السبت 9 مايو 2026 02:41 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

منوعات وتنمية بشرية

وجودُ ابني في حياتي، حيًّا وشهيداً، درسٌ لرسالةٍ أرادها الله مني

النهار نيوز

د. شيرين العدوي
«أكرموا وفادة البلاء، فإن الموت ضيفٌ من ضيوف الرحمن. صبّركم الله وبارك أعمالكم».
حينما رحل ابني ـ رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ـ لم أشقّ الصدور، ولم ألطم الخدود، ولم أضع التراب على رأسي، ولم أمشِ كالدراويش. ليس لأنني أقوى البشر إيمانًا، بل لأنني ذقت حلاوة الصبر الحقيقي، ولأنني طلبت من الله أن يرزقني الصبر، فأرسله إليّ مع الاحتساب.
ورغم ذلك، فإن صبري غير كامل؛ فأنا لا أستطيع الذهاب إلى أماكن العزاء، وربما لو ضغطت على نفسي وذهبت، لجَلستُ أسابيع لا أستطيع أن أقوم من مقامي. أنا لا أبكي أمام أحد حتى لا أُحزنه، فيتذكر عزيزًا أو قريبًا، أو يخاف على نفسه وأولاده فيبكي. لكنني، في أيام كثيرة، لا أكفّ عن البكاء بمفردي. أبكي أمام الله؛ لأنه لن يحزن ولن يخاف، وهو دائمًا يرسل إليّ من يقوّيني.
وقد جعلت وجود ابني في حياتي، حيًّا وشهيدًا، درسًا لرسالةٍ أرادها الله مني. لا أدّعي القوة، ولا أقول إنني بطلة العالم في الصبر، لكن الصبر يرتفع ويقلّ، وحينما يقلّ أتذكر الله، فأجده أجمل مما أعرف ومما يعرف البشر، فيهدأ قلبي.
وجعلت كل طالب وطالبة أقابلهما في الحياة ابنًا أو ابنةً لي إذا احتاجاني. لم يجعلني الموت قاسية، بل جعلني مترفعةً عن صراعات لا أريدها. كلما قابلني صراع تذكّرت موت ابني، فرأيت الحياة أقصر. وكلما شاهدت ألم إنسان بسبب الفقد تمنّيت أن أُخفف عنه ألمه بفهمه لمنظومة الخلق.
وربما يكون هناك فقدٌ آخر؛ أن يكون الشخص الذي فقدته على قيد الحياة، حيًّا يُرزق، وذلك أشدّ أنواع الفقد.
الحياة أبسط وأخفّ وأقلّ مما نتخيّل؛ طريق نعبره، لا مقام نخلد فيه. ولن نأخذ معنا من الأرض شيئًا سوى الأمانة التي أدّيناها.
اعملوا بإحسان، تكونوا مثلي وأكثر. والإحسان لا يستطيعه كل إنسان؛ لأنك تُحسن إلى من أساء إليك، وأنت تعلم أنه يسيء إليك، ثم تغفر. وتغفر لمن جار على حقك، أو سرقك، أو أراد أذيتك. تغفر لا لأنك ساذج، بل لأنك الأقوى نفسيًّا؛ فتشفق عليه، وتسامحه، وتغفر.
أن تكون عالمًا بخيوط اللعبة من بدايتها إلى نهايتها، ثم تغفر… فهذا أمر لا يقدر عليه أكثر الناس.
وحينما يراني أحد أؤدي دوري جيدًا في الحياة، فيقول لي: «أتمنى أن أكون مكانك»، أقول له في قلبي: لا أريدك أن تكون مكاني؛ لأنك لن تتحمل شعرةً مما مررتُ به، أو ما أزال أمرّ به.