الأربعاء 3 يونيو 2026 12:01 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

أدب وثقافة

دراسة نقدية:

نزف الذاكرة وشاعرية اللغة عند صباح عبد النبي في رواية (مِسك الروح)

الكاتبة صباح عبد النبي الدويري
الكاتبة صباح عبد النبي الدويري

د/ ثروت عكاشة السنوسي
عضو اتحاد كتاب مصر
حين تتحول الرواية إلى ذاكرة تنزف في إطار السرد الجميل تواليًا، يمكنك أن تشعر بمتعة القراءة ورقي الفكر وحسن صياغة وتنظيم الفكرة.
هنا ليست رواية (مِسك الروح) مجرد حكاية عن أسرة ريفية تتنازعها الميراثات والخيانات والأقدار، بل هي نص إنساني كثيف، يكتب الألم بلغة الشعر، ويحوّل الفقد إلى طقس روحي طويل. منذ الصفحات الأولى ندخل عالمًا روائيًا مشبعًا بالحزن النبيل، حيث تمتزج رائحة التوت برائحة الموت، وتمتزج البراءة الطفولية بالخوف الكامن في أعماق الشخصيات، وكأن الكاتبة تريد أن تقول منذ البداية إن الحياة نفسها لا تمنح الفرح خالصًا أبدًا.
تبدأ الرواية بمشهد شديد الدفء والحنين؛ الجدة "عرب" تحتضن الطفلتين، تمسح رأسيهما، وتغني لهما وتداعبهما، لكن هذا الحنان لا يخلو من رعشة خوف دفينة، فالمشهد كله مغمور بإحساس خفي بالفقد الوشيك: "تقبض على الجسدين تفك تشابك الأذرع الأربع وتفك تشابك الأحضان بينهما..." منذ اللحظة الأولى تضعنا الكاتبة أمام عالم يقوم على ثنائية الاحتضان والافتراق؛ فكل عناق في الرواية يخفي داخله خوفًا من الفقد.
أولًا: العنوان ودلالته الرمزية:
(مِسك الروح) بوصفه استعارة للحضور الغائب: ويُعد عنوان الرواية واحدًا من أكثر عتبات النص نجاحًا وإيحاءً. فـ"المسك" ليس مجرد رائحة عطرة، بل رمز للأثر الباقي بعد الغياب. أما "الروح" فهي ذلك الجوهر الإنساني الهارب من الفناء. وهكذا يصبح العنوان كله إشارة إلى بقاء الأحبة داخل الذاكرة حتى بعد رحيلهم.
ويتكرر هذا المعنى داخل الرواية بصورة لافتة، خصوصًا حين تقول "عرب" عن ابنتها الراحلة آسيا:
"الله يرحمك يا آسيا مِسك روحك يفوح من أنفاس البنتين." هنا يتحول "المسك" إلى ميراث روحي ينتقل عبر الأجيال؛ فآسيا لم تمت تمامًا، بل بقي عبيرها حيًا في التوأمين.
العنوان إذن ليس زخرفة شعرية، بل مفتاح تأويلي للرواية كلها؛ فالشخصيات الغائبة أكثر حضورًا من الشخصيات الحية، والذاكرة في النص أقوى من الواقع.
ثانيًا: شعرية اللغة والسرد:
حين يكتب السرد بروح القصيدة: وهذه واحدة من أهم ميزات الرواية هي لغتها المدهشة؛ فالكاتبة لا تكتب بلغة تقريرية، بل بلغة مشبعة بالمجاز والإيقاع والصور الحسية.
انظر مثلًا إلى هذا المقطع تقول الكاتبة: "يزمجر القلب في صدرها الخاوي تصفر فيه الريح." إنه تركيب بالغ الشعرية؛ فالقلب هنا ليس عضوًا بيولوجيًا، بل بيت مهجور تعصف فيه الرياح. وهذه القدرة على تحويل الألم النفسي إلى صورة حسية ملموسة تُعد من أبرز نقاط قوة الرواية.
كذلك تقول الكاتبة: "ترفرف روحها بجناحين." فتصبح الروح كائنًا طائرًا، لا مجرد حالة شعورية.
واللافت أن اللغة رغم شاعريتها لا تسقط في الغموض أو التكلّف؛ إذ تحافظ الكاتبة على توازن دقيق بين الفصحى الأدبية والروح الشعبية الصعيدية، مما يمنح النص صدقه وحميميته.
ثالثًا: شخصية «عرب»:
المرأة التي تتحول إلى وطن كامل: تُعد "عرب" من الشخصيات النسائية القوية والمركبة في الرواية العربية المعاصرة. فهي ليست مجرد جدة حنون، بل ذاكرة العائلة، وحارسة الأرض، والأم الكبرى، والمرأة التي تحاول الوقوف في وجه عالم ذكوري متوحش. تفقد: ( زوجها، وابنتها، وبصرها، وشقيق روحها "مسلم") ، ومع ذلك لا تنهار بالكامل، بل تتحول إلى قلعة من الصبر والحدس الروحي.
ومن أجمل المقاطع التي تكشف عمق هذه الشخصية قولها: "شدي حيلك يا عرب." هذه العبارة البسيطة تتحول عبر التكرار إلى لازمة وجودية؛ كأن الشخصية تخاطب نفسها كي لا تسقط في هاوية الانكسار.
والكاتبة تنجح في رسم "عرب" دون مثالية زائفة؛ فهي قوية، لكنها موجوعة، مؤمنة، لكنها خائفة، صلبة، لكنها شديدة الحساسية.
رابعًا: ثنائية الأرض والأنثى:
الاغتصاب الاجتماعي للميراث والهوية: الرواية لا تناقش قضية الميراث باعتبارها مسألة قانونية فحسب، بل باعتبارها شكلًا من أشكال اغتصاب المرأة وطمس وجودها.
حين يستولي الأخوان على حق "عرب" وحفيدتيها، يصبح الأمر أكبر من نزاع على أرض؛ إنه محاولة لإلغاء الأنثى نفسها.
تقول الرواية بمرارة: "كل تهمتهن في شهادة الميلاد أو قسيمة الزواج أو شهادة الوفاة هي الأنوثة." هذه الجملة وحدها تختصر مأساة اجتماعية كاملة.
وقد نجحت الكاتبة هنا في تحويل القضية الفردية إلى قضية إنسانية عامة تخص النساء في المجتمعات الشرقية التي ما تزال تنظر إلى المرأة بوصفها كائنًا ناقص الحق.
خامسًا: التوأم (مِسك) و(روح):
الطفولة بوصفها مقاومة للموت: التوأم في الرواية ليس مجرد شخصيتين طفوليتين؛ إنهما امتداد لآسيا، وتجسيد للحياة التي تصر على البقاء رغم الخراب. لذلك تمتلئ مشاهدهما: ( بالغناء، والرقص، واللعب، وصناعة تيجان التوت). فالطفولة هنا فعل مقاومة ضد القبح والموت.
ومن أروع المشاهد الرمزية رقصهما الطفولي الغريب الذي يثير دهشة "الخضر": "يرقصوا رقص مدهش..." فالرقص هنا ليس لهوًا، بل إعلان خفي عن الحرية والانفلات من عالم القهر.
سادسًا: الصندوق الأسود:
ذاكرة الرواية وسردية الأسرار: الصندوق الأسود في الرواية ليس مجرد غرض مادي، بل وعاء للذاكرة والتاريخ والحقوق المؤجلة. فداخله : (الرسائل، والعقود، والذهب، والوثائق، وآثار الغائبين). إنه يشبه قلب "عرب" نفسها؛ مغلق من الخارج، لكنه ممتلئ بالأسرار والحنين. وحين يُفتح الصندوق تبدأ الحقائق بالظهور، وكأن الكاتبة تقول إن الذاكرة مهما طال دفنها ستعود يومًا.
سابعًا: البعد الصوفي والروحي:
الرواية مشبعة بروح صوفية شفافة؛ فالشخصيات تعيش في تماس دائم مع الغيب:( الأرواح حاضرة، والرؤى تتكرر، والموتى لا يغيبون تمامًا، والدعاء يشكل ملاذًا نفسيًا دائمًا). ويبدو هذا واضحًا في قول "عرب": "روحي تخف وتشف." فالروح هنا تكاد تتحرر من الجسد، وكأن الشخصية تعيش بين العالمين: عالم الواقع وعالم الغيب.
ثامنًا: تقنيات السرد والزمن:
اعتمدت الكاتبة على تقنية الاسترجاع (الفلاش باك) بكثافة، وهو اختيار مناسب جدًا لطبيعة الرواية القائمة على الذاكرة. فالزمن في (مِسك الروح) ليس خطيًا، بل دائري؛ الماضي يعود باستمرار، ويقتحم الحاضر، ويعيد تشكيله. وهذا ما يمنح الرواية طابعًا وجدانيًا عميقًا، لأن الشخصيات لا تعيش الحاضر كاملًا؛ بل تعيش على أنقاض ما فقدته.
تاسعًا: جماليات المكان:
المكان في الرواية ليس ديكورًا، بل كائن حي: ( البر الغربي، شجرة التوت، السرداب، المسجد، الدوار، النيل) كلها أماكن مشحونة بالمعنى. وشجرة التوت خصوصًا تتحول إلى رمز للحياة والذاكرة والجذور، ولذلك يبدو التهديد بقطعها تهديدًا بقطع النسب الروحي للعائلة كلها.
عاشرًا: القيمة الفنية للرواية:
تمتلك الرواية عدة عناصر تجعلها نصًا متميزًا:

1. اللغة الشعرية الرفيعة.

2. العمق النفسي للشخصيات.

3. المزج الناجح بين الواقعي والروحي.

4. الرمزية الهادئة غير المفتعلة.

5. الصدق الإنساني في تصوير الفقد.

6. الحضور القوي للمرأة بوصفها ذاكرة ووجودًا ومقاومة.


وربما تؤخذ على الرواية أحيانًا كثافة اللغة الشعرية في بعض المقاطع، مما قد يبطئ الإيقاع السردي قليلًا، لكن هذا الأمر ذاته يتحول أحيانًا إلى جزء من سحر النص وفرادته.
وفي نهاية المطاف يمكنني القول أن صباح عبد النبي الدويري قد نجحت في (مِسك الروح) وفي كتابة رواية تشبه المرثية الطويلة للحب والأرض والعائلة والذاكرة. إنها رواية عن الذين يغادرون بأجسادهم لكنهم يبقون عالقين في أرواحنا كرائحة المسك يملأون الذاكرة بذكرى أبدية لا تنتهي.
هذا نص لا يُقرأ سريعًا؛ بل يُعاش ببطء، لأن صفحاته لا تكتفي بسرد الحكاية، وإنما تفتح جراح الإنسان وأسئلته الكبرى:
ماذا يبقى منا بعد الفقد؟
هل تنجو الروح من الخراب؟
وهل تستطيع الذاكرة وحدها أن تهزم الغياب؟
لهذا تبدو (مِسك الروح) رواية مشغولة بعناية وجدانية وفنية كبيرة، وتستحق الوقوف أمامها بوصفها تجربة سردية عربية ثرية بالإنسانية والشعر والألم النبيل. مع أجمل أمنياتي لكاتبتنا الراقية بدوام الرقي والتميز والابداع.
***

3027c4c7048e.jpg
ميك/الروح