كتب ديمتري بريجع«أربعون يوماً هزّت الإمبراطورية: كيف كشف الذكاء الاصطناعي حدود القوة الأمريكية في حرب إيران؟»


الكاتب ديمتري بريجع
مدير وحدة الدراسات الروسية في "مركز الدراسات العربية الأوراسية" (CAES) - خبير في مجلس الشؤون الدولية الروسي.
من منظور استراتيجي، يمكن القول إن الولايات المتحدة تعرضت في إيران لهزيمة غير مسبوقة يصعب ترميم آثارها أو تجاهل تداعياتها. فبعد أسابيع من القصف المكثف، لم تنكسر بنية الدولة الإيرانية، ولم يقدم النظام السياسي في طهران التنازلات التي كانت واشنطن تراهن عليها. بل على العكس، تحولت الأزمة إلى نقطة انعطاف كبرى في ميزان القوة الإقليمي والدولي.
أخطر ما في هذه الحرب لم يكن فقط فشل القوة العسكرية الأمريكية في تحقيق أهدافها، بل انكشاف حدود التفوق الأمريكي في لحظة كان يفترض فيها أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يمنحان واشنطن أفضلية حاسمة.
كانت منظومة Maven Smart System التابعة لشركة Palantir أحد العناصر المركزية في إدارة العملية العسكرية الأمريكية. هذه المنصة صممت لتحليل البيانات في الزمن الحقيقي، عبر دمج المعلومات القادمة من الأقمار الصناعية، وأجهزة الاستشعار، وشبكات الاتصالات، ومصادر الاستخبارات المختلفة. بعبارة أخرى، كانت Maven بمثابة “العقل الفائق” للعملية، حيث تقوم خلال دقائق بما كان يحتاج سابقا إلى ساعات طويلة من التحليل البشري.
لكن السرعة المفرطة في القرار العسكري قد تتحول أحيانا إلى كارثة استراتيجية وأخلاقية. فوفق الرواية المتداولة، أدى أحد الضربات الدقيقة التي جرى إعدادها بمساعدة أنظمة تحليل متقدمة إلى استهداف مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب، ما تسبب في سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين، بينهم عشرات الطالبات. وإذا ثبتت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يمثل خطأ عملياتيا فقط، بل ضربة قاسية لصورة الولايات المتحدة ولخطابها حول “الحرب الدقيقة” و”التفوق الأخلاقي”.
الولايات المتحدة لم تواجه منذ عقود إخفاقا بهذا الحجم الرمزي. فالهزائم أو النكسات السابقة، من فيتنام إلى أفغانستان والعراق، كانت لها آثار كبيرة، لكنها لم تكن دائما بهذا القدر من الانكشاف العلني أمام عالم متعدد الأقطاب، وأكثر استعدادا للتشكيك في الرواية الأمريكية.
عندما يهدد زعيم أمريكي باستخدام لغة الإبادة، ثم يطلب سرا التهدئة، ثم يحاول إعلان الهزيمة بوصفها نصرا، فإن الأزمة لا تعود مرتبطة بشخص الرئيس فقط. إنها تمس الثقة في قدرة النظام الأمريكي نفسه على إنتاج قرارات استراتيجية عقلانية ومتوازنة.
في هذه اللحظة، تظهر الولايات المتحدة كـ “نمر من ورق” في نظر كثيرين. حلفاء واشنطن في الخليج، الذين بنوا جزءا كبيرا من أمنهم الاقتصادي والعسكري على المظلة الأمريكية، باتوا مضطرين إلى إعادة تقييم حساباتهم والتفاوض مع طهران بواقعية أكبر. أما الحلفاء في أوروبا وشرق آسيا، فينظرون بقلق إلى قدرة أمريكا على الاستمرار كضامن طويل الأمد للأمن الدولي.
إننا أمام تسارع واضح في عملية التكيف العالمي مع مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية.
الأهم من ذلك هو موقع مضيق هرمز. فإذا نجحت إيران في تكريس سيطرتها العملية على هذا الممر الحيوي، فإنها لن تمتلك فقط ورقة ضغط عسكرية، بل أداة جيو اقتصادية قادرة على التأثير في أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحسابات الدول المستوردة للنفط والغاز. السيطرة على هرمز قد تصبح، في بعض جوانبها، أكثر تأثيرا من أي قدرة نووية افتراضية، لأنها تمنح طهران سلطة مباشرة على شريان من أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
في مثل هذا السيناريو، يمكن أن تقترب أسعار النفط من مستويات خطيرة، وقد تدخل الأسواق العالمية في موجة جديدة من التضخم، ونقص المواد الخام، واضطراب الأمن الغذائي، خصوصا في الدول الأكثر اعتمادا على الاستيراد.
ومع تراجع الثقة في الضمانات الأمريكية، تبدأ قوى إقليمية ودولية في ملء الفراغ. يمكن ملاحظة اتجاهين رئيسيين:
أولا، تسعى دول مثل تركيا، والسعودية، وباكستان، ومصر إلى تسريع بناء ترتيبات أمنية بديلة أو موازية، لا تعتمد بالكامل على الولايات المتحدة.
ثانيا، تظهر شراكات مضادة أو موازنة، مثل التقارب بين فرنسا، واليونان، والهند، في مواجهة صعود التأثير التركي والباكستاني، مستندة جزئيا إلى الاتفاقات الدفاعية الفرنسية اليونانية، وإلى اهتمام الهند المتزايد بأمن شرق المتوسط والخليج والممرات البحرية.
المشكلة الأخطر أن الدول التي كانت تعتمد سابقا على الحماية الأمريكية قد تصل إلى قناعة مفادها أن “المظلة” لم تعد مضمونة. وهذا قد يدفع بعض القوى إلى التفكير في امتلاك أسلحة من نوع جديد، أو حتى تطوير قدرات ردع غير تقليدية، بما في ذلك الأسلحة النووية التكتيكية، باعتبارها الضمانة الوحيدة للسيادة في عالم مضطرب.
هنا تصبح الأزمة أكبر من إيران وأمريكا. إنها أزمة النظام الدولي نفسه.
فمع تراجع مركز الهيمنة الأمريكي، وتعدد الخطوط الحمراء المتقاطعة، تبدو المؤسسات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، أقل قدرة على إدارة الصراعات الكبرى. العالم يدخل مرحلة تتشكل فيها التحالفات بسرعة، وتنهار بسرعة، وتتغير الاصطفافات بحسب المصالح والتهديدات لا بحسب الأيديولوجيا فقط.
لذلك، فإن هزيمة الولايات المتحدة في هذه الأزمة ليست عسكرية فقط. إنها هزيمة رمزية ونفسية بالدرجة الأولى. لقد تعرضت صورة القوة الأمريكية المطلقة، التي ترسخت منذ نهاية الحرب الباردة، لضربة عميقة.
أربعون يوما من الحرب كانت كافية لإظهار أن التفوق التكنولوجي لا يضمن النصر، وأن الذكاء الاصطناعي لا يعوض غياب الرؤية السياسية، وأن القوة العسكرية عندما تفشل في تحقيق هدفها تتحول من أداة ردع إلى عامل انكشاف.
العالم يدخل الآن مرحلة الكتل المتشظية، حيث لم تعد الضمانات الأمنية ثابتة، ولم تعد التحالفات أبدية، ولم تعد القوة الأمريكية قادرة على فرض قواعد اللعبة وحدها.
وهذا هو الأثر الأعمق والأكثر خطورة لهذه الحملة: ليس فقط أن واشنطن فشلت في إيران، بل أن العالم بدأ يتصرف وكأنه لم يعد ينتظر القرار من واشنطن



















محافظ القليوبية ومدير الأمن يتابعان ميدانياً جهود السيطرة على حريق مخازن ”أبو...
وفاة السائق وإصابة وليد الريس بحادث سير على طريق السلوم
بائع فاكهة يقتل شاب عاتبة لمعاكسة خطيبتة بالشارع
انهيار منزل مكون من ٥ طوابق بكفر الحمام في بنها.. ونقل مصابين...
المدن العربية الكردية المشتركة تكتب قصص التعايش واستيعاب التنوع
كاسبرسكي تحذّر من هجمات تصيّد احتيالي تتم عبر حسابات مخترَقة تابعة لخدمة...
مدبولي يتفقد اعمال كونكريت بلس للعمل على تسليم مبني الغسيل الكلوي...
أميرة مسعود تستعرض استراتيجيتها لقيادة قطاع المبيعات بشركة «ريو للاستثمار العقاري»