الجمعة 18 سبتمبر 2026 09:35 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

الإقتصاد والبورصة

من باب المندب إلى قناة السويس.. لماذا جاء لقاء محمد بن سلمان والسيسي في توقيت بالغ الحساسية؟

النهار نيوز


بقلم: مصطفى محمد القرشي

«في السياسة، قد يكون توقيت اللقاء أحيانًا أهم من طول البيان الصادر عنه، والجغرافيا هذه المرة كانت حاضرة بقوة على طاولة البحث بين الرياض والقاهرة.»
في 15 سبتمبر 2026، التقى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، بالرئيس عبدالفتاح السيسي في القاهرة، في زيارة عمل جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية؛ تتشابك فيها الأزمة اليمنية مع أمن باب المندب، ويتصل فيها استقرار البحر الأحمر بانتظام حركة الملاحة في قناة السويس.
واختزال اللقاء في كونه مجرد زيارة ثنائية اعتيادية يغفل جانبًا مهمًا من المشهد؛ فحرية الملاحة البحرية لم تعد مسألة اقتصادية مجردة، وإنما أصبحت جزءًا من حسابات الأمن والاقتصاد للبلدين، فضلًا عن ارتباطها بحركة التجارة الدولية.
وقد أكد البيان الرسمي للرئاسة المصرية أن المباحثات تناولت أمن السعودية والخليج، واليمن والسودان وفلسطين، إلى جانب ضمان أمن وحرية الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، مع تأكيد دعم الحل السياسي الشامل والمستدام للأزمة اليمنية.
ممر واحد وشريان مشترك
لا يمكن قراءة باب المندب في جنوب البحر الأحمر بمعزل عن قناة السويس في شماله؛ فهما حلقتان في طريق بحري دولي يصل المحيط الهندي والبحر العربي بالبحر الأحمر، ومنه إلى البحر المتوسط والأسواق الأوروبية.
وإذا ارتفعت المخاطر في المدخل الجنوبي لهذا الطريق، فإن آثارها يمكن أن تمتد شمالًا حتى قناة السويس، من دون الحاجة إلى إغلاق الممر فعليًا.
فشركات الملاحة لا تنتظر بالضرورة توقف العبور؛ إذ يكفي ارتفاع المخاطر الأمنية وتكاليف التأمين حتى تعيد حساباتها، وقد تختار طريق رأس الرجاء الصالح، بما يعني رحلة أطول واستهلاكًا أكبر للوقود وارتفاعًا في تكاليف النقل وسلاسل الإمداد.
ومن هنا يصبح أمن باب المندب مصلحة مصرية مباشرة، مثلما يمثل استقرار البحر الأحمر واليمن والحدود الجنوبية مصلحة سعودية مباشرة.
فالسعودية ترتبط بالبحر الأحمر عبر مدنها وموانئها ومشروعاتها التنموية واللوجستية الكبرى، بينما تقع مصر عند الطرف الشمالي للممر، حيث قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة البحرية بين الشرق والغرب.
وعند هذه النقطة، يصبح السؤال: ليس مَن يحتاج إلى مَن، وإنما ماذا تقتضي المصالح المشتركة للبلدين عندما يصبح الخطر في جنوب البحر الأحمر قادرًا على إحداث أثر اقتصادي وأمني في شماله؟
أرقام الملاحة والاقتصاد.. حين تتحدث الوقائع
وتكشف الأرقام جانبًا مهمًا من هذه المعادلة؛ فالأمن في البحر الأحمر لا يبقى شأنًا عسكريًا أو سياسيًا مجردًا، بل سرعان ما تظهر آثاره في حركة السفن والموانئ والتجارة.
فخلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، ارتفعت الحمولة الصافية لسفن الحاويات العابرة لقناة السويس إلى نحو 72.1 مليون طن، مقابل 46.7 مليون طن خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة 54.2%.
وفي 16 سبتمبر، أي بعد لقاء القاهرة بيوم واحد، أعلنت هيئة قناة السويس عبور سفينة الحاويات العملاقة OOCL PORTUGAL التابعة لخدمة تشغلها COSCO، موضحة أن الرحلة تمثل أول عبور للشركة جنوبًا عبر القناة منذ توترات البحر الأحمر وباب المندب. كما أشارت الهيئة إلى عودة عدد من الخدمات التابعة لخطوط ملاحية كبرى إلى القناة.
وهذا التحسن يحمل دلالة واضحة: عندما تتحسن البيئة الملاحية، تبدأ السفن في استعادة مسارها الطبيعي عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
لكن الصورة تبقى شديدة الحساسية لأي تصعيد؛ فقد أظهرت بيانات أولية لتتبع السفن في 17 سبتمبر عبور 21 سفينة عبر باب المندب مقابل 24 في اليوم السابق. ولا تكفي بيانات يوم واحد للحكم على اتجاه طويل الأجل، لكنها تذكر بسرعة تأثر حركة الملاحة بتغير مستوى المخاطر في المنطقة.
ولا تتوقف المصالح عند حركة السفن. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين السعودية ومصر خلال خمسة أعوام نحو 266 مليار ريال، بنمو بلغ 20.5%، فيما بلغت الصادرات السعودية 168 مليار ريال. وهي قاعدة اقتصادية تمنح أمن طرق التجارة بعدًا عمليًا إضافيًا في العلاقة بين البلدين.
وهنا تتحدث الأرقام بلغة أبعد من الأرقام نفسها: كلما استقرت الممرات البحرية، تحسنت قدرة التجارة على العودة إلى مساراتها الطبيعية، وكلما ارتفعت المخاطر، امتدت التكلفة إلى السفن والموانئ وسلاسل الإمداد والاقتصادات.
ومن باب المندب إلى قناة السويس، يصبح الأمن جزءًا من الاقتصاد، كما يصبح الاقتصاد أحد دوافع الأمن.
اليمن في قلب المعادلة
يصعب اليوم فصل تطورات اليمن عن أمن البحر الأحمر.
فموقع اليمن عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يجعل أي اضطراب واسع على سواحله أو بالقرب من باب المندب قادرًا على تجاوز حدوده الجغرافية إلى حركة التجارة الدولية.
وهذا ما يمنح تأكيد السعودية ومصر في لقاء القاهرة على أمن وحرية الملاحة، بالتوازي مع دعم الحل السياسي الشامل والمستدام للأزمة اليمنية، دلالة تستحق التوقف عندها. فالملف هنا لا يتعلق باليمن وحده، وإنما ببيئة أمنية تتقاطع فيها مصالح دول البحر الأحمر مع مصالح الاقتصاد العالمي.
التنسيق السياسي.. وحدود التحليل
ومن المهم عند هذه النقطة التمييز بين ما أعلن رسميًا وما يمكن أن يُطرح باعتباره قراءة أو سيناريو.
فالمعلن حتى لحظة كتابة المقال هو التنسيق السياسي والأمني، ودعم أمن السعودية واستقرارها، وضمان حرية الملاحة، ودعم التسوية السياسية في اليمن، ومواصلة التشاور بين البلدين.
أما الحديث المتداول عن ترتيبات عسكرية سعودية–مصرية جديدة أو مشاركة مصرية في عمليات داخل اليمن، فلا يثبته البيان الرسمي المنشور عن اللقاء حتى الآن.
وهذا التمييز ليس تفصيلًا؛ فالتحليل السياسي يفقد قيمته عندما تتحول الاحتمالات إلى أخبار، أو التوقعات إلى واقع مفترض.
فالكاتب يستطيع أن يستشرف، لكنه لا ينبغي أن يقدم استشرافه على أنه معلومة.
ما بعد القاهرة.. الملاحة في صدارة الاتصالات
ولم ينته حضور ملف الملاحة بانتهاء زيارة القاهرة.
ففي 17 سبتمبر، تلقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان اتصالًا هاتفيًا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبحسب وكالة الأنباء السعودية، جرى خلاله استعراض التطورات الإقليمية وبحث الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة بما يحقق أمن وحرية الملاحة البحرية.
ولا يعني تتابع هذه الاتصالات وجود ترتيبات غير معلنة أو مسار سياسي واحد يجمع الأطراف؛ لكنه يؤكد حقيقة أبسط وأكثر أهمية: أمن الممرات البحرية أصبح حاضرًا على مستوى الاتصالات السياسية العليا، ولم يعد شأنًا محليًا لدول البحر الأحمر وحدها.
فالاضطراب في أحد الممرات لا يتوقف أثره عند حدوده؛ بل ينتقل إلى النقل والتأمين والطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق.
المصالح قبل الشعارات
لا تُبنى العلاقات بين الدول على العواطف المجردة، كما لا تنهار بالضرورة عند أول اختلاف؛ وإنما تحكمها المصالح وتوازنات الأمن والاقتصاد والجغرافيا.
وقد تتباين الرياض والقاهرة في تقدير بعض الملفات أو التفاصيل، وهذا طبيعي في العلاقات بين الدول، لكن الجغرافيا تضع أمامهما حقيقة يصعب تجاوزها: البحر الأحمر مساحة مصالح مشتركة، وأمن مدخله الجنوبي يرتبط مباشرة باستقرار الملاحة حتى قناة السويس.
ومن هنا يمكن فهم أهمية لقاء القاهرة بعيدًا عن المبالغات التي تحاول تفسير كل اجتماع عربي من خلال سؤال: مَن يقود مَن؟ ومَن يحتاج إلى مَن؟
فالسؤال الأكثر عقلانية هو: ماذا تستطيع السعودية ومصر أن تنجزا معًا عندما تلتقي مصالحهما؟
من باب المندب إلى قناة السويس
من اليمن إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى قناة السويس، تبدو الخريطة مترابطة أكثر مما توحي به الحدود السياسية.
استقرار اليمن ينعكس على البيئة الأمنية المحيطة بباب المندب، وأمن باب المندب يؤثر في حركة البحر الأحمر، وما يحدث في البحر الأحمر يصل أثره إلى قناة السويس، ومنها إلى طريق التجارة بين الشرق والغرب.
ولهذا جاء لقاء محمد بن سلمان وعبدالفتاح السيسي في توقيت بالغ الحساسية.
ليس لأننا نعرف ما دار خلف الأبواب المغلقة؛ فما لم يُعلن لا يجوز تقديمه للقارئ باعتباره حقيقة.
وإنما لأن ما نعرفه بالفعل يكفي لفهم أهمية اللحظة: ممرات بحرية تحت الضغط، مصالح اقتصادية متشابكة، يمن شديد الارتباط بأمن البحر الأحمر، وقوتان عربيتان تقع مصالحهما عند طرفي أحد أهم الطرق البحرية في العالم.
ولعل الرسالة الأهم هنا ليست فيما يمكن تخمينه، وإنما فيما تقوله الجغرافيا والوقائع:
من باب المندب إلى قناة السويس، كلما ازدادت المخاطر اتسعت الحاجة إلى التنسيق، وكلما استقر البحر الأحمر اتسعت معه فرص الأمن والتجارة والتنمية.
وفي السياسة، لا تكفي الإثارة لصناعة التحليل؛ فبين المعلومة والرأي مساحة لا ينبغي للكاتب أن يملأها بالخيال. نبدأ من الوقائع، ونقرأ المصالح، ونستشرف الاحتمالات؛ لكننا لا نقدم الاحتمال على أنه حقيقة، ولا الرأي على أنه معلومة.
فالتحليل مسؤولية قبل أن يكون رأيًا.