الأحد 7 يونيو 2026 02:47 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

رؤية نقدية

الكاتبة سهام الزعيري تكتب عن المجموعة القصصية ”دموع الورد” للكاتب حسام أبو العلا

الكاتبة سهام الزعيري
الكاتبة سهام الزعيري

حين نقترب من المجموعة القصصية «دموع الورد» نجد أنفسنا أمام نصوص تنتمي إلى ما يمكن تسميته بأدب الإنسان العادي؛ ذلك الإنسان الذي لا تصنعه البطولات الكبرى، بل تشكله التفاصيل الصغيرة، والخيبات المتراكمة، والأحلام المؤجلة، والعلاقات الإنسانية التي تتأرجح بين الوفاء والجحود.

*منذ العنوان* يضعنا الكاتب أمام مفارقة دلالية لافتة؛ فالورد رمز للجمال والحياة والعطر، بينما تشير الدموع إلى الألم والانكسار.
ومن هذا التزاوج بين الجمال والحزن تتشكل الرؤية العامة للمجموعة. فالكاتب لا ينظر إلى الحياة بوصفها فضاء للسعادة المطلقة أو للحزن المطلق، بل يراها مزيجا من الاثنين، حيث يولد الأمل من قلب المعاناة، وتزهر الإنسانية أحيانا في أكثر اللحظات قسوة.

*تعتمد قصص المجموعة على الواقعية الاجتماعية* بوصفها إطارا عاما، لكنها ليست واقعية تسجيلية تكتفي برصد الأحداث، بل واقعية إنسانية تبحث عما وراء الظواهر. فالكاتب لا يكتفي بعرض مشهد الأب الذي ينتظر أبناءه فلا يجد منهم إلا الجفاء، أو الأم التي تخفي دموعها حتى لا ينهار البيت، أو الطفل الذي يحمل هموم الحياة مبكرا، وإنما يحاول الكشف عن الأبعاد النفسية والوجدانية الكامنة خلف هذه المواقف.

*ومن أبرز ما يلفت الانتباه في المجموعة* أن الشخصيات ليست شخصيات استثنائية، بل نماذج مأخوذة من قلب المجتمع. إنها شخصيات يمكن أن نصادفها كل يوم؛ الأب المكافح، والأم الصابرة، والابن العاق، والعاشق الحالم، والفقير الذي يقاوم قسوة الظروف. وهذا الاختيار يمنح النصوص قدرا كبيرا من المصداقية ويجعل القارئ يشعر بأنه جزء من العالم السردي لا مجرد متلق له.

*أما على المستوى الفني، فتتميز القصص* بلغة واضحة وسلسة، بعيدة عن التعقيد اللفظي أو الزخرفة البلاغية المفرطة. وهي لغة تنحاز إلى الفكرة والشعور أكثر من انحيازها إلى الاستعراض اللغوي. وقد نجح الكاتب في توظيف هذه البساطة لصالح التأثير الوجداني، فجاءت الجمل قصيرة في كثير من المواضع، مشحونة بالدلالة، وقادرة على نقل الإحساس مباشرة إلى القارئ.

*كما تتجلى قيمة المجموعة في حضور البعد الأخلاقي* دون الوقوع في المباشرة الوعظية. فالكاتب لا يقدم دروسا جاهزة، بل يترك الأحداث والشخصيات تتحدث عن نفسها. ومن خلال مصائر أبطاله تتشكل الرسالة الإنسانية للنصوص؛ رسالة تؤكد أهمية الرحمة، والوفاء، والترابط الأسري، والتمسك بالقيم في مواجهة موجات التفكك التي يشهدها المجتمع المعاصر.

*ومن القضايا المركزية التي تطرحها المجموعة* قضية التحولات الاجتماعية وتأثيرها في العلاقات الإنسانية. فالكثير من القصص تكشف كيف يمكن لضغوط الحياة المادية أن تعيد تشكيل منظومة القيم، وأن تدفع بعض الشخصيات إلى الجحود أو الأنانية أو التخلي عن مسؤولياتها الأخلاقية. غير أن الكاتب، رغم سوداوية بعض المشاهد، لا يسقط في اليأس، بل يترك دائما نافذة مفتوحة للضوء، وكأن كل قصة تقول إن الخير قد يتراجع، لكنه لا يختفي.

*وإذا كان الأدب الحقيقي هو ذلك الأدب القادر على أن يجعلنا نرى أنفسنا بوضوح أكبر*، فإن «دموع الورد» تحقق هذا الهدف بجدارة. فهي مجموعة تدفع القارئ إلى مراجعة علاقاته الإنسانية، وإعادة التفكير في مفهوم الأسرة والحب والتضحية والوفاء. ولذلك فإن تأثيرها لا ينتهي بانتهاء القراءة، بل يستمر داخل الوعي والوجدان.

*وفي النهاية، تمثل* «دموع الورد» تجربة قصصية صادقة تنبع من نبض الواقع المصري والعربي، وتؤكد قدرة القصة القصيرة على ملامسة القضايا الكبرى من خلال التفاصيل الصغيرة. إنها مجموعة تكتب الإنسان للإنسان، وتنتصر للقيم النبيلة في زمن تتعرض فيه هذه القيم لاختبارات صعبة، وهو ما يجعلها إضافة مهمة إلى المشهد القصصي المعاصر، ودليلا على أن الأدب الصادق ما زال قادرا على التأثير والإدهاش وإثارة الأسئلة.

86e788379040.jpg
be85b7e32248.jpg
سهام/الزعيري