الثلاثاء 28 يوليو 2026 12:17 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

الفنون

”القرهمانة المخبل في كبة” في قرطاج: وداع مؤثر لشخصية صنعت الفرق على خشبة المسرح

النهار نيوز

تتواصل فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، وفي سهرة الأحد 26 يوليو 2026، كان الموعد مع الضحك العميق والنقد الاجتماعي اللاذع، من خلال مسرحية "القرهمانة المخبل في كبة"، نص وإخراج معز التومي، وهي مونودرام كوميدي اجتماعي ينقد العديد من الظواهر الاجتماعية، ويطرح بأسلوب ساخر مواضيع تمس المواطن التونسي في صميم يومياته ومعاناته اليومية.
الخشبة فضاء للبوح وللحلم، وعلى الركح تولد شخصيات، يبعث فيها الممثل الحياة، لتصل إلى المتفرج حقيقية ونابضة. وللممثل قدرة خارقة على الولادة مع كل شخصية، فهي عالمه المبهر الخاص. وفي هذا العمل، اخترع معز التومي شخصيات مختلفة، أهمها المرأة التونسية المتقدمة في السن، العارفة من خلال تجاربها بمتاهات الحياة، الحاملة على كتفيها عقوداً من المعاناة والفرح والمرارة والحكمة.
في لقاء مؤثر من خلال الفيديو بين معز التومي ووالدته، وكأنه انتقام من الزهايمر، كتب التومي المسرحية لتكون الشاهد والذاكرة، وقال: "والدتي تعاني من الزهايمر، ونعايش جميعاً هذا المرض، لذلك أعرف جيداً تفاصيله". بهذا الإقرار المؤلم، تحولت المسرحية من مجرد عمل فني إلى وثيقة إنسانية، تعكس هاجس النسيان والضياع، وتجعل من الخشبة مساحة لمقاومة الزهايمر بالإبداع والحضور.
في فضاء مغلق، تخترع "القرهمانة" شخصيات تهرب إليها، ولكل شخصية تركيبة جسدية ونفسية مربكة ومتعبة. نجح التومي في التعامل معها وتفكيك شيفراتها على الخشبة وتلوينها على هواه. ففي "القرهمانة"، نجد تيمة كبرى تتمثل في الدفاع عن الخيال والحق في الاختيار، وكأن الشخصية تقول: إن الهروب إلى الخيال ليس ضعفاً، بل هو انتصار على واقع قاسٍ لا يرحم.
سينوغرافيا العرض كانت بسيطة لكنها حاملة لدلالات عميقة: فيديو مابينغ للشخصية، آلة الخياطة، السرير، وبعض الأثاث الذي يحيل إلى غرفة مغلقة حيث تدور أحداث القصة. وهذا الاختيار مقصود من صاحب العمل، الذي قال: "أردت التماهي مع ركح قرطاج بسينوغرافيا ذكية وبسيطة، بها الغمامة الموجودة في ذهن مرضى الزهايمر، وفي علاقة رمزية وإحالات إلى الشخصية وما تعيشه من متناقضات". فمن خلال الرموز، سيتعرف المتفرج على معاناة الشخصية من النسيان وتأثيره على حياتها وأفكارها، وكيف يصبح المكان مرآة للذاكرة المتلاشية.
"القرهمانة"، المرأة المتقدمة في السن، تبوح من خلال المونولوغ بأوجاعها الشخصية، فتستحضر لحظات المرض، والعلاقات الزوجية المتوترة، بالإضافة إلى الوحدة، وتخلي الأبناء، والعزلة الاجتماعية، والتربية الجنسية. لتطرح السؤال الأكبر: عن أسباب فشل العلاقات الزوجية، والزواج الصامت، والمشاكل التي تكبر كما كرة الثلج، وكيف يتحول الحلم إلى كابوس، والحب إلى روتين مميت.
يتقن معز التومي توظيف آليات الكتابة المسرحية لنقد الواقع دون السقوط في المباشراتية. فقد عرجت "القرهمانة" على ظواهر نعيشها في الإدارة التونسية، وفي قالب مضحك نقدت المنظومة العمومية، واستهتار بعض الموظفين بواجباتهم تجاه المواطنين، من خلال مثلاً ثقافة "الريزو طايح"، التي أصبحت رمزاً للانهيار البيروقراطي في وعي التونسيين.
اعتمد معز التومي على التفاعل المباشر مع الجمهور في أغلب مشاهد المسرحية، ليصبح المتلقي جزءاً من الحدث، ويساعد في توجيه الشخصية ومدى تفاعلها مع بعض المواضيع. إذ أن تلقائية "القرهمانة" على الخشبة صنعت مساحة للحوار مع الجمهور، على غرار الممثلة سناء يوسف التي طلبت منها المساعدة، مذكرة إياها بفشلها في الزواج من نادر (في إشارة إلى أشهر لقاء بين معز التومي وسناء يوسف في مسلسل "الليالي البيض"). كان ذلك لقاءً عفوياً أعاد لمعز التومي حلم البطولة في الدراما، ووصل بالجمهور إلى حالة من الاندماج الكامل مع العمل.
"القرهمانة المخبل في كبة" هي جزء من مشروع كامل انطلق منذ 14 عاماً، بدأه معز التومي عبر تقمصه شخصية المرأة العجوز مع "فركة صابون"، لكنه يذهب في هذا العمل إلى مساحة أكثر عمقاً في مساءلة التحولات التي عرفها المجتمع التونسي على مدى عقود. وفي هذا العرض، يختتم مسيرة الشخصية على ركح المسرح الأثري بقرطاج، حيث صرح التومي خلال الندوة الصحفية التي عقبت العرض: "هي شخصية عايشتها لمدة طويلة ومازالت تنبض بالفن، ولكن ولأسباب صحية، حان وقت نهايتها. اللعب على المسرح عملية انتحارية جسدياً ومتعبة جداً... 'مكره أخاك لا بطل'، وقرطاج محطة مهمة وأفضل مكان أنهي فيه القرهمانة".
انتهت "القرهمانة" من الخشبة وستعود إلى الورق، أما صانعها فمازال يحلم بكتابة شخصيات أخرى، ومازال يؤمن أن للكتابة والمسرح القدرة على تلوين الحياة، وإخراج الإنسان من ظلمة النسيان إلى نور اللقاء والبقاء.
وقدم معز التومي مسرحيته أمام جمهور غفير، كما سانده بالحضور مجموعة من الفنانين، على غرار صابر الرباعي، سناء يوسف، وجيهة الجندوبي، وعزيزة بولبيار التي سبق وأن شاركته نجاحات مسرحية "فركة صابون". نجح معز التومي في رهان مسرح قرطاج، وأكد أن الممثل الجاد يستطيع كسب أصعب الرهانات، والعمل المكتوب بصدق وحرفية يصل إلى المتلقي دون وساطة، لتنتهي رحلة "القرهمانة" في انتظار شخصيات ونصوص أخرى ستبعث على الخشبة من جديد.