الأحد 24 مايو 2026 11:09 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

الفنون

الدبكة .. الجسد لا يكذب حين يفرح

النهار نيوز

خاص - النهار نيوز - في الشرق، لا تُولد الدبكات من المسارح الفخمة ولا من المدارس الفنية المغلقة، بل تولد من الأرض نفسها، من مواسم الحصاد، ومن الأعراس، ومن الساحات الترابية التي يجتمع فيها الناس حول الفرح الجماعي، وكأن الرقص طريقة قديمة ليقول الإنسان إنه ما يزال حياً، رغم كل شيء.

ولهذا، فإن الدبكات الشعبية عند العرب والكرد ليست مجرد لون من ألوان الفلكلور، بل جزء من الذاكرة الجمعية، ومن شكل العلاقة بين الإنسان ومجتمعه ومحيطه.

ومن يتابع الدبكات الكردية جيداً، سيكتشف بسرعة أنها ليست بعيدة عن الروح التي يعرفها العرب في دبكاتهم الشعبية المنتشرة في بلاد الشام والعراق وأجزاء واسعة من المنطقة.

فالإيقاع الجماعي نفسه، وتشابك الأيدي نفسه، وفكرة الحلقة التي لا تكتمل إلا بالجميع، وحتى ذلك الشعور الداخلي الذي يجعل الرقص الجماعي أقرب إلى إعلان غير مكتوب عن التضامن والانتماء.

هذه التفاصيل كانت من بين الابعاد الثقافية التي حاولت حملة «تكامل… عرب وكرد… مصير مشترك»، التابعة لـ شبكة الاستشراف الدولية للدراسات والاعلام، التوقف عندها عبر عدد من المواد الثقافية والفيديوهات والمنشورات التي سعت إلى إبراز حجم التقارب الإنساني بين الشعبين من خلال الفن والتراث الشعبي،فالناس غالبًا ما تكتشف قربها الحقيقي من بعضها في لحظات الفرح، لا في النقاشات السياسية الطويلة.

وفي الأعراس الكردية، كما في كثير من الأعراس العربية، تتحول الدبكة إلى مساحة جماعية تختفي فيها الفوارق الاجتماعية والسياسية وحتى العمرية، فالجميع يشارك، والجميع يتحرك على الإيقاع ذاته، وكأن الرسالة العميقة التي تحملها هذه الطقوس الشعبية تقول إن الجماعة أقوى حين تتحرك معاً.

ولعل هذا ما يمنح الدبكات الشعبية قيمتها الرمزية الكبيرة في ثقافات المنطقة، فهي ليست مجرد حركات منظمة، بل تعبير عن فكرة “الكتف إلى الكتف”، وعن أهمية الجماعة، وعن العلاقة القديمة بين الإنسان وأرضه وناسه.

وفي التجربة الكردية تحديداً حافظت الدبكات الشعبية على حضورها القوي رغم التحولات السياسية والاجتماعية الكبيرة التي مرت بها المنطقة خلال العقود الماضية،بل ربما ازدادت أهمية هذه الفنون الشعبية بوصفها وسيلة للحفاظ على الهوية والذاكرة الجماعية.

وفي المقابل، فإن المجتمعات العربية بدورها تمتلك علاقة عميقة جداً مع الدبكات والرقصات الشعبية، خصوصاً في بلاد الشام والعراق، حيث ما تزال هذه الفنون حاضرة بقوة في المناسبات الاجتماعية والوطنية.

ومن الجميل اليوم أن نرى هذا النوع من الفنون يتحول تدريجياً إلى مساحة للتقارب الثقافي بين العرب والكرد، سواء عبر المهرجانات، أو الفعاليات المشتركة، أو حتى عبر الفيديوهات القصيرة التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي وتحصد تفاعلاً واسعاً من الطرفين.

فالإنسان حين يرى الآخر يفرح بالطريقة نفسها تقريباً، يشعر تلقائياً بأن المسافة بينهما ليست بعيدة كما كان يظن، وهذا تحديدًا ما حاولت حملة «تكامل» البناء عليه، اي إعادة تقديم العلاقة العربية - الكردية من خلال المشتركات اليومية البسيطة التي يفهمها الناس بصورة طبيعية، دون تنظير أو شعارات ثقيلة، لأن المشكلة في منطقتنا لم تكن يوماً غياب المشتركات، بل غياب الضوء الذي يُسلَّط عليها.

لقد عاشت شعوب المنطقة سنوات طويلة تحت تأثير خطاب سياسي وإعلامي يركز على الخلافات والهويات المغلقة، بينما جرى تجاهل المساحات الواسعة التي تجمع الناس في حياتهم العادية.

ولهذا، فإن استعادة الفنون الشعبية والتراث المشترك ليست مسألة ثقافية فقط، بل محاولة لإعادة بناء صورة أكثر هدوءاً وإنسانية عن العلاقة بين المجتمعات، كما أن الفن الشعبي يمتلك ميزة مهمة جدا،أنه يصل إلى الناس بسرعة، لأنه يشبههم ويخرج من بيئتهم الحقيقية، وليس من الخطابات الرسمية الباردة.

وربما لهذا السبب، تبقى صورة مجموعة من الشباب العرب والكرد وهم يرقصون دبكة واحدة في مناسبة بسيطة، أكثر تأثيراً أحياناً من عشرات البيانات السياسية، لأن الجسد لا يكذب حين يفرح.

وفي منطقة تبحث منذ سنوات عن لغة جديدة للتفاهم، قد تكون الدبكة، بكل بساطتها وعفويتها، واحدة من أكثر اللغات صدقاً.

0dc024c3c008.jpg
d268fda2fb3c.jpg
الدبكة .. الجسد لا يكذب حين يفرح