الأربعاء 1 أبريل 2026 10:09 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

منوعات وتنمية بشرية

جيلٌ على مفترق الطرق : لماذا لم يعد تربية الأبناء خيارًا تقليديًا في زمن التحولات الكبرى؟

النهار نيوز

بقلم: الكاتب والاعلامي د. طراد علي بن سرحان الرويس
في لحظة تاريخية فارقة، لم يعد التحدي الذي تواجهه مجتمعاتنا العربية اقتصاديًا أو تقنيًا فحسب، بل أصبح تحديًا إنسانيًا عميقًا يمس جوهر تكوين الإنسان نفسه، نحن نعيش في زمن تتسارع فيه التحولات بشكل غير مسبوق؛ حيث تتغير القيم، وتتبدل أنماط الحياة، وتُعاد صياغة العلاقات الاجتماعية تحت ضغط التكنولوجيا والفضاء الرقمي المفتوح، وفي خضم هذا المشهد المتغير، يقف أبناؤنا في قلب العاصفة.
لم يعد الطفل اليوم مجرد متلقٍ للتربية التقليدية، بل أصبح كائنًا رقميًا يتشكل وعيه بين شاشات الهواتف، ومنصات التواصل الإجتماعي، وثقافات عابرة للحدود، وهنا يكمن التحدي الحقيقي: [ كيف نعيد بناء البنية النفسية والسلوكية لأبنائنا بما يتلاءم مع هذا العصر، دون أن نفقد هويتنا وقيمنا؟ ]
إن البنية النفسية لم تعد تُبنى فقط داخل الأسرة أو المدرسة، بل أصبحت تُصاغ عبر خوارزميات لا نتحكم بها، ومحتوى لا نستطيع دائمًا توجيهه، وهذا يفرض علينا الانتقال من مفهوم "التربية التلقينية" إلى "التربية الواعية"، التي تركز على بناء الإنسان القادر على التفكير والفهم، لا مجرد الحفظ؛ وعلى التوازن النفسي، لا مجرد الامتثال.
أبناؤنا اليوم بحاجة إلى مهارات نفسية جديدة: القدرة على إدارة القلق، التكيف مع التغير، التفكير النقدي، والانضباط الذاتي في عالم مفتوح بلا حدود.
إنهم بحاجة إلى من يُعلمهم كيف يختارون، لا ماذا يختارون فقط، وهنا تتحول مسؤولية الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية من "نقل المعرفة" إلى "بناء الإنسان".
الإعلام، على وجه الخصوص، يتحمل مسؤولية مضاعفة، فبدلًا من أن يكون مجرد ناقل للأحداث أو صانع للترفيه، يجب أن يتحول إلى شريك في إعادة تشكيل الوعي الجمعي.
نحن بحاجة إلى إعلام يعزز القيم، ويدعم الصحة النفسية، ويقدم نماذج واقعية للنجاح المتوازن، بعيدًا عن التضليل أو السطحية.
لكن الحقيقة التي قد تكون صادمة هي أن المشكلة لا تكمن في الأبناء، بل في النماذج التي نقدمها لهم، فالأب الذي يطلب من ابنه ترك الهاتف، وهو لا يرفع عينه عنه، لا يصنع تربية، بل يصنع تناقضًا، والأم التي تطالب بالهدوء وهي تعيش توترًا دائمًا، لا تنقل استقرارًا، بل تُورث قلقًا.
إعادة تشكيل البنية النفسية والسلوكية للأبناء تبدأ أولًا بإعادة تشكيل وعي الكبار أنفسهم، إنها عملية شاملة تتطلب مراجعة صادقة لأساليبنا، وقيمنا، وأولوياتنا، إنها ليست مهمة سهلة، لكنها لم تعد خيارًا.
نحن لا نُربي أبناءنا لزمننا، بل نربيهم لزمنهم، وإذا لم نُدرك ذلك اليوم، فسنجد أنفسنا أمام جيلٍ يمتلك كل أدوات العصر، لكنه يفتقد البوصلة.
إن ما اردت الاشارة إليه، هو أن المستقبل لا يُبنى بالمعرفة وحدها، بل بالإنسان القادر على استخدام هذه المعرفة بوعي واتزان، وإعادة تشكيل البنية النفسية والسلوكية لأبنائنا لم تعد ترفًا تربويًا، بل ضرورة وجودية لمجتمعاتنا.
وعلى ضوء ما تم ذكره أعلاه، يطيب لي أن أعرض لحضراتكم أدناه "مشهد واقعي" يلخّص واحدة من أخطر التحولات التي يشهدها المجتمع العربي اليوم ..
[في مساءٍ عادي داخل أحد البيوت العربية، يجلس الأب ممسكًا بهاتفه يتنقل بين الأخبار، بينما تنشغل الأم في متابعة مقاطع قصيرة لا تنتهي، وفي زاوية الغرفة يجلس طفلٌ صغير، لا يرفع رأسه عن جهازه اللوحي].
قد يبدو المشهد مألوفًا، بل اعتياديًا إلى حدٍّ كبير، لكنه في الحقيقة يلخّص واحدة من أخطر التحولات التي يشهدها المجتمع العربي اليوم: نحن لا نعيش فقط في عصر التكنولوجيا، بل في عصر يُعاد فيه تشكيل الإنسان من الداخل.
لم يعد التحدي الذي يواجه الأسرة العربية هو توفير التعليم أو تأمين الاحتياجات المعيشية، فهذه رغم أهميتها لم تعد جوهر الأزمة، فالتحدي الحقيقي أصبح أعمق وأكثر تعقيدًا: وهو .. كيف نحافظ على التوازن النفسي والسلوكي لأبنائنا في عالم مفتوح، سريع، متغير، وضاغط إلى حدٍّ غير مسبوق؟
لقد تغيرت قواعد اللعبة بالكامل، ففي السابق، كانت الأسرة والمدرسة هما المصدران الأساسيان لتشكيل وعي الطفل، وكانت القيم تنتقل بشكل شبه مستقر عبر الأجيال، أما اليوم، فقد دخل لاعب جديد، قوي، غير مرئي، لكنه شديد التأثير، وهو الفضاء الرقمي.
هذا الفضاء لا ينقل المعرفة فقط، بل يعيد صياغة المفاهيم، ويعيد ترتيب الأولويات، ويزرع أنماطًا سلوكية جديدة دون أن نشعر.
الطفل اليوم لم يعد ينتظر التوجيه، بل يتلقى آلاف الرسائل يوميًا: (كيف يفكر، ماذا يحب، كيف يرى نفسه، وما الذي يجب أن يكون عليه).
وهذه الرسائل لا تأتي دائمًا من مصادر موثوقة أو متزنة، بل كثيرًا ما تكون مشوهة، سطحية، أو حتى مضللة، وهنا تبدأ ملامح الخلل في التكوين النفسي بالظهور: (قلق غير مبرر، مقارنة دائمة بالآخرين، ضعف في التركيز، وتذبذب في الهوية).
لكن الأخطر من ذلك، هو أن كثيرًا من الأسر لا تزال تتعامل مع هذه التحولات بعقلية الماضي، لا تزال التربية تُمارس بأسلوب الأوامر والنواهي، في حين أن الواقع الجديد يتطلب فهمًا أعمق، وحوارًا أكثر نضجًا، ومشاركة حقيقية في بناء الوعي.
إن إعادة تشكيل البنية النفسية والسلوكية للأبناء لم تعد مهمة تربوية تقليدية، بل أصبحت مشروعًا استراتيجيًا طويل الأمد، مشروع يبدأ من إدراك أن الطفل ليس مجرد متلقٍ، بل فاعل يتأثر ويؤثر، يختار ويتشكل، ويحتاج إلى أدوات داخلية تحميه قبل أي رقابة خارجية.
هذه الأدوات لم تعد تقتصر على الأخلاق العامة أو القيم النظرية، بل تشمل مهارات نفسية وسلوكية دقيقة: (القدرة على إدارة الانفعالات، التعامل مع الفشل، بناء الثقة بالنفس، التفكير النقدي، والقدرة على التمييز بين الحقيقي والزائف)، هذه المهارات هي خط الدفاع الأول في عالم تتداخل فيه الحقيقة مع الوهم.
وفي هذا السياق، لا يمكن إعفاء المؤسسات من مسؤوليتها، المدرسة، على سبيل المثال، لم تعد كافية بوظيفتها التقليدية التي تركز على التحصيل الأكاديمي.
نحن بحاجة إلى منظومة تعليمية تُعنى ببناء الشخصية بقدر عنايتها بالمعلومة، بحاجة إلى معلم يُربي قبل أن يُدرّس، ويُوجّه قبل أن يُقيّم.
أما الإعلام، فهو يقف اليوم أمام اختبار تاريخي، إما أن يكون جزءًا من الحل، أو أن يتحول – دون قصد – إلى جزء من المشكلة، فالإعلام الذي يروّج للسطحية، ويضخم النماذج غير الواقعية، ويُغرق المتلقي في محتوى استهلاكي، يسهم بشكل مباشر في تشويه البنية النفسية للأجيال، في المقابل، يمكن للإعلام الواعي أن يلعب دورًا محوريًا في إعادة التوازن، من خلال تقديم محتوى هادف، ونماذج إيجابية، وخطاب يعزز الوعي لا يشتته.
لكن، ورغم كل ما سبق، تبقى الحقيقة الأهم والأكثر حساسية: (الأبناء لا يتعلمون مما نقوله، بل مما نفعله). فالتربية في جوهرها ليست تعليمات تُلقى، بل سلوك يُمارس، الطفل يراقب، يُقلد، ويتأثر بالتفاصيل الصغيرة التي قد لا ننتبه لها.
لذلك، فإن أي محاولة لإعادة تشكيل الأبناء دون مراجعة ذاتية للكبار، ستكون محاولة ناقصة.
إننا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. إما أن نستمر في التعامل مع التربية كروتين يومي، ونترك أبناءنا عرضة لتشكيل عشوائي تفرضه الظروف، أو أن نُعيد النظر في كل ما نعتقد أننا نعرفه عن التربية، ونبدأ مشروعًا واعيًا لإعداد جيل قادر على التكيف، متوازن نفسيًا، وواثق من هويته.
هذا الجيل لن يُبنى بالصدفة، ولن يتشكل تلقائيًا، إنه يحتاج إلى وعي، إلى جهد، إلى شجاعة في الاعتراف بأن كثيرًا من أساليبنا لم تعد صالحة لهذا الزمن.
في النهاية، المسألة ليست تربية أبناء فقط، بل إعادة تعريف لما يعنيه أن نكون مجتمعًا قادرًا على الاستمرار.
فالأمم لا تُقاس بما تملكه من موارد، بل بما تبنيه من إنسان.
إن ما اردت الإشارة اليه، هو أن إعادة تشكيل البنية النفسية والسلوكية للأبناء لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة حضارية، إنها استثمار في المستقبل، وضمان لاستقرار المجتمع، وحماية لهويته في عالم سريع الذوبان، وكل تأخير في هذا المشروع، هو ثمن ندفعه من تماسكنا الاجتماعي ومن قدرة أجيالنا القادمة على الصمود.
فهل نحن بالفعل نُعد أبناءنا للحياة .. أم فقط نُجهزهم لاجتيازها؟
وإذا كان العالم يتغير بهذه السرعة .. فهل نحن نُربي أبناءنا ليتكيفوا معه، أم نُربيهم بعقلٍ لم يعد موجودًا؟