيقظ من بياته الشتوي فحول الدنيا إلى غابة وجعل البحار تقذف حِممًا.** ** وفي صورة فنية مركبة ومؤلمة، جعل الشاعر من "غزة" عنزة عجفاء مذبوحة وموضوعة على "ثلج مجروش" (في إشارة للبرود العربي)، بينما ينهشها "الذئب" (المحتل) ويأخذ "الثعلب" (المتواطئ) نصيبه منها لحفظ استقرار حظيرته.** ** كما شبه المتخاذلين بـ "النعام" الذي يدفن رأسه في الرمال، وبـ "البغال" التي تُستأجر ليركبها الغرب ويطمس بها الهوية.** **4 ـ التصوير الواقعي الدموي (الوحشية المباشرة):** ** لإيصال حجم الألم، استعان الشاعر بصور فوتوغرافية دامية لا تخلو من قسوة مقصودة لصدم المتلقي، مثل تصويره الكابوسي لطفلة مشوية تُقدم كـ "طبق اليوم" وتُؤكل بـ "شوكة وسكينة وإتيكيت"، في إشارة لاستهلاك الغرب لحقوق الإنسان وتلذذه بدماء الأبرياء.** ** وفي مشهد غاية في الفجيعة، يصور طفلًا رضيعًا يرضع من صدر أمه التي قُتلتْ، فيختلط حليبها بدمائها في فمه، وسط تفرج العالم بتبلد على هذا المشهد.** **5 ـ التجسيد (التشخيص) للأشياء المعنوية والزمن:** ** يعطي الشاعر للأشياء المجردة صفاتٍ حسيةً وماديةً، فيرى "الليل" كأنه "جبل طويل، قاعد وسرمدي، كحل وضلمة ومخيف"، مما يعكس ثقل الهموم وتراكم الأحزان في نفس الشاعر.** ** ويصور "البحر" كأنه شخص عزم المركب على الغرق، وتخلى عن الشراع، ليعبر عن حتمية الضياع وفقدان البوصلة.** **وظف الشاعر محمد رمضان "الكوميديا السوداء" (التهكم المُرّ) ببراعة في ديوانه لتحويل المآسي السياسية والانهزام العربي والعالمي إلى مشاهد كاريكاتورية ساخرة، تبرز عبثية الواقع وحجم التناقضات فيه، وقد تجلى ذلك في عدة محاور:** **1 ـ التصوير الكاريكاتوري للقادة العالميين:** ** الرئيس الأمريكي (ترامب) كزعيم عصابة: صوره الشاعر في مشهد هزلي كأنه "فتوة" أو قواد يسير في حارة مظلمة ليلًا، بحذاء يصدر صوتًا يخيف الحكام العرب (الذين وصفهم برعاة الغنم)، ليجمع منهم "الإتاوات" والذهب في أكياس، وفي مشهد آخر، يصوره جالسًا مع زوجته وكلبه يطلب مشاهدة "فيلم أكشن"، فيتحرك أتباعه للقبض على رئيس دولة أخرى (مادورو) وكأنَّ العالم مجرد شاشة سينما يتسلى بها.** ** الرئيس الأوكراني (زيلينسكي) كمهرج: وظف الشاعر السخرية اللاذعة في وصفه، حيث شبهه بـ "البلياتشو" في السيرك القومي، وبـ "الحِمار" الذي ارتدى جلد أسد للتمويه ولكن "نهيقه" فضحه، ويسخر الشاعر من غبائه السياسي، واصفًا إياه بالولد "العبيط" الذي ظن نفسه ذكيًّا فلعب بالنار ووضع البارود بدلًا من البخور، ليوقظ "الدُّبَّ" الروسي من بياته الشتوي ويجلب الخراب لبلده.** **2 ـ السخرية الموجعة من الحكام المتخاذلين:** ** التحول إلى "أغوات" و"بغال": يسخر الشاعر مِنْ تنازل بعض القادة عن دورهم كعصب للأمة، واصفًا إياهم بأنَّهم أصبحوا "أغوات" (الخدم المخصيين) يقدمون ثروات بلادهم للغرب، كما يتهكم من انعدام هويتهم وتفاخرهم بالتبعية، مشبهًا إياهم بـ "البغال" التي تُستأجر ليطوي بها الغرب المسافات.** ** مشاهد الرقص والمقامرة: في صور مليئة بالكوميديا السوداء، يرسم الشاعر مشاهد للحكام وهم يرقصون مع المحتلين (سالومي ترقص بحاخامها)، ويلعبون "الروليت والبوكر" ويقامرون على دماء الأطفال، بينما يشربون "نخب الخزي" بدلًا من الدفاع عن أوطانهم.** ** قصة "شيخ الخفر": استخدم الشاعر قصة رمزية ساخرة عن "شيخ الخفر" الذي يتسلط على أهل قريته ويقهرهم، طمعًا في الحصول على رضا "العمدة" (القوى الغربية)، ليحصل في النهاية على "نبوت غفير" يسوق به شعبه كالقطيع لمصلحة أسياده.** **3 ـ التباين الصادم في المشهد الإعلامي والإنساني:** ** يسخرُ الشاعر من تبلد العالم بلقطاتٍ متناقضة توضع جنبًا إلى جنب؛ ففي الوقتِ الذي تعرض فيه شاشاتُ الأخبار صور الأشرار وهم "يحشون بنادقهم بالبارود" لقتل الأبرياء، تعرض الشاشة ذاتها برنامجًا للطبخ يقوم فيه الشيف بـ "حشو ديك رومي"، في سخرية مريرة من اعتياد البشر على مشاهد الموتِ وتسطيح معاناتهم.** ** كما تناول الانسحاب الأمريكي من كابول بأسلوبٍ ساخر ومؤلم، مصورًا الأفغان وهم يتعلقونَ بشبابيكِ الطائرة الأمريكية المقلعة ويدورون معها في الهواء كـ "الساقية القالبة"، لتهوي بهم في النهاية بينما يتخلى عنهم العالم ببساطة.** **وظف الشاعر قصة "أبرهة والحبشة" ببراعة شديدة لإسقاطها على واقع الخيانة المعاصر والتواطؤ مع القوى الأجنبية، وذلك من خلال المحاور التالية:** ** استدعاء الخيانة التاريخية: يربط الشاعر بين الحكام المتخاذلين وشخصية "أبو رغال"، الذي باع وطنه وكان دليلًا لجيش أبرهة الحبشي لهدم الكعبة مقابل "كيس من الذهب"، ليسقط ذلك على القادة الذين يمهدون الطريق للقوى الغربية لاحتلال أوطانهم** **وتدميرها للحفاظ على مناصبهم.** ** استبدال "الفيل" بالأساطيل المعاصرة: في قصيدة "القُلَّيس"، يصور الشاعر الغزو المعاصر وكأنه امتداد لجيش أبرهة، حيث يستبدل "الفيل" بالأساطيل الحديثة والقواعد العسكرية، مشيرًا إلى أنَّ البحر تحول إلى "بوارج أسطولك السادس" وأنَّ الأرض امتلأت بـ "مارينز وشركات ومدارس".** ** انتقاد السلبية وانتظار المعجزات: يسخر الشاعر من حالة العجز والتبلد لدى الأنظمة التي تختبئ مِنْ الرهبة وتنتظر معجزة إلهية وتتدخل "الطير الأبابيل" لإنقاذها مِنْ "الطاغية" (كما حدث مع جيش أبرهة)، متناسين أنَّ الدفاع عن الأوطان يتطلب الفعل والمقاومة وليس مجرد الاستلقاء كالمرضى.** **أما عن دلالة التناص مع قصائد مظفر النواب وسميح القاسم، فقد استخدمها الشاعر للتأكيد على أنَّ الانحطاط العربي المعاصر فاقَ كل التوقعات والقصائد، وذلك كالتالي:** ** معارضة مظفر النواب: يحاور الشاعر قصيدة النواب الشهيرة "القدس عروس عروبتكم"، ولكنه يلوم النواب نفسه لأنه استصرخ شهامة هؤلاء الحكام وناداهم للدفاع عن القدس، ويرى الشاعر أنَّ سيوفهم "صدئة مهترئة" ورجولتهم "متدثرة وخانعة"، وبالتالي هم لا يستحقون حتى العتاب أو الشتائم القاسية التي وجهها لهم النواب، فقد تبلدوا تمامًا لدرجة أنَّ السارق أصبحَ يسرق وطنه في وضح النهار وتلاشتْ كل معاني الشرف.** ** صدمة سميح القاسم: استدعى الشاعرُ شاعرَ المقاومة الفلسطيني "سميح القاسم" ليوضح حجم المأساة الحالية، معتبرًا أنَّ الخيانة بلغتْ حدًّا لو رآه القاسم "لامتلك الصمت بحنجرته" ولقام بكسر قيثارته وقطع أوتارها، تعبيرًا عن أنَّ بشاعة الواقع لم يعد يجدي معها الشعر ولا الغناء والمقاومة بالكلمات.** **وفيما يخص تصوير "تبلد المشاعر الإنسانية"، فقد رسم الشاعرُ مشاهدَ قاسيةً ومفارقاتٍ صادمةً تبرز اعتياد العالم على المأساة، ومِنْ أبرزها:** ** مفارقة الشاشات (الدم والرفاهية): صور الشاعر مشهداً عبثيًا تختلط فيه دماء الضحايا مع برامج الترفيه، حيث تُعرض الأخبار التي تنعى الموتى وتظهر الأشرار وهم "يحشون بنادقهم بارود"، وفي ذات اللحظة، يعرض التلفاز برنامجًا للطبخ يظهر فيه الشيف وهو "يحشى ديك رومي"، مما يعكس برود العالم واستهلاكه لمشاهد القتل كأي مادة ترفيهية.** ** استهلاك الألم الإنساني بشوكة وسكينة: في صورة مليئة بالكوميديا السوداء الفجة، يصور الشاعر كيف يتعامل العالم مع مآسي الأطفال، متخيلًا طفلة تُشوى وتُقدم كـ "طبق اليوم"، وتُؤكل بـ "شوكة وسكينة وأتيكيت" بينما تُسكب دماؤها في كؤوس، في إشارة إلى وحشية النظام العالمي الذي يتشدق بحقوق الإنسان بينما يفترس الضعفاء.** ** تحويل المأساة إلى مشهد للمتعة: في قصيدة "نيوجرسي"، يرسم صورة شديدة الفجيعة لطفل رضيع يرضع من صدر أمه التي قُتلتْ، فيختلط حليبها بدمائها في فمه، وبدلًا من أنْ يتحرك العالم لإنقاذه، يكتفي الناس بالتفرج بتبلد شديد، وكأنهم يشاهدون فيلمًا سينمائيًّا وينتظرون "المشهد يكمل".** ** الهوس الاستهلاكي مقابل الجوع: يبرز التفاوت الصادم في المجتمع بين فقراء يبحثون عن رغيف العيش و"السترة"، وأشخاص كل همهم تصوير يومياتهم على "السوشيال ميديا والتيك توك" وتكبد الديون للتباهي في كافيهات "الساحل"، متجاهلين تمامًا الدماء التي تُسفك من حولهم.** **انتقاد استغلال الدين في القضايا السياسية** **هاجم الشاعر بشدة مَنْ يتخذون الدين ستارًا لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية أو مادية:** ** الهجوم على "الإسلام السياسي": انتقد الشاعر مَنْ يوجهون بنادقهم ويطلقون نيرانهم باسم "الإسلام السياسي" لتحقيق أهدافهم.** ** شيوخ الفضائيات والفتاوى المأجورة: سخر الشاعر من الشيوخ الذين يطوعون الفتاوى (مثل إباحة زواج المسيار أو المتعة) مقابل الحصول على الأموال والعملة الصعبة (الدولار)، واصفًا إياهم بأنَّ "الدين عنده مدفوع الأجر"** ** نفاق الدعاة (تناقض الأقوال مع الأفعال): أبرز الشاعر التناقض الصارخ لدى بعض الوعاظ، مصورًا واعظًا يرتدي ساعة تقدر بـ "ملايين" ويطلب من الفقراء التقشف والصيام إنْ لم يجدوا طعامًا، كاشفًا زيف ادعاءاتهم.** ** التحالف بين المتأسلم والكافر: انتقد الشاعر الشراكة الخفية والمصالح المشتركة المتبادلة بين من يتسترون بالدين (المتأسلم) وبين القوى الفاسدة (الكافر) على حساب دماء الشعوب والأطفال.** **أبرز مظاهر التباين الطبقي في الديوان** **عكس الديوان مشاهد قاسية توضح الفجوة العميقة بين طبقات المجتمع محليًّا وعالميًّا:** ** الفقر المدقع مقابل الرفاهية المفرطة: قابل الشاعر بين طوابير الفقراء والمذعورين الذين يبحثون فقط عن "ستر رغيف العيش"، وبين الطبقات الثرية التي تنفق المليارات على أسعار لاعبي كرة القدم وأقساط "شاليهات الساحل".** ** التفاهة والهوس بالمظاهر الاستهلاكية: سخر الشاعر من الطبقة التي تعيش في وهم المظاهر، حيث يستدين البعض من البنوك ليتمكنوا من الذهاب لكافيهات الساحل والحصول على "كيو آر كود" لتصوير أنفسهم على "الإنستجرام" و"التيك توك"، متجاهلين تمامًا أعداد القتلى والدمار من حولهم.** ** استهلاك الألم الإنساني (التباين العالمي): يبرز التفاوت في مشهد كاريكاتوري مليء بالكوميديا السوداء، حيث تُشوى طفلة وتُقدم كـ "طبق اليوم" لتؤكل "شوكة وسكينة وأتيكيت"، في إشارة واضحة لاستمتاع الطبقات العالمية القوية والأنظمة الغربية بمآسي الشعوب الفقيرة دون أدنى شعور بالذنب.** **توظيف الأساطير** **استدعى الشاعر شخصيتي "جلجامش" و"أنكيدو" من الأساطير القديمة للتعبير عن ترويض الإنسان المعاصر وفقدانه لروحه المتمردة، في قصيدة "أنكيدو"، يعاتب الشاعر "أنكيدو" لتخليه عن طبيعته القوية والثائرة (كالوحش البري) ورضاه بأنْ يعيش "مُستأنسًا" ومُهمشًا بين الناس، ويوجه الشاعر نداءً له بالعودة إلى طبيعته الحقيقية ومواجهة عدوه "خومبابا" ليموتَ واقفًا وشامخًا كالنخل، بدلًا من الاستسلام للقلب الناعم والعيش ككائن مُستأنس على الهامش.** **تأتي قصيدة "جمهورية مصر المصرية" كواحة من الفخر والاعتزاز وسط ديوان يغلب عليه طابع جلد الذات وانتقاد الخنوع والخيانة العربية والعالمية، وتتجلى دلالتها في سياق الديوان في المحاور التالية:** ** القدسية الدينية والتاريخية (مصر المؤمنة): يطالب الشاعر المتلقي بالوقوف وصلاة ركعتين إجلالًا عند سماع اسم مصر، مؤكدًا على عمق إيمانها منذ آلاف السنين؛ فهي البلد الذي تجلى الله على جبله، ومستقر للأنبياء وممرهم، مثل إدريس، ويوسف، وموسى.** ** الملاذ الآمن وحاضنة الأديان: يبرز الشاعر مكانة مصر كـ "أم الدنيا" والبلد الأمين الذي احتضن جيرانه ولم يتركهم للجوع، كما يستدعي وصية النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بأهلها، ويؤكد على كونها الملاذ الآمن الذي احتضن "آل بيت النبي" وتحرسه ملائكة السماء.** ** إبراز التباين بين الأصالة والانحطاط: دلالة القصيدة العميقة هي خلق تناقض مقصود بين أصالة مصر وثبات هويتها وعظمة تاريخها الإيماني، وبين حالة السقوط والتبعية وفقدان الهوية التي تعاني منها الأنظمة والشعوب الأخرى التي انتقدها الشاعر بشراسة في بقية قصائد الديوان.** **النقد السياسي والاجتماعي اللاذع** **يقدم الشاعر محمد رمضان في ديوانه نقدًا سياسيًّا واجتماعيًّا لاذعًا باستخدام أدوات فنية تتنوع بين الكاريكاتير الساخر والقصص الرمزية والمواقف الحياتية:** **أولًا: تجسيد شخصية "ترامب" بأسلوب كاريكاتوري ساخر** **استخدم الشاعر "الكوميديا السوداء" لرسم صورة كاريكاتورية للرئيس الأمريكي السابق "ترامب"، مجردًا إياه من الهالة الدبلوماسية ليظهره في صور عبثية متعددة:** ** زعيم عصابة و"فتوة": صوره الشاعر بـ "الشيطان القواد" الذي يدير "ماخور العالم"، ويمشي ليلًا في حارة مظلمة مرتديًا حذاءً من الجلد يصدر صوتًا يخيف الحكام العرب، الذين وصفهم بـ "رعاة الغنم" الجبناء.** ** جامع الإتاوات (الجزية): أظهر الشاعر ترامب كشخص يجمع الغنائم والأموال من القادة، حيث ينتظر أنْ يعطوه "سرة من الذهب الأسود والماس" ليحفظ كراسيهم، ويسخر من قدومه قائلًا "ترامب جاي في السكة يلم الفكة"** ** العالم كشاشة سينما (رئيس مباحث الكوكب): في مشهد هزلي آخر، يجلس ترامب مع زوجته "ميلانيا" وكلبه أمام الشاشة، ويشعر بالملل من الأحداث فيطلب مشاهدة "فيلم أكشن"، فيقوم بتحريك أتباعه للقبض على رؤساء دول أخرى (مثل مادورو)، واصفًا إياه بـ "أبو إيفانكا رئيس مباحث كوكبنا" الذي يلفق التهم لمَنْ يعارضه.** **ثانيًا: دلالة ذكر قصة "شيخ الخفر" في نقد العلاقة مع السلطة** **يستخدم الشاعر قصة "شيخ الخفر" كرمزية سياسية قاسية (إسقاط سياسي) لانتقاد علاقة الأنظمة الحاكمة في العالم الثالث بالقوى الغربية العظمى، وتتجلى دلالتها في الآتي:** ** القمع الداخلي لإرضاء الخارج: يرمز "شيخ الخفر" إلى الحاكم المحلي الذي يسخر كل جهوده ونفوذه وبلطجيته لقهر أبناء قريته (شعبه) من أجل كسب رضا "العمدة" (الذي يرمز للقوى الغربية المهيمنة).** ** التبعية المطلقة وإذلال الشعوب: يبرز الشاعر كيف يقوم شيخ الخفر بمعاقبة أيّ شخص يمرُّ من أمام مصطبة "العمدة" دون أنْ ينحني له، لتصل العقوبة إلى حد الإخصاء (يطاهر أي راجل)، مما يعكس مدى القمع الممارس لضمان الخضوع التام للمستعمر.** ** المكافأة المهينة: تنتهي القصة بأنَّ مكافأة شيخ الخفر على تملقه للعمدة لم تكن سوى إعطائه "نبوت غفير" (عصا)، وخازوق، ومقصلة، ليقوم بوظيفة واحدة وهي سوق شعبه كالقطيع من المواشي لخدمة مصالح أسياده.** **ثالثًا: "سلاح المقاطعة" كأداة لمواجهة المتواطئين** **أمام حالة العجز وتخاذل الأنظمة الرسمية، يطرح الشاعر المقاطعة الاقتصادية كأداة فاعلة ومتاحة بيد الشعوب المقهورة:** ** البديل الفعال للجيوش المعطلة: يرى الشاعر أنَّ جيوش الأنظمة أصبحتْ أسلحتها "صدئة" وتوشك على الهلاك، ولذلك يوجه دعوة صريحة للناس بتفعيل سلاح المقاطعة باعتباره فعلًا إيجابيًّا متاحًا لإراحة الضمير بدلًا من الاكتفاء بالشجب واستنكار المذابح في غزة.** ** الاستهداف المباشر للشركات الداعمة: لم يكتفِ الشاعر بالتلميح، بل صرح بأسماء علامات تجارية غربية تدعم المحتل، داعيًا الجماهير في قصيدتيه "قوموا وقاطعوا" و"فوكس" إلى مقاطعة صريحة لـ (بيبسي، وماك، وستاربكس)، واصفًا هذا الفعل بأنه "سلاح" قوي لا يمكن لأحد مصادرته.** ** تحدي الضمير الشخصي: استعرض الشاعر أثر المقاطعة على المستوى الفردي من خلال موقف مع حفيدته التي طلبت منه شراء (بيبسي وشيبسي)، فرفض الشاعر بشدة رغم محبته لها، مؤكدًا أنه لا يمكن أنْ يمول مَنْ يقتل إخوته ويشرب من دمائهم، مفضلًا أنْ يتحمل اللوم على أنْ يكون متواطئًا أو خائنًا لضميره.** **الموسيقى في الديوان** **تحتل الموسيقى والغناء مساحة بارزة في ديوان "أنا كمحمد استغربت" للشاعر محمد رمضان، حيث يوظفها الشاعر بأشكال متعددة تتنوع بين الحنين للماضي، والنقد السياسي، والسخرية من الواقع الثقافي والاجتماعي.** **حضور الموسيقى في الديوان:** **1 ـ الحنين للماضي والتراث الشعبي والكلاسيكي:** **يربط الشاعر الموسيقى بطفولته وذكرياته الجميلة؛ فيتذكر بائع الحلوى الذي كان يحمل "طبلة وربابة" ويغني ألحانًا تسعد الأطفال، كما يستحضر بشجن ليالي يوم الخميس، حيث كانت الأسرة تتجمع حول الراديو للاستماع لقصائد أم كلثوم (التي أشار إليها بـ "الست") وهي تغني من مسرح الأزبكية، وكيف كان "صوت اللحن" يبقى في ضميره ليوقظه في الصباح الباكر مفعمًا بالأمل.** **2 ـ توظيف المقامات الموسيقية ونقد الواقع الثقافي:** **في قصيدته "دار الأوبرا"، يستخدم الشاعر مصطلحات المقامات الموسيقية الشرقية مثل "السيكا" و"النهاوند" و"البياتي" للتعبير عن استقلاليته وعدم اكتراثه بالتصنيفات، كما ينتقد التناقض والتدني في الذوق العام، مشيرًا إلى المسارح العالمية مثل "البلشوي" و"متروبوليتان"، ومستنكرًا تحول دور الأوبرا إلى مجرد "تريند" على منصات التواصل الاجتماعي، ومشيرًا بسخرية إلى مَنْ يترك "حفلة خيرت" (في إشارة للموسيقار عمر خيرت) ليذهب إلى "كباريه".** **3 ـ الرموز الغنائية كأداة للنقد السياسي:** **يستحضر الشاعر أصواتًا غنائية شكلتْ الوجدان العربي ليقايس بها حالة التراخي والانهزامية في الحاضر مقارنة بالماضي، حيث يقول:** ** فيروز: أشار إلى صوتها الحلو وهي تغني للقدس و"المدائن".** ** أم كلثوم: ذكّر بأغنيتها التي تتحدث عن البغي والظلم "كم بغت دولة عليَّ وجارت".** ** عبد الحليم حافظ (حليم): استشهد بأغانيه الوطنية والفدائية التي تمجد عَلَمَ العروبة وتدعو للفداء والتضحية "تموت تعيش ميهمنيش وكفاية أشوف علم العروبة باقي".** **4 ـ الآلات الموسيقية كاستعارات للتعبير عن الفجيعة:** **يستخدم الشاعر الآلات الموسيقية للتعبير عن الحزن العميق والعجز أمام المآسي، كما في حديثه عن الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، حيث تخيل لو أنه رأى ما يجري لكسر "عوده وقيثارة.. وقطع الأوتار" من شدة الصمت والألم، وفي موضع آخر، يصف النفاق السياسي بأنه يشبه الغناء للإرهاب على نغم الفولكلور الشعبي "الدلعونا"، ويصف التراقص على الجراح بأنه كالرقص بالسيوف والغناء على طريقة فريد شوقي في فيلم "على الله زمان"، كما يصور حالة المديح والثناء الكاذب كـ "ريشة نايمة على الوتر".** **فالموسيقى في هذا الديوان ليستْ مجرد ترفيه، بل هي أداة حادة يستخدمها الشاعر لجلد الذات العربية، وللتعبير عن الحنين لزمن الفن الأصيل، ولرثاء القيم التي ضاعتْ في زحام المآسي السياسية والاجتماعية.** **ينتقد الشاعر الذوق العام في قصيدة "دار الأوبرا" من خلال تسليط الضوء على سطحية الجمهور الذي حول الفن الراقي إلى مجرد وسيلة للتباهي المادي والاجتماعي، ويوضح الشاعر كيف أصبح الذهاب للأوبرا بهدف اللحاق بـ "التريند" والتقاط الصور لنشرها على منصات مثل "إنستجرام" و"تيك توك"، لدرجة أنَّ البعض قد يستدين من البنك لفعل ذلك، كما يسخر الشاعر مِنْ تدنّي الذوق حين يغضب أحدهم لمنعه من حضور "حفلة خيرت" بسبب ارتدائه ملابس غير لائقة (شورت وقميص مشجر)، فيقرر ترك الأوبرا والذهاب إلى "كباريه"، ويعبر عن حسرته على فقدان المسارح لقيمتها مقارنة بالمسارح العالمية كـ "البلشوي" و"متروبوليتان"، مستنكرًا دخول شخصيات لا تفقه في الفن وتعتمد على سطوة المال مثل "المعلمة حندوقة" إلى دار الأوبرا.** **تأتي دلالة كسر العود والقيثارة في حديثه عن الشاعر الفلسطيني سميح القاسم لتعبر عن الفجيعة والصدمة العميقة واليأس التام من الواقع العربي، ويرى الشاعر أنَّ سميح القاسم لو كان حيًّا وشاهد ما يجري من خذلان، حيث يُترك الأبطال وحدهم على خط النار بينما ينشغل الآخرون بالسمسرة والنفاق، لسيطر الصمتُ على حنجرته، ولغضبَ غَضبًا شديدًا يدفعه إلى تكسير عوده وقيثارته وقطع أوتارهما، تعبيرًا عن عجزه عن الغناء أو كتابة الشعر في ظل هذا الخزي.** **أما عن التوظيف السياسي لأغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، فقد استخدمها الشاعر لعقد مقارنة لاذعة بين ماضي الأمة المجيد المليء بالوطنية والفداء، وحاضرها المليء بالتقاعس والانهزامية، فاستدعى الشاعر غناء أم كلثوم عن التراخي والظلم في مقطع "كم بغت دولة عليَّ وجارت.. ثم زالت" ليحذر من عواقبِ الصمتِ وضعف الأمة، كما استعان بكلماتِ عبد الحليم حافظ الوطنية "تموت تعيش ميهمنيش وكفاية أشوف علم العروبة باقي" ليذكر الجماهير بمعاني الفداء والتضحية، موبخًا الأجيال الحالية التي تخلتْ عن حمل السلاح واكتفتْ بالجلوس على المقاهي والشتم عبر منصات التواصل مثل "سناب شات" بدلًا من نصرة قضاياها.** **ملامح السخرية** **تتضح ملامح السخرية السياسية بقوة في قصيدة "أنا كمحمد استغربت" (والتي تتكرر فيها لازمة "الدربندوخ" بشكل ساخر وعبثي)، حيث يعالج الشاعر قضية "التطبيع" والانهزام السياسي بأسلوب كاريكاتيري لاذع:** ** تسخيف مبررات الخيانة: يسخر الشاعر من المبررات الواهية للتطبيع، متخيلًا أنه يُتهم بالخيانة والعمالة فقط لأنه أراد تلبية طلب حفيدته بشراء "شيبسي وبيبسي" وتجنب المقاطعة لتفادي "اللطعة" أو الانتظار.** ** تصوير هزلي لحفلاتِ التطبيع: يصف الشاعر مشاهد سريالية لحفلات وموائد تجمع الخصوم، حيث يختلط شرب "الويسكي" بنبيذ "الكشاروت"، ويُشوى "جمل خنزير"، مع الرقص على أنغام "ساكي ساكي" وسط الحاخامات.** ** استخدام لفظ "الدربندوخ" كرمز للعبثية: يوظف الشاعر هذه الكلمة الغرائبية للتعبير عن حالة "الدوخة" وفقدان التوازن والتبلد، سخريةً من الوالي "الملبوخ" الذي يجلس على وسادة تنفخها المخابرات الأمريكية (السي آي إيه)، والذي يقدم طائرته وأمواله "تريليون في قفا دشليون" هدايا وقرابين لأعدائه.** **أما عن تجسيد حالة الانهزام العربي عبر الرموز التاريخية، فقد استدعى الشاعر شخصياتٍ وأحداثًا من التراث ليعكس بشاعة الواقع:** ** أبو رغال وأبرهة: وظف الشاعر شخصية "أبو رغال" (رمز الخيانة في التاريخ العربي) للتعبير عن الخونة المعاصرين الذين يتسابقون لإرشاد "جيش أبرهة" الحديث (القوى الاستعمارية) لهدم مقدسات الأمة مقابل كيس من الذهب.** ** قائمة خونة التاريخ: يقارن الشاعر الحاضر بالماضي، مشيرًا إلى أنَّ الخزي قد بلغ منتهاه بظهور أشباه "العلقمي، وشاور، والصفوي، والصالح إسماعيل" الذين سلموا مفاتيح بغداد، ودمشق، وطرابلس، والقدس للغزاة الجدد.** ** إخوة يوسف: يصور الشاعر خذلان الأمة لفلسطين بـ "إخوة يوسف" الذين ألقوا أخاهم في البئر المظلمة ليواجه الموتَ بأمعاء خاوية، بينما هم أحرار يرمون له فتات الخبز، لتصيبهم "تخمة من بئر العار".** ** عجل السامري: يرمز لحالة التضليل التي تمارسها السلطات، حيث يُصنع "عجل سمين" من الذهب والنفط لإلهاء الشعوب ودفعها للرقص والتصفيق، بينما تُسرق أوطانهم ومقدساتهم.** **وفيما يخص دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشويه الوعي، يرى الشاعر أنَّها تحولتْ إلى أدواتٍ لقتل الفاعلية وتسطيح القضايا:** ** الاستعاضة عن الفعل بالصراخ الافتراضي: ينتقد الشاعر الأجيال التي تكتفي بالجلوس على المقاهي واستخدام "تويتر وسناب شات" للشتم واللعن، بدلًا من اتخاذ مواقف حقيقية لنصرة العروبة، ويصل به الأمر لاتِّهام البعض ببيع الأوطان وخيانتها عبر غرف الدردشة في "الماسينجر وسناب الشات".** ** التفاهة واصطناع "التريند": يرى الشاعر أنَّ هذه المنصاتِ شوهتْ الذوق الثقافي؛ فالذهاب إلى المسارح ودار الأوبرا لم يعد للاستمتاع بالفن الراقي، بل بهدف الحصول على لقطة ونشرها على "إنستجرام وتيك توك"، والركض وراء التفاهات.** ** طمس الهوية وانعدام الخصوصية: يعتبر الشاعر أنَّ محركات البحث مثل "جوجل" أصبحتْ أدواتٍ حديثةً لانتهاك حرمة البيوت وتفتيشها بصورة ناعمة "وإذا دخلوا بيوتنا عبر جوجل.. فتشوها"، كما أنها أسهمتْ في تصدير أنصاف المواهب وجعلهم يتصدرون المشهد بأبواق زائفة، مما جعل "البلابل لونها بلون الغراب"، إضافة إلى انشغال البعض على المنصات بكشف عوراتهم طمعًا في الشهرة بدلًا من الالتفات للمآسي الكبرى.** **تناول ديوان "أنا كمحمد استغربت" للشاعر محمد رمضان قضية النقد السياسي والتطبيع بشكل مكثف ومباشر في عدة قصائد، مستخدمًا السخرية اللاذعة والرموز للتعبير عن رفضه لحالة الانهزام العربي والتقارب مع الكيان الصهيوني والقوى الغربية.** **من أبرز القصائد التي تناولت هذا الموضوع:** **1 ـ قصيدة "أنا كمحمد استغربت" التي تحمل اسم الديوان:** **وهي من أوضح القصائد في نقد التطبيع، حيث يطرح الشاعر القضية بأسلوب كاريكاتيري، مشيرًا إلى اتهامه بأنه "مُطبع وعميل خاين"، ويصور في القصيدة مشاهد عبثية لحفلات التطبيع التي تجمع الخصوم، فيصف الرقص مع الحاخامات ("ساكي ساكي")، وشرب نبيذ "الكشاروت" مع الويسكي، وتقديم الطائرات والهدايا والأموال للغزاة، مع تكرار لازمة "الدربندوخ" للتعبير عن حالة التيه والضياع السياسي.** **2 ـ قصيدة "خوَّلناكم.. فلا تختالوا":** **تنتقد هذه القصيدة بشدة هرولة الحكام وتقديمهم فروض الطاعة لأمريكا وإسرائيل للحفاظ على كراسيهم، ويصف الشاعر كيف ذهبوا إلى "الكابيتول" و"البيت الأبيض" للتطهر في "البحر الميت" والحج إلى الولايات المتحدة، ويشير إلى تخليهم عن القضايا العربية الكبرى مثل "الجولان" و"شبعا" و"القدس" و"غزة"، وتقديمهم ثروات الأوطان لـ "بنوك سويسرا" مقابل ضمان بقائهم على العرش، معتبرًا أنَّ غاية رضاهم هي قبول تلك الأمم لهم.** **3 ـ قصيدة "لا مساس للمتواطئين":** **يصور الشاعر في هذه القصيدة التطبيع كصفقة مع "إبليس اللعين"، حيث يلهث المتواطئون نحو "البيت الأبيض" بخوف وهرولة، وينتقد بمرارة الانبطاح الذي وصل إلى حد منح "مفاتيح القدس" للأعداء، والرقص مع المتطرفين ("ارقصوا وايا الحراديم")، وإهداء الثروات لهم مقابل أوهام السلام.** **4 ـ قصيدة "غزة على ثلج مجروش":** **تربط هذه القصيدة بين التخاذل تجاه غزة وحالة التطبيع المخزية؛ فينتقد الشاعر القادة "شيوخ قبيلتنا" الذين تركوا غزة تُنهش بينما هم مشغولون بالحفاظ على عروشهم، ويصور مشهدًا لاذعًا للرقص مع الحاخامات في قاعات "الوطن المفروش"، "وسالومي بترقص بحاخامها في قاعات الوطن المفروش"، وشرب نخب الخزي في صالات القمار.** **5 ـ قصيدة "الـوطـن العـربـي الأمـريكـي":** **قصيدة قصيرة ومكثفة تلخص حالة الانسلاخ عن الهوية وتغير ملامح المنطقة بسبب التطبيع والتبعية، حيث يصف الشاعر تحول الوطن العربي إلى "الوطن العربي الصهيوني" و"الوطن العربي الأمريكي"، ليصبح برعاية "والت ديزني وميكي" وممتلئًا بالقواعد العسكرية الأجنبية التي جعلت الأمة "مسحوقة" و"مرتعدة" .** **6 ـ قصيدة "علشان عروبتك":** **تنتقد هذه القصيدة تناقض الشعوب والقادة الذين يتشدقون بالعروبة بينما هم في الواقع منغمسون في التبعية، ويصل بهم الأمر إلى الانحناء وتقبيل أيدي القادة الأمريكيين "بقينا بنوطي نبوس إيدين ترمب وقبله بوش".** **شكرا للشاعر الجريء محمد رمضان على هذا الديوان الذي يُعَدُّ صرخة في وجوهنا جميعًا، محكومين وحاكمين، عسانا نستفيق من غفوتنا، وننتزع أنفسنا من غفلتنا، قبل أنْ نعضَّ جميعًا بنان الندم، ولاتَ ساعة مندم!!!**






















العميد تامر يسري: السيطرة على حريق بشركة اخشاب بالمنطقة الصناعية
المحكمة الاقتصادية تقضي بالحبس 10 سنوات للمتهمين في قضية توظيف أموال بمليار...
محافظ سوهاج يحيل واقعة مصرع 3 أشخاص داخل بيارة صرف صحي بجرجا...
العناية الالهية وسرعة تدخل العميد تامر يسرى تنقذ المنطقة الصناعية بقويسنا من...
د. بسيم عبد العظيم يكتب عن ديوان ”أنا كمحمد استغربت” للشاعر محمد...
من طلب الي استجابه : محافظ القليوبية يسلم 5 كراسي كهربائية لذوي...
كلوديا حنا عضوًا في لجنة تحكيم مهرجان بردية السينمائي