الأحد 1 فبراير 2026 06:27 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر عبد الله

رئيس التحرير جودة أبو النور

المقالات

د .محمود ابوعميرة يكتب : اشتقتُ إليك… فعلِّمْني ان لا أشتاق

النهار نيوز

.اشتقتُ إليك، لا لأنك بعيد، بل لأنك قريبٌ أكثر مما ينبغي الى قلبي، قريبٌ إلى حدِّ الوجع، إلى حدِّ أنني كلما حاولتُ أن أنساك، تذكَّرتُ نفسي كما كنتُ حين كنتَ فيها، اشتقتُ إليك، لا لأن الذكريات تلاحقني، بل لأنني أنا الذي ما زلتُ أعود إليها، كمن يضع يده على الجرح ليتأكد أنه ما زال حيًّا.
كانت قصتنا تشبه الحلم الذي يُقال فيه كل شيء دون أن يُقال شيء، أحببتك بصمت، وبقلبٍ لم يتعلّم يومًا فنون الاحتياط، كنتُ أؤمن أن الحب، حين يكون صادقًا لا يفترق، ولا ينتهي إلا بنهاية العمر، ولم أكن أعلم أن بعض القلوب تُحب بصدق، لكنها لا تعرف البقاء.
التقينا في زمنٍ ظننتُه خُلق لي، وصدّقتُ أن الأقدار حين تجمع قلبين فإنها تفعل ذلك بنية الاكتمال، فكنتَ انت الوطن الذي لجأتُ إليه من تعب العالم، واللغة التي فهمتُ بها نفسي، واليد التي حين أمسكتها شعرتُ أنني لستُ وحدي في هذا الكون الواسع.
لكننا، يا قدري، لم نكن حكاية طويلة، بل كنّا ومضة، جميلة، خاطفة، ومؤلمة وحين انطفأت لم ينتهِ حبّنا فجأة، بل تآكل ببطء، كشمعةٍ تذوب في صمت، حتى جاء وقت لم يبقَ منها سوى الدموع والذكريات، وافترقنا، لا لأن الحب مات، بل لأننا لم نعرف كيف نحميه من أنفسنا، ومن الظروف، ومن الخوف.
الفراق ليس لحظة، بل سلسلة من اللحظات، عندما تستيقظ في الصباح فلا تجد رسالة كانت تأتيك كل يوم، وتمرّ على الأماكن نفسها، لكنك تمرّ وحدك، وتضحك في مجلسٍ عام، ثم تبكي في داخلك لأن أحدًا كان يجب أن يكون هنا ولم يعد، فالفراق هو أن تعتاد الغياب حتى يصبح حضورك أنت هو الغريب.
أكثر ما يؤلمني ليس أننا افترقنا، بل أن الحب ما يزال هنا ينبض رغم كل شيء، يرفض الرحيل، يرفض الموت، ويؤلمني أنني لا أكرهك، ولا أستطيع، وأنني حين أسمع اسمك لا يرتجف صوتي، لكن قلبي هو الذي يرتجف، ويؤلمني أنني كلما قلتُ “انتهى”، همس قلبي: لم ينتهِ بعد.
كيف أشرح لقلبي أن الحب لا يكفي أحيانًا؟ كيف أقنعه أن الصدق وحده لا يصنع نهاية سعيدة؟ كيف أعلّمه أن بعض العلاقات، مهما كانت جميلة، من الممكن الا يكتب لها الاستمرار؟ وياللاسف فالقلب يا صديقي لا يفهم المنطق، ولا يعترف بالحكمة، هو فقط يشعر… ويشعر كثيرًا.
نعم اشتقتُ إليك، وبدأ الشوق يتحوّل من إحساسٍ الى عبءٍ ثقيل، فلم يعد يدفئني، بل يرهقني، ولم يعد يذكّرني بالحب، لا لأن الحب كان خطأ، بل لأن الاستمرار في حمله صار يؤذيني ويؤلمني.
والان أريد أن أنسى، لكن النسيان ليس زرًّا نضغطه، النسيان رحلة، مؤلمة، بطيئة، مليئة بالتردّد، فعلّمني يا قدري كيف أنسى، علّمني كيف أستعيد قلبي من بين يديك، كيف أرتّب مشاعري، كيف أُطفئ هذا الحنين الذي يزورني بلا موعد، علّمني كيف أمرّ من أمام ذاكرتك دون أن ألتفت، وكيف أسمع صوتك في داخلي دون أن أجيبه.
أنا لا أريد أن أمحوك، ولا أتنكّر لما كان، فالحب الذي عشته معك كان حقيقيًا، وكان جزءًا من تكويني، لكنني أريد أن أضعه في مكانٍ لا يؤلمني، أريد أن أُحبّك كذكرى، لا كجرحٍ مفتوح، كصفحةٍ جميلة أغلقتها بهدوء، لا ككتابٍ أعود إليه كل ليلة لأبكي.
تعبتُ من مقاومة الشوق، وتعبتُ من الاستسلام ، أريد منطقة وسطى، سلامًا باردًا، ذكرى بلا دموع، اسمًا بلا خفقان، أريد أن أستيقظ يومًا ولا أبحث عنك في تفاصيل يومي، أريد أن أضحك من قلبي دون أن يمرّ طيفك في خيالي فتبكيني الذكري.
فربما النسيان ليس أن تختفي من قلبي، بل أن تتوقف عن السيطرة عليه، وربما الشفاء ليس الا أشتاق، بل الا يؤلمني الشوق، وربما الحب الحقيقي أن نترك، لا أن نتمسّك.
واليوم، وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أكتبها لك بقدر ما أكتبها لنفسي أكتبها لأقنع قلبي أن الحياة لا تتوقف عند شخص، مهما كان عظيمًا في مشاعره، أكتبها لأتذكّر أنني أستحق سلامًا لا يؤلمني، وطمأنينة لا تُوجعني، وحبًّا لا يجعلني أطلب النسيان.
نعم اشتقتُ إليك، وارهقني الاشتياق، فعلّمني يا قلبي…كيف لا أشتاق، علمني كيف يموت الدمع وتنتحر الاشواق.

اشتقت اليك محمود ابوعميرة اشتقت