الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 05:58 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

جودة أبو النور يكتب: السعودية.. عندما تتحول الرياضة إلى مشروع دولة

النهار نيوز

جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان يقودان تحولًا تاريخيًا، فيما يترجم الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل الرؤية إلى منظومة رياضية متكاملة تمتد حتى مونديال 2034

في السعودية، لم تعد الرياضة مجرد مباريات وبطولات وفعاليات تنتهي بانتهاء المنافسة. فالقصة الأكبر التي تستحق التوقف أمامها هي ما الذي تفعله المملكة بالرياضة، وكيف تتحول الأحداث الكبرى من مجرد مناسبات عابرة إلى أدوات لبناء مشروع وطني يمتد تأثيره إلى الاقتصاد والسياحة والاستثمار وجودة الحياة.

وخلال السنوات الأخيرة، وضعت السعودية الرياضة في قلب تحول واسع يتجاوز حدود الملعب. فلم تعد الرياضة قطاعًا منفصلًا عن مسار التنمية، وإنما أصبحت جزءًا من رؤية أوسع تستهدف تنويع الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتعزيز السياحة، وتحسين جودة الحياة، وتوسيع مشاركة الشباب والمرأة، وترسيخ حضور المملكة على خريطة الرياضة العالمية.

ومن هنا، فإن قراءة المشهد الرياضي السعودي من زاوية عدد البطولات التي تستضيفها المملكة وحدها لا تكفي.

فالسعودية لا تبني مجرد أجندة مزدحمة بالفعاليات الكبرى، وإنما تعمل على بناء القدرة على استضافة العالم، وإدارة أكبر المنافسات، وتطوير البنية التحتية والخبرات البشرية والمؤسساتية، ثم تحويل هذه الخبرة إلى قيمة مستدامة تتجاوز صافرة نهاية كل بطولة.

الملك سلمان.. دعم القيادة والرياضة في قلب التنمية الوطنية

لا يمكن فهم التحول الذي تشهده الرياضة السعودية بعيدًا عن الدعم الذي تحظى به من قيادة المملكة.

فجلالة الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وضع الرياضة ضمن الإطار الأوسع للتنمية الوطنية، بينما أصبحت الطموحات الرياضية السعودية جزءًا من رؤية المملكة الاقتصادية والاجتماعية والدولية.

وهذا الدعم أسس لنظرة مختلفة إلى الرياضة؛ فلم تعد مجرد وسيلة للترفيه أو مجالًا للمنافسة، وإنما أصبحت قطاعًا قادرًا على الإسهام في التنمية والاستثمار والسياحة والحياة الاجتماعية.

ولعل حجم ونوعية الفعاليات التي باتت تستضيفها المملكة يعكسان بوضوح حجم هذا التحول.

فمن كرة القدم ورياضات المحركات إلى الملاكمة والتنس والجولف والرياضات الإلكترونية وغيرها، أصبحت السعودية تستقبل مجموعة متزايدة من الأحداث الدولية التي جعلت منها وجهة حاضرة بقوة على خريطة الرياضة العالمية.

لكن استضافة الأحداث ليست سوى بداية القصة.

فالقيمة الحقيقية لا تكمن فقط في إقامة البطولة ونجاحها التنظيمي، وإنما في تحويلها إلى خبرة وبنية تحتية وكفاءات وشراكات واستثمارات تبقى داخل المملكة بعد أن تنتهي المنافسات وتغادر الوفود والجماهير.

محمد بن سلمان.. عندما أصبحت الرياضة جزءًا من رؤية 2030

جاء التحول الأكبر مع إطلاق رؤية السعودية 2030.

وفي ظل قيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أصبحت الرياضة جزءًا أصيلًا من مشروع التحول الوطني، ولم يعد تطوير الرياضة التنافسية هدفًا قائمًا بذاته.

الفكرة أصبحت أوسع: بناء قطاع رياضي قادر على المساهمة في تنويع الاقتصاد، وتحسين جودة الحياة، وتشجيع المجتمع على ممارسة الرياضة، وخلق فرص جديدة للشباب والمرأة، وجذب الاستثمارات الدولية، وتعزيز الصورة العالمية للمملكة.

وهنا تغيرت أيضًا طريقة التعامل مع الأحداث الرياضية الكبرى.

فالبطولة لم تعد مجرد بطولة، والحدث العالمي لم يعد مجرد أيام من المنافسة، وإنما أصبح فرصة لتحريك قطاعات كاملة مرتبطة بالبنية التحتية والسياحة والاستثمار وفرص العمل والشراكات التجارية والانفتاح على العالم.

ولهذا توسعت الأجندة الرياضية السعودية بهذا المعدل اللافت، وأصبحت المملكة تستضيف مجموعة متنوعة من البطولات والفعاليات العالمية.

وفي الوقت نفسه، لم يكن التركيز على استقدام الأحداث العالمية فقط، بل امتد إلى بناء قاعدة رياضية محلية تشمل الأندية والأكاديميات والمنتخبات الوطنية والرياضة النسائية وبرامج اكتشاف المواهب وتطويرها.

الأرقام تعكس جانبًا من هذا التحول، لكن الأهم هو التغيير في طريقة التفكير نفسها.

فالرياضة باتت تُعامل بصورة متزايدة باعتبارها صناعة، وأصلًا وطنيًا يمكن أن يخلق قيمة مستدامة على المدى الطويل.

الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل.. من الرؤية إلى منظومة تنفيذ

إذا كانت رؤية 2030 قد حددت الإطار الاستراتيجي، فإن تحويل هذه الرؤية إلى واقع رياضي يحتاج إلى منظومة تنفيذ قادرة على ترجمة الأهداف إلى مؤسسات وبرامج ومشروعات ونتائج.

وهنا يبرز دور الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل، وزير الرياضة ورئيس اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية.

فالمهمة لا تتعلق بتنظيم بطولة أو استقبال حدث دولي فحسب، وإنما تمتد إلى بناء الهياكل والبرامج والشراكات والقدرات التي تجعل الرياضة السعودية قادرة على العمل وفق معايير دولية متقدمة.

ومع تزايد استضافة المملكة للفعاليات العالمية، أصبحت كل بطولة اختبارًا جديدًا لهذه المنظومة.

من رياضات المحركات وكرة القدم إلى الرياضات القتالية والتنس وغيرها من المنافسات، راكمت السعودية خبرات متزايدة في التعامل مع الرياضيين والمنتخبات والاتحادات والناقلين والرعاة والمؤسسات الرياضية الدولية.

والهدف النهائي يتجاوز فكرة «استضافة البطولة».

إنه الانتقال إلى مرحلة امتلاك المعرفة والخبرة والبنية التحتية والكفاءات التي تجعل السعودية لاعبًا مستدامًا في صناعة الرياضة العالمية.

جدة.. المحطة الكبرى المقبلة في أجندة رياضية مزدحمة

المحطة الكبرى المقبلة باتت على الأبواب.

فمدينة جدة تستضيف النسخة الـ27 من كأس الخليج العربي «خليجي 27» خلال الفترة من 23 سبتمبر إلى 6 أكتوبر 2026، بمشاركة ثمانية منتخبات هي السعودية والإمارات والبحرين وعمان وقطر والكويت والعراق واليمن.

وتقام مباريات البطولة على ملعبي الإنماء بمدينة الملك عبدالله الرياضية، ومدينة الأمير عبدالله الفيصل الرياضية.

وتأتي البطولة في توقيت مهم، ليس فقط باعتبارها منافسة إقليمية كبرى، وإنما لأنها تمثل إحدى المحطات الأولى في مرحلة تصبح فيها الأجندة الرياضية السعودية أكثر ازدحامًا وطموحًا.

ومن هذه الزاوية، فإن «خليجي 27» تمثل اختبارًا عمليًا للجاهزية التنظيمية، وفرصة جديدة لاكتساب الخبرة قبل الانتقال إلى استحقاقات قارية وعالمية أكبر.

وتعود جدة مرة أخرى إلى الواجهة باعتبارها إحدى المدن الرئيسية في الطموح الرياضي السعودي، مع تزايد قدرتها على استقبال البطولات الكبرى والجماهير والوفود الدولية.

2027.. كأس آسيا محطة جديدة على الطريق

بعد ذلك يأتي التحدي القاري الأكبر مع استضافة كأس آسيا 2027.

واستضافة البطولة الأهم للمنتخبات الوطنية في القارة الآسيوية تفرض مستوى مختلفًا من المسؤولية، بداية من جاهزية الملاعب، مرورًا بالنقل والإقامة والأمن والبث وخدمات الجماهير، وصولًا إلى التفاصيل التشغيلية التي تصنع تجربة البطولة.

لكن الأهم بالنسبة للسعودية أن كأس آسيا لا تُنظر إليها باعتبارها مشروعًا منفصلًا.

فالخبرة التي يتم اكتسابها من بطولة تنتقل إلى البطولة التالية، والمنشآت تتطور، والمدن تكتسب خبرات جديدة، والكوادر التنظيمية تتراكم لديها المعرفة، والمؤسسات الرياضية تصبح أكثر قدرة على إدارة الأحداث الكبرى.

وهذه الخبرة المتراكمة ستكون واحدة من أهم أدوات المملكة وهي تقترب من أكبر اختبار رياضي في تاريخها.

2029 و2030.. الرياضة في إطار طموح عالمي أوسع

ولا يتوقف الطموح السعودي عند كرة القدم.

فالأجندة تمتد إلى رياضات مختلفة وإلى أنواع متعددة من الفعاليات الدولية، وفي مقدمتها دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029 وإكسبو 2030 في الرياض.

وهذه الفعاليات، وإن اختلفت طبيعتها، تندرج ضمن رؤية أوسع تهدف إلى وضع المملكة على خريطة الدول القادرة على استضافة الأحداث الدولية الكبرى بمختلف أشكالها.

والأهمية هنا تكمن في التنوع.

فبناء صناعة رياضية حقيقية لا يمكن أن يعتمد على بطولة واحدة أو لعبة واحدة، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تضم الرياضيين والأندية والاتحادات والأكاديميات ومنظمي الأحداث والرعاة والناقلين والمستثمرين والجماهير.

وهذه هي المنظومة التي تسعى السعودية إلى بنائها.

الاستثمار.. من دعم الرياضة إلى صناعة رياضية

ربما يكون التحول الأكثر أهمية في التجربة السعودية هو دخول الاستثمار بقوة إلى المشهد الرياضي.

فالمملكة تتحرك تدريجيًا من نموذج الدعم الحكومي التقليدي للرياضة إلى نموذج تصبح فيه الرياضة نفسها قادرة على خلق قيمة اقتصادية وجذب الاستثمارات الخاصة.

وتأتي خصخصة الأندية وتطوير الشراكات التجارية والتوسع في الأعمال المرتبطة بالرياضة ضمن هذا المسار.

وهو تحول جوهري في فلسفة التعامل مع القطاع.

فالهدف على المدى الطويل ليس مجرد ضخ الأموال في الرياضة، وإنما بناء صناعة قادرة على خلق القيمة وجذب المستثمرين وتطوير مصادر الإيرادات والعمل وفق نموذج تجاري مستدام.

وتقدم أندية كرة القدم المثال الأكثر وضوحًا على ذلك.

فالأندية تتحول تدريجيًا إلى كيانات تجارية تمتلك فرصًا لتطوير علاماتها التجارية، وجذب المستثمرين، وتوسيع قواعد جماهيرها، وتنويع مصادر دخلها.

وإذا نجح هذا المسار، فلن يقتصر أثره على كرة القدم وحدها، بل يمكن أن يمتد إلى مختلف قطاعات الصناعة الرياضية.

المرأة والشباب.. وجه آخر للتحول

هناك جانب آخر لا يقل أهمية في التحول الرياضي السعودي، يتعلق بالمرأة والشباب.

فالتوسع في مشاركة المرأة، وتأسيس المنتخبات الوطنية النسائية، وتطوير البرامج المخصصة للرياضيين الشباب، كلها خطوات في اتجاه توسيع قاعدة الممارسة الرياضية وبناء قاعدة بشرية أكبر.

وفي المقابل، تعمل الأكاديميات وبرامج تطوير المواهب على اكتشاف الرياضيين في سن مبكرة، ومنحهم مسارات أكثر تنظيمًا للوصول إلى مستويات المنافسة العالية.

وهذه نقطة جوهرية في بناء أي منظومة رياضية ناجحة.

فالدول لا تبني مستقبلها الرياضي من خلال النجوم العالميين أو البطولات الكبرى وحدها، وإنما من خلال الأطفال الذين يمارسون الرياضة، والناشئين الذين يطورون قدراتهم، والمدربين الذين يكتسبون الخبرات، والأندية التي تنتج المواهب، والمنتخبات التي تستفيد من قاعدة واسعة من الرياضيين.

ومن هنا، سيكون أحد أهم معايير نجاح التحول السعودي هو عدد الرياضيين والمدربين والإداريين والمتخصصين في الرياضة الذين ستتمكن المملكة من إعدادهم خلال السنوات المقبلة.

2034.. اللحظة التي ستختبر المشروع بأكمله

كل هذه المسارات تقود في النهاية إلى محطة واحدة ستشكل الاختبار الأكبر: كأس العالم لكرة القدم 2034.

ففوز السعودية بحق استضافة البطولة يمثل تتويجًا لسنوات من الاستثمار والعمل والتحول في القطاع الرياضي.

وسيكون مونديال 2034 أول نسخة من كأس العالم تضم 48 منتخبًا وتستضيفها دولة واحدة، وتشمل الخطط خمس مدن مستضيفة، و15 ملعبًا مقترحًا، و134 موقعًا للتدريب، إلى جانب تطوير واسع للبنية التحتية اللازمة لاستقبال المنتخبات والجماهير والزوار من مختلف أنحاء العالم.

حجم المشروع هائل، لكن أهميته تتجاوز البطولة نفسها.

فملف السعودية الفني حصل على 419.8 نقطة من أصل 500، وهو أعلى تقييم فني يتم تسجيله في تاريخ ملفات استضافة كأس العالم.

وهذا التقييم لا يعكس طموح المشروع فقط، وإنما يعكس أيضًا مستوى الاستعداد والبنية التحتية التي تعمل المملكة على تطويرها.

ولهذا، سيكون مونديال 2034 اللحظة التي ستخضع فيها المنظومة السعودية بأكملها لأكبر اختبار ممكن.

هل تستطيع المملكة تنظيم بطولة بهذا الحجم؟

هل تستطيع المدن والملاعب وشبكات النقل والمنشآت الفندقية والتكنولوجيا ومنظومات الأمن وإدارة الفعاليات العمل وفق أعلى المعايير الدولية؟

والسؤال الأهم: ماذا سيبقى بعد انتهاء البطولة؟

2034 ليست خط النهاية

قد يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية في المشروع بأكمله.

فنجاح التجربة الرياضية السعودية لن يقاس فقط بمدى نجاح المملكة في تنظيم كأس العالم 2034، وإنما بما ستتركه البطولة وراءها.

هل ستواصل الملاعب أداء دورها في خدمة المجتمعات؟

هل ستستمر الأكاديميات في صناعة المواهب؟

هل يتحول الاستثمار الذي جذبته الرياضة إلى صناعة مستدامة؟

هل تتحول الخبرات التي اكتسبتها المملكة من استضافة أكبر الأحداث الرياضية في العالم إلى خبرة مؤسسية دائمة؟

وهل ستواصل السعودية إنتاج الرياضيين والمدربين والإداريين والمسؤولين الرياضيين القادرين على المنافسة والعمل في أعلى المستويات الدولية؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن 2034 لن تكون نهاية المشروع، وإنما محطة جديدة في رحلة أطول.

وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين استضافة الرياضة وبناء الرياضة.

فقد تستطيع دولة تنظيم بطولة كبرى على مدار أسابيع قليلة، لكن بناء منظومة رياضية قادرة على خلق قيمة اقتصادية واجتماعية ورياضية مستدامة هو مشروع أكثر تعقيدًا وطموحًا.

السعودية.. من استضافة العالم إلى صناعة المستقبل

لهذا، فإن التحول الرياضي في السعودية لا يمكن قراءته باعتباره مجموعة من البطولات والفعاليات المنفصلة، وإنما باعتباره مشروعًا وطنيًا طويل الأمد.

«خليجي 27» في جدة هو الفصل الأقرب، وكأس آسيا 2027 ستكون اختبارًا قاريًا جديدًا، بينما ستوسع فعاليات 2029 و2030 الحضور الدولي للمملكة، وسيكون كأس العالم 2034 الاختبار الأكبر لقدرة السعودية على ترجمة طموحاتها إلى واقع.

لكن القصة الأهم تقع خلف هذه الأجندة.

فالسعودية تبني البنية التحتية، وتطور المواهب، وتفتح مساحات جديدة أمام المرأة والشباب، وتجذب الاستثمارات، وتعزز المؤسسات، وتراكم الخبرات في تنظيم الأحداث الرياضية الدولية الكبرى.

المملكة لا تستعد فقط لاستضافة العالم.

إنها تبني منظومة رياضية تستهدف أن تصبح قوة فاعلة في صياغة مستقبل الرياضة العالمية.

ولهذا، لم يعد السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع السعودية استضافة البطولات الرياضية الكبرى؟

السؤال الأهم هو: ماذا ستبني السعودية من هذه البطولات؟ وماذا سيبقى منها بعد أن يعود العالم إلى بلاده

135518edb714.png
544756983436.jpeg
fa1f0540a475.jpeg